يبدو المشروع البصري الذي يتولّى مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية (الجنى)، في بيروت، القيام به منذ عدّة سنوات، بمثابة الاستثناء في مجاله، ليس على مستوى الشكل، فقط، بل أولاً وأساساً على مستوى المضمون، إذ بالاعتقاد أنه لا يمكن أن نحاكم هذا المشروع، على المستوى الفني الإبداعي، إلا من خلال كونه مشروعاً تتولّى العملية الإبداعية الأساسية فيه تلك المجموعة المنتقاة من أطفال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ الأطفال الذين يشكلون تلك المجموعة التي تلعب دور الموضوع الذي ينبني عليه العمل، في الوقت ذاته الذي يلعب الأطفال فيه دور صنّاع العمل أيضاً، من خلال المشاركة في كتابة القصة وإعداد السيناريو (إذا صحّت هذه التعابير)..

الفكرة الأساسية في مشروع (الجنى) هو فسح المجال أمام الأطفال ليقوموا بدور (السينمائيين الصغار)، أي أن يكتبوا ويصنّعوا أفلامهم بأيديهم، وفق تصوّراتهم لواقعهم، ومحاولاتهم لتجسيد أحلامهم وطموحاتهم، حسب إمكانياتهم في التعبير عن الذات والمحيط..

الأمر الذي يتيح لنا (باعتبارنا كباراً) أن نكتشف حقيقة الرؤية التي يمتلكها الصغار تجاه الواقع الفلسطيني، المتجلّي بداية من خلال حياة اللجوء في المخيمات، وما يتفرَّع عن ذلك، من ثمَّ، من حيث قسوة الغربة، وذل المنفى، وما يتضمَّناه من معاناة وألم، ومن تفاصيل حياتية، وشخصيات ذات تكوينات، ومكونات، ناتجة عن حياة استثنائية، لا تكاد ترتبط بالحياة إلا من خلال الألم والأمل.. ألم اللجوء، وأمل العودة..

وفي الحقيقة لم يكن الاعتماد على الأطفال في السينما الفلسطينية أمراً محدوداً، أبداً، إذ يمكن الحديث عن عشرات الأفلام السينمائية التي اتخذت من الطفل موضوعاً لها، أو حاملاً لبنيانها، الدرامي أو الوثائقي.. بدءاً من فيلم (بعيداً عن الوطن) لقيس الزبيديعام 1969، وليس انتهاء عند فيلم (أحلام المنفى) لمي المصري عام 2000..

ولكن الجديد في مشروع (الجنى) هو أن الأطفال لا يكتفون بحدود دورهم كموضوع للفيلم، فقط، بل إنهم يتحولون إلى صنّاع للفيلم، من خلال مساهماتهم في البحث عن سيناريو، واختيار أماكن التصوير، دون أن ننكر حقيقة الإشراف الفني على العمل، هذه المهمة التي يقوم بها المخرج هشام كايد، لأن (الإعداد للتصوير، والانتقال من مشهد إلى مشهد، يحتاجان إلى خبرة سينمائية لم تترسخ لدى الأطفال بعد).. كما يقول كايد نفسه..

بدأ مشروع (الجنى) توافقاً مع حلول الذكرى الخمسين للنكبة، عام 1998، إذ انتشرت حينذاك، في الأوساط الفلسطينية على الأقل، حمّى البحث في الذاكرة الفلسطينية، ومحاولة تسجيلها وتوثيقها بمختلف الوسائل والسبل، وبات من الشائع لدى العديد من المؤسسات والجهات والمراكز البحثية الحديث عن (الذاكرة الشفهية الفلسطينية) وتولّي مهمة تسجيلها، حتى ارتقت تلك المهمة عند البعض (وربما الجميع) إلى مستوى المهمة الوطنية القومية، في سبيل دحض المقولة الصهيونية المتلخّصة بأن (الكبار يموتون، والصغار ينسون)..!

وفي سبيل التأكيد على استمرار القضية الفلسطينية، وعلى الإيمان باستمرار الصراع في المنطقة، بأشكال مختلفة، طالما لم يحصل اللاجئون الفلسطينيون على حقهم في العودة إلى ديارهم..بين التحرير.. والعودة..!يمكن للمرء قراءة نهوض (شعار العودة)، وارتفاع الصخب حوله، خاصة في الأوساط الفلسطينية المتناثرة في الشتات، ارتباطاً بالتراجع الكبير الذي أصاب (شعار التحرير)، وما بدا من انسداد في الأفق أمامه، مع التحولات والمتغيرات التي جرت خلال بحر التسعينيات، وفي مقدمتها انتقال مركز ثقل الفعل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، بفضل الانتفاضة الكبرى التي بدأت عام 1987، وانتهت بالرسوِّ على شطّ اتفاقيات أوسلو 1993، وعودة قيادة المنظمة من تونس إلى غزة ورام الله، بدءاً من العام 1994..

منذ تلك اللحظات تماماً استلَّ العديد من الفلسطينيين (شعار العودة)، وأعلوا من شأنه باعتباره هدفاً وغاية يسعون إليها، إذ لم يعد من المتداول الحديث عن (شعار التحرير)..! وكان للنضال في سبيل العودة أن يرتبط بمقتضيات لا بدّ منها، وفي المقدمة طبعاً ما يخصّ اللاجئين الفلسطينيين، بتعزيز حضورهم، وإبراز معاناتهم، وتوثيق صلاتهم بأمكنتهم، وذاكرتهم وذاكرتها، والكشف عن معنى النكبة وإفرازاتها، والتأكيد على أن لا سبيل لحلّ قضيتهم إلا من خلال العودة.. العودة فقط..

وكما كان الفلسطينيون قد وضعوا في المرحلة السابقة، أي منذ العام 1965، وانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة، تصوّرات محدَّدة حول آليات (تحرير فلسطين)، فقد وضعوا في المرحلة المستجدة، منذ العام 1993، واتفاقيات أوسلو، تصوّرات حول رؤيتهم لمعنى (العودة)، ربما أوضح ما فيها التركيز على عودة الفلسطيني إلى المكان ذاته، في محاولة للعودة إلى الزمان الذي مضى، بما يشي برغبة خفية في التخلّص، ليس من وطء الاحتلال، وذل اللجوء، فقط، بل التخلص من كل أثر لذلك في الزمان والمكان.. فيما يبدو أنه محاولة من أجل إيقاف حركة الزمان، ووقف حال المكان..كأنما الفلسطينيون أضحوا يريدون من خلال طموحهم إلى (العودة)، تحقيق ما لم يستطيعوه من خلال سعيهم إلى (التحرير)..! على الرغم من التفاوت الهائل، في الحالتين معاً، على صعيد موازين القوى ضدهم..!

ذلك الطموح تبدَّى من خلال الربط بين العودة، والذاكرة الشفهية، وذاكرة المكان، وحكايات الآباء والأجداد.. ففي لحظة يبدو أن الفلسطيني لا يسعى فقط للعودة إلى فلسطين باعتبارها كلاً، بل باعتبارها تفصيلاً خاصاً لكل منهم.

تتكثّف فلسطين في المدينة أو البلدة أو القرية، بل حتى في مضرب العشيرة، أو الخربة..! وترتقي إلى مستوى الجنة، المنقّاة من كل عيب أو خلل، والتي لا يبدل الفلسطيني ذرة تراب منها بكل الدنيا..! كما يتكثّف الزمان الفلسطيني في حكايات الجدّ أو الجدة، و(أيام البلاد) السعيدة.. التي أين منها أيام (ألف ليلة وليلة)..؟

كانت الرغبة المتوارية في ثنايا (شعار التحرير) طيّ ملف النكبة واللجوء، وإزالة آثارهما.. وعلينا الانتباه هنا إلى أن (العائد) تحت رايات التحرير لا ينشغل بالبحث في التفاصيل الماضية.. إنه يهتم بالقيام بعملية التفكيك والتركيب.. يفكك دولة الاحتلال، ويقيم دولة الاستقلال.. في عالم (التحرير) ليس من المطلوب إعادة تنضيد الشعب على ذات الأنساق والتراتبيات التي كانت قبل النكبة.. بل إن الفاتحين يعيدون تنضيد ذواتهم وفق نظام المغانم، وحسب دور كل منهم في عملية التحرير..!

بينما يقوم مفهوم (العودة) بدون رايات التحرير، على تصوّر العودة إلى التنضيد ذاته، الذي كان قبل النكبة، إلى درجة اعتبار أن أيّ خروج على ذلك التنضيد سيعتبر تشويشاً على نقاء وصفاء (العودة).. في عالم (العودة) تصل الأمور إلى درجة التأكيد على أن ابن كل بيت ينبغي أن يعود إلى البيت ذاته، الذي كان فيه الجدّ.. فيما يمكن فهمه أنه محاولة لاستعادة التفاصيل الماضية، وإعادة الشعب إلى تلك اللحظة التي توقفت عندها ممارسته ذاته كشعب على أرضه، بفعل النكبة التي دمرت التعبير السياسي والبناء الاجتماعي وما رافقهما من تعبير ونمط اقتصادي..

لم يخرج المشروع السينمائي الذي بدأ مركز (الجنى) العمل عليه، منذ العام 1998، عن إطار هذا الفهم العام لموضوع العودة الفلسطينية، والذاكرة الشفهية الفلسطينية، وربما لم يكن مطلوباً منه ذلك..! فمن عادة الفلسطينيين، كما بيَّنت تجربتهم، أنهم سرعان ما يركنون (وربما يرتاحون)، لما ينتجون من تصورات ذهنية يتوافقون عليها بشكل ضمني، وهذه من سمات الشعوب التي تعاني من (تجربة الشتات)، والتشظّي السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ تصبح الأفكار ذاتها مرتكزات لوحدة الشعب، أو مفاتيح التمسّك النظري الذهني بهذه الوحدة.. هكذا ركنوا إلى منظمة التحرير، وفصائل الثورة، وإلى مفاهيم من طراز حرب الشعب طويلة الأمد، وحرب العصابات، ومن ثم الممثل الشرعي الوحيد، والقرار الوطني المستقل، والدولة المستقلة.. دون أن يمارسوا فعاليات نقدية حقيقية، وجادة، تجاه كل ذلك، فلماذا يمارسون الأمر تجاه مفهوم (العودة)، شعاراً، وهدفاً..؟أحلامنا متى..؟في هذا الإطار يتمّ العمل الفلسطيني، والعربي عموماً، ولا يكاد تخرج عنه أبداً، وبالتالي سنرى أن جوهر مشروع (الجنى) يتطابق مع مفهوم العودة الذي ذكرنا، الأمر الذي تبدَّى على صعيد الأداء بتركيز مشروع (الجنى) على الذاكرة الشفهية، ومحاولة تسجيلها، وإعادة إنتاج تاريخ شفهي لفلسطين، وبناء رواية فلسطينية، رواية الشفاهة، أو رواية الناس، وهي بالتالي تختلف عن الرواية الرسمية (العربية والفلسطينية، على السواء)، التي تمَّ التوافق عليها، في عموم الكتابات العربية، طيلة نصف قرن مضى، من عمر النكبة، كما أنها تتصادم مع الرواية (الإسرائيلية) لما حصل عام 1948.

وفي الوقت الذي يمكن لمحاولة التسجيل البصري للذاكرة الشفهية أن يثير أسئلة تحويل الشفهي إلى بصري، فإن مشروع (الجنى) مضى في طريق إنتاج أفلامه المتتالية، دون الاهتمام كثيراً بالإجابة على هذا السؤال، إذ بدا في لحظة أن الهم والاهتمام بناحية المضمون أعلى صوتاً من التوقف كثيراً عند الشكل الفني، أو المساهمة في اقتراح إجابة فنية للكيفية التي نعيد من خلالها إحياء الذاكرة الشفهية، بما هو أبعد من وضع الكهول الفلسطينيين أمام الكاميرا، وتصويرهم وهم يسترسلون بما تفيض به ذاكرتهم، أو يجيبون على أسئلة محاوريهم.. أو اهتمام الكاميرا بما هو أعمق من التلصص على حركة الأيدي، ومحاولة التوغل في الأخاديد التي صنعتها أيام النكبة في الوجوه المتعبة..تتنوع المواضيع التي تذهب إليها أفلام مشروع (الجنى)..

كما تتفاوت المستويات والبراعة الفنية في كل منها.. وربما من المفيد النظر إلى أفلام هذا المشروع المنجزة حتى الآن: (أحلامنا.. متى؟) 2001، (الله يستر) 2001، (طفولة بين الألغام) 2002، (سكر يافا) 2002، (ليمونادة) 2003.. باعتبارها حزمة من الأحلام والطموحات، التي تجلَّت على هيئة أفلام، نال غالبيتها تكريماً واهتماماً وجوائز من مهرجانات عربية.. وتستحق التقدير..

وإن لم يستطع الفلسطينيون العودة حتى الآن.. فعليهم أن يشعلوا العودة.. ضجيجاً.. وأفلاماً..



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك