حتى التاسع من أيلول عام 1982 كان أغلب قادة ومنظري فصائل حركة التحرر القومي والوطني العربية وبشكل خاص الفلسطينيين، ينظرون إلى الأمم المتحدة وقراراتها نظرة شك وارتياب. بل كان الكثير منهم يعتبرها أداة بيد الصهيونية والاستعمار لتشريع ما تريدان تمريره على الشعوب، وكانت تعتبر القرار 181 بمثابة جريمة بحق الإنسانية، لأنه شرَّع لأول مرة في التاريخ حق غزاة قدموا من جميع أنحاء الأرض لإقامة وطن لهم في بلد لا يمتون إليه بصلة. ولقد عامل أغلبهم كل من وافق على القرار 181 معاملة الخونة والعملاء بل والأعداء.
الأمر ذاته انطبق - إلى حدٍ كبير- على القرارين 242 و 338 اللذين تجاهلا احتلال الصهاينة لـ 78 % من أرض فلسطين، ولأنهما اعتبرا هذا الاحتلال أمراً واقعاً غير قابل للتبديل ولدعوتهما العرب للاعتراف بحق المسماة "إسرائيل" في الوجود تحت ذريعة السلام!
وقد تغير الموقف بعد أن غير القادة والزعماء العرب مواقفهم من هذه القرارات في قمتهم الثانية عشرة.
والطريف في الأمر أن القادة والزعماء العرب المجتمعين في فاس في التاسع من أيلول عام 1982 لم يوافقوا على المشروع الذي تقدم به رئيس الجمهورية التونسية والقائم على اعتماد الشرعية الدولية وبخاصة القرار 181 لحل القضية الفلسطينية، في حين أقروا المشروع الذي تقدم به الملك فهد والمستند إلى الشرعية الدولية أيضاً، لكن على القرار 242 الذي يعطي الفلسطينيين 22 % فقط من مساحة فلسطين وليس 45 % منها كما نص القرار 181.
والملفت للنظر أن القيادة الفلسطينية في مؤتمرها السادس عشر المنعقد في الجزائر عاصمة المليون شهيد في 22 شباط 1983 وافقت على مشروع الملك فهد الذي تضمن القبول بالقرار 242، تحت غطاء ما أطلقت عليه اسم المشروع العربي للسلام واعتبرت تلك الموافقة بمثابة الحد الأدنى للتحرك المنشود في المرحلة المقبلة.
مما لا شك فيه أن ما تم إقراره في القمة العربية الثانية عشرة والمجلس الوطني الفلسطيني السادس عشر كان بمثابة انقلاب في الفكر السياسي العربي والفلسطيني، وشكل نقلة نوعية باتجاه التنازل عن الحقوق الثابتة للشعب العربي في فلسطين. باعتبار أن الإقرار بالشرعية الدولية والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة لا يشكل إقراراً بحق الغزاة اليهود في الوجود والأمن والسلام فحسب، بل تنازلاً عن الحقوق التاريخية للعرب والمسلمين، عدا عن كونه يتناقض تناقضاً جذرياً مع الشرعية التاريخية والثورية ومع الميثاق القومي/ الوطني الفلسطيني.
لقد راح كثير من القادة والمنظرين العرب والفلسطينيين يُسوّغون عملية التحول هذه من خلال الزعم بأن القرارات الدولية توفر لنا حقاً يمكن استخدامه في المجال الإعلامي والدولي من أجل محاصرة المسماة "إسرائيل" أو يمكن أن نوظفها في خدمة الشرعية التاريخية أو يمكن أن نستثمرها لنحقق بعضاً من أهدافنا بما يتيح لنا المجال بعد ذلك للانطلاق من أجل استرداد الحقوق الأخرى المغتصبة.
والملفت للنظر والمدهش حقاً هو أن الأمور لم تجر وفقاً لهذا التبرير المزعوم والملفّق بل على العكس تماماً، حيث اتخذت القيادة الفلسطينية من الشرعية الدولية منطلقاً للتنازل عن الحقوق التاريخية وللتخلي عن الشرعية التاريخية لمصلحة الشرعية التفاوضية في أوسلو التي لم تلبث أن اعتمدت في مؤتمر أنابوليس للارتماء في أحضان الشرعية "الإسرائيلية"!
