الأنظمة الموصوفة بالوطنية والقومية ارتبطت بالاستبداد والفساد، وهي تلتقي باستبدادها وفسادها استبدادَ وفسادَ الأنظمة التي لا تدعي تلك الوطنية، بل لها ارتباطاتها بالغرب الإمبريالي والكيان الصهيوني!!
فالاستبداد والفساد واحد مشترك عند الجميع، وهما ليسا مقبولين تحت أية ذريعة كانت، فكيف إذا كانت الشعارات هشة ويمكن نقدها وتفنيدها بسهولة!
نعم لا يمكن قبول مقولة قبول الاستبداد والفساد والذل والعبودية كرمى لعيون الوطنية أو القومية أو الممانعة.. لأنه طرح صبياني؛ فتلك الشعارات من المفترض أن تكون من أجل الشعب من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وليست مجرد شعارات متناقضة مع نفسها ومع الواقع!

إن قضية الوطنية/ القومية لم تعد غطاء إلا أن بعض القومجيين والمتمركسين ممن أوغلوا في الدفاع المستميت عن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، يظنون أنفسهم أنهم يدافعون عن الوطنية والقومية والممانعة ولكنهم في الحقيقة يدافعون عن الاستبداد والفساد والقمع الوحشي، يدافعون عن كرسي الحكم الذي هو الأول والآخر وليس أي شيء آخر بالنسبة للحاكم الفرد. وفي الوقت نفسه يعدون ملايين الشعب خائناً ووحدها تلك الأنظمة هي الوطنية، إنها الحماقة والغباء نتيجة ضحالة الثقافة والوعي والمبادئ والإنسانية والأخلاق.. سواء أأدركوا ذلك أم لم يدركوا!
فهناك ضياع عند البعض في رؤية الواقع وتناقضات الشعارات معه؛ فالنظرية شيء رائع ولكن الممارسة شيء آخر مقرف، مما يدل على زيف الطرح النظري، لأن المقياس هو الممارسة وليس الثرثرة الفارغة!

لن نستخدم مصطلح الديموقراطية كمقابل للاستبداد لابتذال الغرب المزيف له، وعلى كل لم تكن الكلمة معروفة في زمن الكواكبي عندما دق ناقوس الخطر العربي في المرة الأولى في كتابه "طبائع الاستبداد"، كما أن المصطلح لم يستخدم في الدستور الأمريكي نفسه عند وضعه عقب حرب الاستقلال عن بريطانيا؛ استقلال مستعمرين عن مستعمرين!
سنستخدم تعبير حرية الإنسان في تبني الأفكار التي يقتنع بها والتعبير عنها والنقد آمناً مطمئناً لأنه حقه المستلب.. إضافة إلى أن من حقه كمواطن في دولته أن يُحترم كإنسان ويُقدر ويحيا حراً بكرامة وعزة نفس، بينما الطرف الآخر الحاكم بأمره المالك الوحيد للسلطة يتعامل مع الوطن كمزرعة له، ومع الشعب كعبيد وحيوانات له!

لم يسقط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية (العالم الثاني) بسبب الفكر الاشتراكي، ولكن بسبب الاستبداد والقمع الذي مورس على شعوب المنظومة، الذين عاشوا مرغمين تحت الفساد وامتيازات سادة الأحزاب الشمولية الواحدة التي شكلت الطبقات البرجوازية الجديدة في النظم الاشتراكية؛ وهذا فتح الباب لدخول الإمبرياليات الغربية وعلى رأسها زعيمتهم الولايات المتحدة بعد الحرب الأوروبية الثانية، رافعين بروبوغندا الديموقراطية والحرية.. إضافة إلى حياة الرفاهية (المزيفة).. لتضرب النظام الاشتراكي عدوها الأساسي وليس دكتاتورية تلك الأحزاب..
لقد وجد الغرب الإمبريالي التربة خصبة لأن الواقع كان سيئاً في داخل المنظومة وهناك معاناة حقيقية في أعماق شعوبها من شمولية الحزب وتسلطه وقمع دولة الأمن وإرهابه الذي زرع الخوف في أعماق الناس وأفقدهم إنسانيتهم..
لذلك المسؤول الأول عن انهيار المنظومة الاشتراكية هي تلك الأحزاب الشمولية الاستبدادية الفاسدة.. بينما الاشتراكية هي من أجل الإنسان من أجل حريته وكرامته والعدل.. فلو كانت مطبقة مبادئ الاشتراكية الإنسانية، لما تمكنت تلك الإمبرياليات من اختراق الداخل الذي نخره السوس!!

وفي العراق أيضاً كانت هناك الشعارات المزيفة حول تعظيم الشعب وبأن كل شيء من أجل الشعب فهو الهدف الأول والآخر..!!
لم يكن هناك شك بوطنية صدام حسين ولكن لم يكن هناك شك أيضاً باستبداده هو وحزبه ونظامه وأساليب قمعه وفساده، لقد جعل صدام من نفسه أنه هو العراق وهو الشعب. بينما الحقيقة أن الشعب الضحية والمتاجر باسمه غُيّب عن المشهد وعن القرار، مما أدى إلى الانفصال والقطيعة بين النظام والشعب، ولو كان هناك ترابط حقيقي بين صدام وشعبه وجعله حراً كريماً وصاحب القرار، لاستحال على الغرب وأمريكا أن يحتلوا العراق بتلك السهولة التي أبكتنا ونحن نتابع الصحاف في كلماته الأخيرة!! فمن المسؤول الأول عن سقوط العراق؟

واليوم تتكرر الصورة في ليبيا والقومجيون والمتمركسون يهربون للأمام في مواقفهم من القذافي الذي يقاتل من أجل الكرسي فقط لا غير، فيقرون ويعترفون بأنه لديهم الملاحظات العديدة عليه ولكن الآن ليس وقتها!! والمضحك أنه متى كان لها وقت في حياتهم وفكرهم؟ فماذا فعلوا تجاه تلك الملاحظات على امتداد أربعة عقود من حكمه؟ لم نسمع مرة أن المدافعين عنه شكلوا وفداً لمقابلة القذافي لنصحه وإرشاده، ولم نسمع قومجياً قابل القذافي ليبين له خيانته للقضية الفلسطينية بمشروعه التافه (إسراطين)، ولم نسمع نقده لتصرفاته الشاذة والمؤلمة تجاه شعبنا الفلسطيني في ليبيا..
هل هناك من حاول أن يوعيه وينبهه ويفهمه الحقائق؟ هل هناك من تجرأ ليقول له إنك باستبدادك وفسادك وأسرتك وحاشيتك، وتصرفاتك البهلوانية، سينفض عنك شعبك إلا المرتزقة والانتهازيون والوصوليون والمتملقون، وسينتفض شعبك ضدك في يوم ما، وسيجد الغرب الإمبريالي ثغرة يدخل من خلالها إلى بعض الناس ليتآمروا على ليبيا كلها دولة وشعباً؟!

والوضع نفسه ينطبق على الدول العربية الأخرى دول الأسياد والعبيد، دول الرق الحديث التي تقتل الآلاف من شعبها المسالم بوحشية وهي على استعداد لقتل الملايين العزل ناهيك عن الاعتقالات وأساليب التعذيب الفاشية.. وهي تزيف الحقائق وتحجبها وتمنع الإعلام الآخر من فضحها ونشرها.. وكل ذلك من أجل بقاء الاستفراد والاستئثار بالكرسي فقط لا غير!

إن انتفاضات الشعب العربي جوهرها طبقي يخرج فيها آلاف الفقراء والمعدمين وعشاق الحرية والكرامة (أيها المتمركسون المزيفون)! لقد جاءت انتفاضاتهم نتيجة تاريخ مرير من استبداد حكامهم وفسادهم، ومعاناتهم المتعددة الجوانب التي يحيون فيها ولا سيما الفقر والذل والقهر والعبودية، بينما يرون أن حكامهم المستبدين يستأثرون هم وأسرهم وحاشيتهم بالسلطة والقوة والمال وينعمون بتلك الثروة وبرفاهيتها التي لا تقل عن رفاهية الملوك وأغنى أغنياء العالم!!

لقد صار الحكام الرؤوساء طغماً مالية كما هي طغم المال الملوكية والرأسمالية، لقد صاروا طبقياً من البرجوازية الكبيرة، واستثمروا الأموال التي نهبوها من الشعب في أسواق البورصة والاستثمارات والكومبرادور.. إنها طبقة برجوازية طفيلية كبيرة وظفت لحمايتها الجيش والأمن والشبيحة والبلطجية من المرتزقة والمستفيدين من النظام الذين ارتبطت مصالحهم ببقاء النظام، لأنهم سينتهون إن انتهى النظام، فمعركتهم معركة حياة أو موت.. ليس من أجل الوطن وإنما من أجل أسيادهم وأنفسهم!

إن تلك الطغم الطفيلية الحاكمة هي مجرد أطراف تبقى تدور في فلك المراكز الرأسمالية الاستعمارية الكبيرة (الإمبرياليات).. وبالتالي تلتصق مصالحها مع تلك الإمبرياليات.. وهذا ما يجعل القضية الوطنية التي يدعونها قضية براغماتية؛ فهي ليست مبنية على المبادئ التي تدعيها بل ارتبطت حقيقتهم بتلك المصالح، وهذا ما تكشفه الممارسة ولكن بقيت الشعارات ما دامت تخدم مصالحهم!
وهذا ما يجب أن يعيه القومجيون العرب والمحللون المتمركسون لا أن ينظّروا في القومية والماركسية ثم عند التطبيق ينسون في التحليل ألف باء الماركسية والوطنية والقومية ويقزموا القضية لتغدو مجرد شعارات مطروحة أو مواقف محددة لم يحللوها بعمق جدلي، ويبنون عليها رؤيتهم السياسية وتحليلهم اللاعلمي..

لم يقرأ الحكام تاريخ الشعوب ولن يقرأوا، ولم يفكروا بتجارب من سبقهم ولن يفكروا، ولم يستوعب دعاة الوطنية والقومية منهم بأن بديهية مواجهة الغرب الإمبريالي والصهيونية لا تكون إلا بتوحد القيادة مع الشعب، وبأن الشعب الحر والمكرم هو من يتصدى للمستعمرين والمعتدين، وذلك يدل على أن شعاراتهم مزيفة وأن الكرسي هو الجوهر؛ لذلك بقيت عقليتهم ضمن أيديولوجية وضع الشعب تحت أحذية العسكر والأمن كأفضل ضامن للكرسي؟!

الوطنية تتناقض مع الاستبداد والفساد، لأن الاستبداد والفساد يؤديان إلى الخيانة الوطنية والقومية؛ ولا يمكن الفصل في ميكانيكية تسلسل الاستبداد والفساد وخيانة الوطن والشعب.. وأولئك الحكام هم وحدهم من يتحمل مسؤولية ما يحل في وطننا العربي!

لقد قامت انتفاضات ديموقراطية عفوية في الشارع العربي منادية بسيادة الشعب الأبدي وبأن الحاكم هو مجرد موظف عابر ومؤقت وليس أكثر من خادم للشعب. وقد ركب موجات الانتفاضات ما هب ودب من أطياف متعددة وحملة أفكار وأيديولوجيات متعددة، حتى أنه دخل على خطوطها عملاء الغرب الإمبريالي والرجعيات المتعفنة.. ولكن تلك الانتفاضات هي البداية وليست نهاية المطاف لتحقيق آمال الجماهير، فلا بد لها من انتفاضات أخرى لتنظف صفوفها من العملاء والدخلاء والمتسلقين والانتهازيين والرجعيين.. بل لا بد لها من ثورات حقيقية واعية لتغيير الأوضاع جذرياً لصالح الجماهير الكادحة ولتحقيق مطالبها في الحرية والكرامة والدولة المدنية التعددية التي تحكمها القوانين والعدل، ولتحرير البلاد من الغرب الاستعماري والمرتبطين به داخلياً، وبقايا الأنظمة الفاسدة، والتمسك بأهداف الأمة العربية في تحررها ووحدتها وتحرير فلسطين كلها وإزالة الكيان الصهيوني من الوجود..



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
سوسن البرغوتي:
بما أن الناشر يربط منظومتين أو لنقل توازن سياسي، معنى ذلك لا يمكن أن تأتي السياسة الداخلية على حساب الخارجية، والعكس صحيح. القذافي وسلطته الآن يقتلان ضد غزو خارجي، وشئنا أم أبينا، هم مقاومون لاحتلال قوات الناتو وحلفائها. على الوطني المخلص، أن لا يرجح أي شعار على حساب استقلال الوطن وسيادته، ولا يغفل حقوق المواطنة وواجباتها.وأن يراعي أهم نقاط جوهرية، أنه لا نظام سياسي عالمي متكامل بالمعنى المطروح، وأن مرضاة كل الشعب، غاية لا تدرك، وليس فئة منه، أو حتى مقولة المشاركة وصولا للمغالبية، لدى بعض الأحزاب!، وإلا فالحروب الداخلية ستشتعل، ويرفع السلاح من هب ودب.. فإن كانت المعارضة الوطنية الآن، تعتقد أن رأيها هو الأصح والأفضل، فما بالك بأجنحة أخرى تنتمي للحلفاء العرب وغير العرب، ناهيك عن وجود "اسرائيل" خنجر يطعن الأمة، بهدف تقسيمها بعد انقسام الشعب!. الحل المناسب، تسوية تخرج البلاد من عاصفة تقضي على الوطن برمته..أن يكون المرء رومانسياً سياسياً، هو بذلك يدخل الناس في متاهته هو، لا المرأي والواقع على الأرض