ولقد وجد بعض الفلسطينيين والعرب أنه إذا كانت قياداتهم الرسمية قد تخلت - رسمياً وعلناً- عن فلسطين التاريخية وعمّا يخصَّها به قرار التقسيم بقبولها بدويلة على 22 % من أرض فلسطين، ولم يعد باستطاعتهم المطالبة باستعادة أراضيهم المحتلة عام 1948، وبما أن تلك القيادة لا تستطيع التخلي عن حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، باعتبار أن هذا الحق هو حقٌ فرديٌ إضافة لكونه حقاً جماعياً، فلقد وجد بعضهم في القرارات الدولية وبخاصة القرار 194 منطلقاً وأساساً بل سلاحاً يمكن استخدامه من أجل المطالبة بحق العودة أو استخدامه كسلاح لمنع التنازل عن هذا الحق، أو لإعاقة عملية التنازل التي تسعى إليها القيادات العربية والفلسطينية من خلال مشروع السلام العربي الجديد المستند إلى مبادرة الأمير عبد الله المرتكزة على اقتراح الصحفي الأمريكي الصهيوني توماس فريدمان. فشكلوا لجاناً ومجموعات تحمل اسم القرار المذكور، كما أن كثيراً من رؤساء الجمهوريات والوزارات والقادة والمنظرين العرب الوطنيين باتوا يستعينون بالقرار (194) من أجل المطالبة بحق العودة.
لا أحد ضد استخدام الأسلحة التي تتيحها لنا الشرعية الدولية خاصة القرارات التي صدرت في الفترة الواقعة ما بين عام (1967- 1975) لمحاصرة الكيان الإسرائيلي سياسياً وإعلامياً لاستعادة حقوقنا المسلوبة.
ومع أنه قد وجه نقد شديد للقرارين 181 و 242 لكن لم يتصد أحد من الباحثين أو السياسيين للقرار 194 بالدراسة والنقد مع أنه أسوأ من القرارين المذكورين كما سنبين في هذا البحث، وكيلا نظل معلقين بحبال الهواء ونركض وراء الأوهام والجزرات، ونضّيع الوقت بشكل نتيح فيه للصهاينة وحماتهم وأدواتهم الاستفادة منه لفرض حقائق جديدة على الأرض يصعب تغييرها، فإن الأمر بات يستدعي وضع هذا القرار على طاولة البحث لندقق في:
أولاً: الظروف التاريخية والقانونية والسياسية المنشئة للقرار المذكور.
ثانياً: المخالفات القانونية والسياسية التي يتضمنها.
ثالثاً: مضمون القرار لنرى فيما إذا كان يصلح استخدامه كسلاح من أجل العودة أو للتمسك بهذا الحق أو لعدم التنازل عنه.
تاركين بعد ذلك المجال للبحث في وسائل أخرى، ليس للتمسك بحقنا في العودة فقط بل لاسترداد جميع حقوقنا في فلسطين كل فلسطين.


***


أولاً: الظروف المنشئة للقرار 194
(ما قام على باطل فهو باطل)
إن مجرد قبول العرب (بحسب المشروع الذي تقدمت به المجموعة العربية للجمعية العامة للأمم المتحدة) إعطاء المهاجرين اليهود الذين وصلت أعدادهم عام 1947 إلى ما يقارب ستمئة ألف مهاجر حق المواطنة في فلسطين أسوة بأصحاب الوطن الأصليين، كان يعتبر في حد ذاته تنازلاً كبيراً عدا عن كونه كرماً ونبلاً زائداً إذ أن كثيراً من الدول التي تسمي نفسها اليوم دولاً متحضرة ومتمدنة وترعى حقوق الإنسان وتقبل اللجوء السياسي والإنساني ما تزال حتى اليوم ترفض إعطاء المهاجرين غير الشرعيين حقوق المواطنة أو أي من الحقوق المدنية والسياسية التي يتمتع بها مواطنوهم، حيث تشير التقارير إلى وجود ما يزيد عن عشرين مليون مهاجر في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها محرومين من التمتع بالحقوق السياسية والمدنية.
أما عندما تطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة من العرب أن يقبلوا بأن يكون لهؤلاء المهاجرين الحق في إقامة دولة لهم على أرض ليست لهم، وعندما يطلب منهم أن يقسموا هذا البلد بينهم وبين هؤلاء الغزاة الأغراب القادمين من شتى أصقاع الأرض والذين لم يكونوا يخفون أطماعهم في الاستيلاء على فلسطين كلها وإلى ما هو أبعد منها لتطال المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل، إذ القرار (181) يعطي لهم ما نسبته 54 % من المساحة العامة لفلسطين في الوقت الذي لم يكونوا قد امتلكوا بكل الوسائل غير المشروعة في حماية الانتداب البريطاني ما يزيد عن 6.7 % من المساحة العامة لها ولم تزد أعدادهم عن ثلث السكان المقيمين في فلسطين، فيكون من الطبيعي والمنطقي جداً أن يرفض العرب والفلسطينيون قرار التقسيم كما هو من الطبيعي أن ترفض الأم قرار سليمان الحكيم الذي قضى بقطع ولدها بينها وبين المرأة التي سرقته وادعت بأنه ابنها.
ونحن إذا تجاهلنا جميع المخالفات القانونية لميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان التي قام بها حماة اليهود وأدواتهم من خلال عرض قضية فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة لتمرير قرار تقسيم فلسطين لإقامة دولة لليهود فيها، وسلمنا جدلاً بأن الأمم المتحدة كما جاء في الأهداف التي من أجلها تم تشكيلها أي لمنع نشوب الحروب وخلق حالة من الوئام والسلام بين الدول والشعوب، كان يفترض بها أن تأخذ برأي اللجنة المكلفة بالإشراف على قرار التقسيم كما هي واردة في البند (ب) من القرار 181 والمشكلة استناداً للقرار 184، حيث ذكرت في تقريرها المقدم للأمين العام للأمم المتحدة أن قرار التقسيم لا يمكن تنفيذه إلا من خلال القوة العسكرية أي بالحرب، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى سحب قرار التقسيم من التداول. وعندما رفضت بريطانيا دخول اللجنة الدولية المكلفة بالإشراف على التقسيم إلى ما بعد خروج قواتها من فلسطين، فاضطرت الجمعية العامة يوم 14 أيار 1948 إلى إصدار القرار رقم 186 والذي ينص على إرسال وسيط دولي مهمته الحيلولة دون نشوب أعمال قتالية. وبما أن ذلك الوسيط الدولي (الكونت السويدي فولك برنادوت) وصل متأخراً بعد أن تم الإعلان عن قيام دولة لليهود من طرف واحد خلافاً لما ينص عليه القرار 181، وبعد نشوب الأعمال القتالية، فلقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة يوم 28 أيار بأن يدعو مجلس الأمن إلى الاجتماع لإصدار قرار يدعو الأطراف المتصارعة إلى وقف إطلاق النار لمدة 4 أسابيع وهذا ما حصل في القرار رقم 108/ د. والذي تمت فيه دعوة جميع الحكومات والسلطات إلى إصدار أوامرها بوقف الأعمال القتالية.
وحيث تم في القرار الطلب من الوسيط الدولي السهر على تطبيق الهدنة واستمرارها وعلى أن يعمل خلال تلك الفترة على الاتصال بجميع الأطراف بقصد إرساء اتفاق سلام بينها، ودخلت الهدنة الأولى حيز التنفيذ يوم 11 حزيران. ولما فشل الوسيط الدولي مرة أخرى في إقناع كلا الطرفين من الاستمرار بوقف إطلاق النار، واندلعت الأعمال القتالية مرة أخرى في 9 تموز أصدر مجلس الأمن قراره الذي حمل الرقم (54) الصادر بتاريخ 15 تموز 1948 استناداً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذا الفصل في تاريخ المنظمة الدولية) إذا لم تتوقف الأطراف المتقاتلة وتلتزم بالهدنة التي بدأت يوم 16 تموز بعد أن استطاعت العصابات الصهيونية احتلال ما يقرب من 78 % من مساحة فلسطين العامة، وما يزيد عن ثلثي مدينة القدس وتهجير ما يزيد عن مليون فلسطيني. ولقد أتاحت الهدنة الثانية للوسيط الدولي الاتصال بجميع الأطراف من أجل التوصل إلى صيغة تجعل من الهدنة المؤقتة هدنة دائمة من خلال إبرام اتفاقياتٍ للهدنة أبرمت بين المسماة "إسرائيل" والدول العربية.
في هذه الفترة سعى الكونت برنادوت إلى التوصل إلى صيغة حل وسط يقوم على:
أولاً: ضم منطقة النقب للدولة الفلسطينية التي ستضم بدورها إلى المملكة الأردنية الهاشمية. مقابل ضم الجليل الغربي للدولة اليهودية، أي اعطاء الفلسطينيين ما يقرب من 60 % من المساحة العامة لفلسطين ولليهود 40 % منها.
ثانياً: حماية الأماكن المقدسة وإبقاؤها خارج سيطرة أي من الدولتين.
ثالثاً: عودة اللاجئين الذين طردوا من المناطق الخاضعة للدولة اليهودية إلى بيوتهم.
لقد رفض كل من العرب واليهود مقترحات الكونت برنادوت، لكن الذي أثار أحقاد اليهود عليه معرفتهم أنه يوم 16 أيلول أرسل من باريس اقتراحاً يدعو فيه الأمين العام للأمم المتحدة إلى العمل بأسرع ما يمكن من أجل إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها من دون أي قيد أو شرط تلافياً لكارثة إنسانية كانت ملامحها تلوح في الأفق مع انعدام المساعدات الإنسانية ومع اقتراب فصل الخريف.
لذلك قامت العصابات الصهيونية باغتياله ومساعده الفرنسي يوم 17 أيلول على حاجز في مدينة القدس مما استدعى تكليف الدكتور رالف بانش للقيام بالمهمة التي قتل من أجلها الكونت برنادوت.
وبعد ذلك أصدر مجلس الأمن قرارين استناداً للبند السابع والثامن يومي 4 و 16 تشرين الأول يحرم فيهما استخدام القوة لتغيير الواقع الذي فرضه اليهود بالقوة.
وفي 16 تشرين الثاني من عام 1948 أبرمت اتفاقية للهدنة الدائمة بين مصر والمسماة "إسرائيل" أولاً، ثم تلتها اتفاقية ثانية بين المسماة "إسرائيل" والأردن، وثالثة بين المسماة "إسرائيل" ولبنان، تم فيها اعتبار الحدود التي استطاع اليهود الصهاينة احتلالها بالقوة أمراً واقعاً ومسلماً به، وهي أي الحدود قابلة للتعديل أثناء التسوية النهائية للصراع.
واستناداً لهذه الإنجازات التي حققها الصهاينة على الأرض بالتعاون مع الدول الاستعمارية المسيطرة على مجلس الأمن وتهاون وتخاذل الأنظمة العربية وجيوشها اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 11/ 12/ 1948 وأصدرت في جلستها الثالثة القرار 194 القاضي بتشكيل لجنة توفيق دولية تتابع المهمة التي قضى نحبه من أجلها الكونت برنادوت.


***


ثانياً: المخالفات القانونية والسياسية للقرار 194
يرى جان إيف أوليه في كتابه عن لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين (1) أن ثلاثة عناصر حددت سلفاً عمل اللجنة: أساسها القانوني وتكوينها وصفات أعضائها وموقف أطراف النزاع منها:
أ- استناداً لتعريف التوفيق في القانون الدولي باعتباره (إجراءاً شبه قضائي لتسوية نزاعات، تقع في منزلة وسط بين التحقيق والتحكيم، يتضمن أن يعهد طرفا النزاع إلى هيئة ما لتقوم بامتحان جميع وجوه النزاع واقتراح حل لا تكون له صفة إلزامية) يرى أوليه:
1- بما أن اللجنة تكونت بناءً على طلب من الجمعية العامة استجابة للاقتراح الذي تقدم به الوسيط الدولي (الكونت برنادوت) وليس بناء على طلب أو استجابة لرغبة طرفي النزاع، فإن هذا جعل من عمل اللجنة محكوم عليه بالفشل سلفاً.
2- بما أن مواقف طرفي النزاع كانت متباعدة جداً من الناحية الحقوقية ويصعب التوفيق بينها من خلال الإقناع والحوار والمفاوضات، لذلك كان من المتعذر التوصل إلى اتفاق أو إلى حل وسط فيما بينهما من خلال المفاوضات، كما نص على ذلك القرار في المواد 4 و 5 و 6.
3- بما أن القرار لم يشر إلى حق اللجنة في تقديم الاقتراحات التي تراها مناسبة، يكون قد أفقدها سلطةً معنوية حكمت على عملها سلفاً بالفشل قبل أن تبدأ. الأمر الذي يفهم منه أن تشكيل اللجنة لم يكن يهدف إلى التوفيق بقدر ما كان يرمي إلى إضاعة الوقت أو كسبه من قبل أحد طرفي النزاع.
[في الظروف الملموسة للنزاع كانت المسماة "إسرائيل" هي الطرف المستفيد لأنها الأقوى والأقدر على حصول مزيد من عوامل القوة، في حين كان الطرف العربي مشتتاً ومحاصراً ويفتقد القدرة على اتخاذ المواقف الموحدة، الأمر الذي أتاح للمسماة "إسرائيل" الانفراد بكل طرف عربي على حده لتثبيت الحدود التي جرى احتلالها بالقوة العسكرية كأمر واقع وليس استناداً للاقتراحات التي تقدمت بها الجمعية العامة أو الوسيط الدولي، وهذا الأمر ما زال سارياً منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم].
4- بما أن التوفيق هو نهج مرن جداً لتسوية النزاعات ويترك للأطراف المتنازعة كامل حريتها وسيادتها فإنه يجعل من عدم إلزامية اقتراحات اللجنة أمراً عبثياً. وبما أن القرار افتقد إلى لا يقينية المصطلحات والمرجعيات وكان يعوزه التماسك، وإن كان عامل المرونة هذا مهم جداً من الناحية العملية إلا أنه من الناحية القانونية جعل عمل اللجنة عديم الجدوى.
5- عندما كلفت الجمعية العامة اللجنة في الفقرة (ب) من المادة (أ) الواردة في القرار 194 (بمهمة تنفيذ المهام والتوجهات المحددة التي يصدرها القرار إليها إضافة للمهمات والتوجهات الإضافية التي تصدرها الجمعية العامة أو مجلس الأمن) فإن القرار يكون قد خلق حالة من الازدواجية تجعل من أي اقتراح تتقدم به اللجنة غير ذي قيمة من دون العودة إلى الجمعية العامة أو مجلس الأمن.
ب- أما فيما يتعلق بتكوين اللجنة وصفات أعضائها، فإن السيد أوليه يرى أن اللجنة وإن كانت قد تشكلت استجابة لرغبة الوسيط الدولي إلا أنها عملياً ابتعدت عن اقتراحه المتعلق بالتفويض الذي يجب أن يعهد به إلى أفراد مستقلين، باعتبار أن الجمعية العامة ارتأت في البند الثاني أن يكون الوسيط دولاً على أن تنتدب هذه الدول ممثلين عنها، بالزعم أن ذلك سيوفر للجنة دعماً سياسياً ويجعلها أكثر فعالية، لكن تكوين اللجنة من دول مثل: فرنسا والولايات المتحدة المنحازتين لكيان المسماة "إسرائيل" إضافة لتركيا لتقوم هذه الدول الثلاث بدور الوسيط، جعل عمل اللجنة غير ذي جدوى لافتقاده إلى النزاهة المطلوبة.
ج- أما فيما يتعلق بمواقف أطراف الصراع من اللجنة فإن المؤلف يرى أن المسماة "إسرائيل" لم تكن متعاونة معها ولم تعر اقتراحاتها أي اهتمام، وظلت ماضية في سياستها كما لو أن اللجنة غير موجودة.
وبما أن الفقرة (5) من القرار تدعو الحكومات إلى توسيع نطاق المفاوضات وإلى البحث عن اتفاق عن طريق المفاوضات المباشرة مع اللجنة أو بين الأطراف المتنازعة، التي كان معروفاً أنه من المستحيل أن توافق على إجراء مفاوضات مباشرة فيما بينها فإن هذا الواقع يكون قد أغلق الباب سلفاً على أية إمكانية للتوصل إلى تسوية سلمية، التي زعم القرار أنه صدر من أجلها، وترك الباب مفتوحاً للصراع حتى وقتنا الراهن.


***


ثالثاً: مضمون القرار 194 والغاية منه
يتضح لنا من القراءة العامة للقرار رقم 194/ 3 تاريخ 1948 أن الهدف من ورائه ليس تثبيت حق العودة كما روج ويروج البعض له، بل إنشاء لجنة توفيق دولية تقوم بإجراء الاتصالات مع الأطراف المتصارعة بهدف التوصل إلى تسوية سلمية بعد الأحداث التي ألمت بفلسطين جراء استيلاء العصابات الصهيونية على 78 % من أرض فلسطين وطرد ما يزيد عن مليون فلسطيني من أرضهم وديارهم. واحتلال ما يزيد عن ثلاثة أرباع مدينة القدس، خلافاً لما نصّ عليه القرار 181.
وهذا يعني:
أولاً: أن الهدف غير المعلن للجنة والقرار يرمي إلى التوفيق بين ما نص عليه القرار 181 وبين ما جرى على أرض الواقع بعد الحرب. أي بمعنى العمل على إيجاد تسوية تستند إلى ما تم فرضه على الأرض عن طريق القوة والإرهاب والعنف، خلافاً لميثاق الأمم المتحدة وللقرار 181 ولمطالب العرب المشروعة.
والطريف في الأمر أن تطلب الجمعية العامة من اللجنة بعد كل الحيف والظلم الذي لحق بالعرب (ومن ضمنهم الفلسطينيين) في المادة 4 أن تبدأ أعمالها فوراً لتقيم في أقرب وقت ممكن علاقات فيما بينهم وبين من ألحقوا بهم الظلم، والأطرف أن تدعو اللجنة في البندين 5 و 6 إلى توسيع نطاق المفاوضات المباشرة بين الضحية والجلاد لتسوية جميع المسائل الأخرى العالقة والمتعلقة بشكل رئيسي بمسألتي التهجير الجماعي لمليون إنسان واحتلال مدينة القدس، وذلك بعد أن تم إبرام اتفاقيات للهدنة جعلت من الاحتلال الصهيوني لـ 78 % من أرض فلسطين أمراً منتهياً.
ثانياً: لم تشر المواد 7 و8 و9 إلى الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس والأماكن المقدسة الأخرى بل اعتبرت ذلك الاحتلال أمراً منتهياً وغير قابل للنقاش، واقتصرت بوجوب طلب اللجنة من السلطات السياسية في المناطق المعنية (أي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي والأردني) تقديم ضمانات رسمية ملائمة لحماية الأماكن المقدسة وحرية الوصول إليها تحت إشراف ومراقبة الأمم المتحدة.
ثالثاً: أما فيما يتعلق بمسألة اللاجئين المعالجة في البند 11 فقط، فنشير إلى أن القرار ربط حل هذه المسألة الملحة أو المأساة الكبيرة أو الجريمة - التي أطلق عليها أرنولد توينبي صفة (جريمة العصر)-، بالتوصل إلى حل شامل للصراع. أي أنه ربط حل هذه المسألة الملحة بعملية التسوية النهائية للصراع، مع العلم أن مأساة اللاجئين كانت تتطلب حلاً عاجلاً وسريعاً، وهذا ما أشار إليه وأكد عليه كلٌ من الكونت برنادوت وخليفته الدكتور رالف بانش.
وفي الوقت الذي كان يتطلب الأمر أن تصدر الجمعية العامة أو مجلس الأمن قرارات ملزمة وحازمة ترغم المسماة "إسرائيل" على إعادة هؤلاء اللاجئين المشردين إلى قراهم بأسرع وقت ممكن ومن دون أي قيد أو شرط، تجاهلت الجمعية العامة هذه المأساة وربطت حلها بالتسوية الشاملة للصراع. وهذا ما دفع القانوني الكبير رينيه رادلي (2) إلى القول: إن حق الفرد بالعودة إلى منزله لم يكن يوماً في أي مؤتمر دولي يستند لقانون دولي أو مرهوناً بموقف جيرانه الآخرين، أي بمعنى أن حق العودة يجب ألا يصبح مرهوناً لتحققه بقرار دولي، ولا بشرط التوصل إلى تسوية بين الدول العربية و"إسرائيل"، ولا يجوز أن يؤجل حتى حصول هذه التسوية التي كما يقول رادلي قد لا تتحقق، وقد لا تتحقق حتى لو توصلت جميع الدول العربية والمسماة "إسرائيل" إلى تسوية باستثناء دولة واحدة.
ومع ذلك، إذا تجاهلنا جميع هذه الملاحظات وذهبنا مع المتمسكين بالبند 11 ووضعناه على طاولة البحث والدراسة فإننا نسجل حوله الملاحظات التالية:
1- جملة وجوب السماح بالعودة تتناقض مع العودة كحق طبيعي، لأن السماح هو واجب وليس فرضاً، كحق طبيعي غير قابل للتصرف كما يفهم منه أيضاً أن الواجب يعود على من يحق له السماح، أي أن المسماة "إسرائيل" هي التي يصبح من حقها أن تسمح أو لا حسب تقديرها للأمور. أي بمعنى أن العودة لم تعد حقاً معطى مسبقاً لجميع الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وبيوتهم، بل هي مربوطة بمن يسمح لهم بالعودة، أي بمن تتكرم المسماة "إسرائيل" وتمن عليهم وتسمح لهم بالعودة، ولقد استخدم مندوبو المسماة "إسرائيل" في الأمم المتحدة هذا المصطلح لرفض إعادة اللاجئين من منطلق أن مبدأ السماح هو من حق الدولة اليهودية الذي يتناقض مع حق سيادة الدول على أراضيها. وهذا ما أشار إليه هنري كتن بقوله: (لقد تذرعت إسرائيل بحق السيادة لإحباط جميع قرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 181 الذي شرع وجودها) (3).
ولذلك من الوهم التصور بأن جملة وجوب السماح يمكن أن تشكل أي ضغط على المسماة "إسرائيل" كما يرى المتمسكون بالقرار 194 وخاصة بهذا البند.
2- تشرط المادة 11 في قسمها الثاني الذين يحق لهم العودة فقط، بأولئك الذين يرغبون بالعودة للعيش بسلام مع من قاموا باحتلال بلدهم، وليس بصفتهم مواطنين كاملي المواطنة كما ورد في الفصل الثالث من قرار التقسيم، بل كمواطنين من الدرجة الثالثة كما هو حاصل اليوم في فلسطين المحتلة.
وبالتالي فإن من لا يقبلون العيش كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة وهم كثر - إن لم نقل يشكلون الغالبية- لن يعودوا، لذلك لوحت لهم هذه المادة بالحصول على تعويضات.
3- أما إذا ناقشنا مسألة التعويضات الواردة في القسم الثاني من البند 11 فإننا نجد أنها: ستُدْفع لمن يثبتون بالوثائق والأدلة وجود ممتلكات لهم، وهذا ما طالبت به اللجنة المسؤولين العرب والفلسطينيين، وما كرست لجنة التوفيق الدولية له جُلَّ وقتها من عام 1948 حتى عام 1952، أي بمعنى أن من يحق لهم الحصول على التعويض لم يتجاوزوا الـ 20 % من الفلسطينيين باعتبار أن ملكية 80 % من اللاجئين كانت ملكيات عامة أو على الشيوع أو فقدوا أوراق الملكية في الحرب، مما يعني ضياع حقهم في العودة والتعويض.
4- إذا ما دققنا في جملة "عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة" فإننا نفهم أن التعويض سيكون خاضعاً لمحاكم وقضاة ومحامين وجلسات استئناف وفقاً للقانون الدولي (التي تتطلب مصاريف يعجز عنها 90 % من اللاجئين). والأهم أن التعويض لن يدفع من قبل المسماة "إسرائيل" باعتبارها المُتَسبب بالأضرار، بل من قبل الحكومات والسلطات المعنية، أي أن الدول العربية هي التي ستدفع التعويضات لأنها مسؤولة عن هجرة الفلسطينيين فهي التي طلبت منهم ترك بيوتهم كما تدعي المسماة "إسرائيل". وإضافة إلى ذلك طالب اليهود - للحد من مطالب العرب- أن تدفع الدول العربية تعويضات عن أملاك اليهود الذين تركوا البلدان العربية، أي أن التعويضات التي ستدفع لليهود قد تكون أكثر من التي ستدفع للعرب الفلسطينيين، باعتبار أن أملاك اليهود في البلدان العربية مثبتة بأوراق (طابو)، وقد عبرت المسماة "إسرائيل" للجنة التوفيق عن رأيها بالقول: إن التعويضات يجب أن تدفع للحكومات والجهات المعنية من أجل توطين اللاجئين وليس للاجئين أنفسهم بصورة مباشرة.
5- أما الفقرة الثانية من المادة 11 والتي تنص على أن الجمعية العامة تصدر تعليماتها للجنة التوفيق لتسهيل إعادة اللاجئين دون أن تحدد من تنطبق عليهم صفة اللاجئ، ولكننا نراها تركز بشكل واضح في شقها الثاني، على ضرورة توطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي مع شرط القبول بالتسوية.
وبالتالي فإذا أقمنا ربطاً بين الشقين الأول والثاني من البند 11 نجد أن الفقرة 11 كلها ومن الناحية العملية ترجح كفة التعويضات والتوطين على العودة التي وضعت أمامها شروطاً تعجيزية، وهذا ما بدأت به لجنة التوفيق عام 1949 بتشكيلها لجنة كلاب (4) التي تركزت مهمتها على دراسة الأوضاع الاقتصادية للبلدان المضيفة للاجئين والتي تأثرت بالقتال الحاصل من أجل مساعدة الحكومات المضيفة للسير قدماً في برامج الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، بما يسهل عملية دمجهم في حياة المنطقة وجعلهم جزءاً لا يتجزأ منها، وبما يمكنهم من إعالة أنفسهم في أقصر وقت ممكن، وهو الأمر الذي أكدت عليه ثانية الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما شكلت الهيئة العامة لإغاثة وتشغيل اللاجئين استناداً للقرار 302 عام 1949 والذي نصّ بشكل واضح: (على أن اندماج اللاجئين الفلسطينيين اقتصادياً في الشرق الأوسط إما بالعودة أو الاستيطان ضروري أثناء التحضير للفترة الانتقالية التي تتوفر فيها المعونة العالمية من أجل تحقيق شرط السلام والاستقرار في المنطقة).
نخلص مما سبق إلى أن القرار 194 لا يصلح للمطالبة بحق العودة ولا بأي حق آخر مسلوب بقدر ما يصلح للبحث عن تسوية على أساس الأمر الواقع المفروض بالقوة والتواطؤ بين الدول الاستعمارية المسيطرة على مجلس الأمن والحركة الصهيونية وبين القيادات العربية والفلسطينية، أو لنقل صراحة لتصفية القضية، وهو ما عملت عليه الأمم المتحدة والدول الكبرى الاستعمارية وكثير من القيادات الفلسطينية والعربية منذ عام 1948 وحتى اليوم من خلال اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ومدريد وأخيراً أنابوليس.
لذلك نقول للمتمسكين بجميع حقوقهم الذين رفضوا وما زالوا يرفضون تقسيم بلدهم بينهم وبين هؤلاء الغزاة القادمين من خارج التاريخ والمحملين بالأوهام والأطماع والأحقاد أنه:
1- إذا كان القرار 181 قد شّرع للدولة اليهودية امتلاك 54 % من أرض فلسطين فإن القرار 194 قد شرّع رسمياً احتلالها وامتلاكها لـ 78 % من أرض فلسطين.
2- وإذا كان القرار 181 حرَّم في المادة 8 من الفصل الثاني نزع ملكية أي فلسطيني موجود على الأراضي المخصصة للدولة اليهودية، فإن القرار 194 تغاضى عن عملية نزع الملكية هذه أو تعاطى معها كأمر واقع غير قابل للتبديل.
3- وإذا كان القرار 181 قد أقر حق الفلسطينيين بالبقاء على أرضهم سواء في الدولة اليهودية أو العربية مع تمتعهم بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية كاملة، فإن القرار 194 سلب منهم هذه الحقوق وجعل عودتهم مرهونة بموافقة المسماة "إسرائيل" وشرطها بمن يرغب بالعودة للعيش بسلام مع أعدائهم دون مساواتهم مع اليهود في الحقوق.
4- وإذا كان القرار 181 قد نصّ على عدم موافقة الأمم المتحدة على إقامة دولة يهودية من دون إقامة الدولة الثانية العربية حسب الفقرة (و) الواردة في القرار 181، فإن القرار 194 دشّن ولأول مرة حق اليهود في أن يكون لهم دولة خلافاً للقرار 181 في الوقت الذي شطب فيه حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وبذلك يكون أول قرار دولي تغاضى أو شطب الحق الطبيعي للفلسطينيين في أن يكون لهم دولة مستقلة أسوة بغيرهم من الشعوب.


***


الخاتمة:
نخلص مما سبق أن القرار 194 لا يصلح لأن يستخدم لا كسلاح ولا - حتى- كشعار لمحاصرة المسماة "إسرائيل" أو لحل عادل لقضية اللاجئين، ولا لاستعادة القدس. الأمر الذي يفترض بنا كمثقفين وقوى وطنية ألا نبني الآمال على قرارات الأمم المتحدة، وأن نعود إلى فترة صعود المد الثوري والتحرري والوطني العالمي والمرجعيات الأخرى التي تحافظ على الحقوق القومية والدينية والوطنية، والتمسك بثقافة التحرير وتعميمها للوصول إلى جميع حقوقنا بما فيها حقنا في العودة.


* * *


الهوامش:
1- إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1991، ترجمة: نصير مروة.
2- ص117، موسى مزاوي، فلسطين في القانون الدولي، كتاب لم ينشر بعد.
3- ص 171، فلسطين على ضوء الحق والعدل، هنري كتن.
4- برئاسة الأمريكي كلاب وعضوية كل من فرنسا وبريطانيا وتركيا.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك