اعتمد الكيان الصهيوني منذ أن فُرض على الأرض قبل حوالي ستين عاماً، على عدة ركائز للحفاظ على وجوده وديمومة بقائه وهي:
أولاً: الدعم السياسي والإستراتيجي غير المحدود من الدول الكبرى التي لها القرار والكلمة الأولى في مجتمع دولي تسيطر عليه سيطرة كاملة، وقد ارتبط ذلك بالمشروع الاستعماري للمنطقة منذ مطلع القرن الماضي وازداد زخماً وقوة عند إنشاء الكيان الصهيوني بقرار من الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، واستمر بعد ذلك بوتائر عالية على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي.
ويعود الدعم الإستراتيجي الغربي إلى عدة عوامل:
أ) العامل الأول: الوظيفة الاستعمارية للحفاظ على السيطرة والهيمنة الكاملة على المقدرات الإستراتيجية والثروة النفطية التي تتميز بها المنطقة العربية.
وقد لعبت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والغرب عموماً دوراً بارزاً في إعطاء الكيان الإسرائيلي القيمة الكبرى على اعتباره قلعة وقاعدة عسكرية ضخمة في مواجهة المتطلبات الإستراتيجية للغرب في السيطرة على المنطقة وفي مواجهة ما يسمى أخطار التمدد الشيوعي جنوباً إلى المياه الدافئة، ومواقع النفط السلعة الإستراتيجية الأولى في صراع المصالح العالمية المتنافسة.
ب) العامل الثاني: هو محاولة الغرب التخفيف من عقده تجاه اضطهاد اليهود، خاصة بعد المجازر الواسعة التي ارتكبها النازي ضد شعوب أوروبا وراحت ضحيتها أعداد ضخمة من البشر ومن بينهم اليهود. وقد وظفت مأساة الإبادة الجماعية للبشر لصالح اليهود. وكانت - ما يسمى بالمحرقة النازية/ الهولوكوست- الأداة البعيدة التأثير التي ضربت عميقاً في الضمير الغربي، وقد نجحت الحركة الصهيونية في توظيفها بنجاح تام لإقامة كيانها وتأمين الحماية الإستراتيجية له على المدى الطويل.
ج) العامل الثالث: هو رضوخ الغرب لشدة التأثير المنظم للحركة الصهيونية على القرار السياسي خلال المرحلة الماضية. وقد حقق اللوبي الصهيوني الذي يتمتع بقوة التأثير الانتخابي والسيطرة على الإعلام والدعاية والمال نجاحات كبيرة مما دفع الغرب لتقديم دعم كبير للمشروع الصهيوني.
ثانياً: تقديم الدعم الاقتصادي والمساعدات المالية الضخمة والمتواصلة والتعويضات والمنح والهدايا الكبيرة والكثيرة، للكيان الصهيوني منذ نشأته، وقد مثلت هذه المساعدات على الدوام شريان الحياة لبقائه واستمراره.
ثالثاً: الدعم العسكري الكبير، والمساعدات التسليحية الضخمة، على قاعدة إستراتيجية هي تفوق (إسرائيل) الكامل على كافة الدول العربية مجتمعة خاصة في المجال التكنولوجي، وفتح أبواب العلم الصناعي والتقني العسكري على مصراعيه، ومساعدتها في إقامة بنية تحتية متقدمة للصناعات الحربية. وإرساء تفوقها الكامل في المجال النووي منذ وقت مبكر دون حسيب أو رقيب. وقد تركز هذا التفوق في سلاح الجو وتقنيات السلاح المتقدم الذي تحصل عليه بيسر وسهولة، على اعتبارها شريكاً إستراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية وقاعدة متقدمة لها في منطقة الشرق الأوسط.
رابعاً: توظيف العامل الأيديولوجي التوراتي توظيفاً روحياً وسياسياً لهجرة اليهود إلى فلسطين، و(عودتهم إلى أرض الميعاد) وإقامة الدولة اليهودية الخالصة.
وقد انضم العامل الديني التوراتي إلى جانب عامل الاضطهاد والإبادة النازية العنصرية بتحريض فقراء اليهود - من قبل الحركة الصهيونية- على الهجرة، وقد شكل العامل الديمغرافي في البداية قوة كبيرة لإقامة الكيان الصهيوني.
وقد تحول هذا العامل مع مرور الزمن وتغير الظروف إلى مصدر قلق كبير بعد تناقص معدلات الهجرة إلى معدلات لا تذكر مع ازدياد حركة الهجرة المعاكسة، هذا التحول يمثل اليوم تحدياً إستراتيجياً لوجود هذا الكيان وبقائه على مدى ليس ببعيد.
خامساً: التركيز على الأمن كقاعدة مركزية لإدامة وحماية وجود الكيان الصهيوني في وسط معادٍ من العرب والفلسطينيين، فالأمن بالنسبة لـ(إسرائيل) هو عامل الوجود والبقاء وطريق آمن للمستقبل وقد ارتكز على قاعدة استخبراتية ومعلوماتية كبيرة.
سادساً: لقد أضفت قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي بعداً لصالح الكيان الصهيوني، ورسخت شرعية بقائه واستمراره، وقد لعبت الدول الكبرى المسيطرة على المنظمة ومؤسساتها دوراً كبيراً في تقديم الدعم اللا محدود له، وفي فرض هيمنته وسيطرته على فلسطين!
ونستطيع القول إن الأمم المتحدة ومن خلال سيطرة القوى الكبرى على مؤسساتها وقراراتها، قدمت تغطية كاملة ومساعدات كبيرة لتجنيب هذا الكيان الصهيوني من الخضوع للإرادة الدولية وتنفيذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة. وقد تمكنت (إسرائيل) من الإفلات من الضغوط والعقوبات، لذلك دأبت على تحدّي الأمم المتحدة وقراراتها التي بقيت حبراً على ورق، وظل الانحياز الكامل لـ(إسرائيل) هو السمة الملازمة لعلاقات الدول الكبرى مع هذا الكيان، وتحديد تصرفاتها على المسرح الدولي.
ومن خلال ما تقدم يبقى السؤال المطروح بعد مرور ستين عاماً على إنشاء هذا الكيان الصهيوني:
هل تستطيع عوامل الدعم الخارجي في كافة المجالات، أن تضمن بقاء (دولة) زرعتها بقوة فوق أرض الآخرين؟!
وهل هذه العناصر والعوامل التي شكلت في الماضي مصدر قوة (إسرائيل) حتى اليوم، ستحتفظ بقوة الاستمرار إلى ما لا نهاية؟
وهل نجحت تلك العوامل في تخطي (إسرائيل) الأزمةَ الإستراتيجية التي تواجه استمرارها وبقاءها في وسط معاد رافض لوجودها واستمرارها؟!
وهل تستطيع القوة الغاشمة الاحتفاظ بميزاتها وتأثيرها إلى الأبد؟!


***


أثر انتصار أيار وتموز على مستقبل الكيان:
عندما تراجع الجيش الإسرائيلي خلف الحدود اللبنانية في أيار عام الألفين لم يكن أحد يتصور أن هذا التاريخ وهذا الحدث الكبير سوف يكون حداً فاصلاً في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وأن ذلك المتغير الجديد في خارطة الصراع سوف يكون بداية لتراجع القوة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وأن هذا الانتصار غير المسبوق الذي حققته المقاومة سوف يكون بداية لحقبة جديدة تؤرخ لصعود العوامل الإيجابية لصالح المقاومة والعرب في صراعهم الطويل مع عدو مدعوم بقوى عالمية كبرى ترعى أمنه وتحافظ على وجوده في منطقة ترفض الغزاة والمحتلين، وحافظت على هويتها عبر حقب التاريخ في وجه الطامعين.
لقد كان أيار في ذلك العام نقطة فاصلة حققت فيه المقاومة نصراً كبيراً ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني تتراجع فيه (إسرائيل) تحت ضربات المقاومة وصمود المقاومين رغم شراسة الاحتلال وعملائه وبطشهم الذي فاق كل تصور. تراجع الجيش الإسرائيلي عن الجنوب اللبناني منهزماً خلف الحدود دون قيد أو شرط وفي ذاك اليوم تحقق عنصران جديدان إستراتيجيان:
العنصر الأول: الكيان الصهيوني تخلى عن واحدة من أهم مرتكزاته العقائدية والتوراتية عندما أسقط من حساباته الأهمية الدينية في تخليه عن جزء احتله (يعده من أرض إسرائيل)، وهذا الجزء من العقيدة الصهيونية يعتبر نقطة الارتكاز في الكيان الإسرائيلي ككيان سياسي له بعد توراتي، الأمر الذي سوف يكون بداية الانحسار للحلم الذي راود اليهود على مدى التاريخ، وهذا ما يتأكد اليوم.
العنصر الثاني: المحتلون الصهاينة أرغموا على التخلي عن احتلالهم لأراضٍ عربية في جنوبي لبنان تحت ضغوط قوة المقاومة وفعاليتها، الأمر الذي حسم ولأول مرة في تاريخ الصراع بقوة مضادة صراعاً للسيطرة على الأرض، وأرسى حقيقة جديدة هي أن قوة الجيش الإسرائيلي - التي شابها الكثير من الأسطورة والتضخيم بأنها قوة لا تقهر- أصابها بعد أيار عام 2000 تصدعاً كبيراً واهتزت صدقية تلك المقولة من الجذور بعد ذلك التاريخ وهذا ما ثبت بالفعل، وهكذا انسحبت دون اتفاقيات أو مكاسب من الجانب العربي.
قبل ذلك التاريخ وبعده فرضت المقاومة معادلة توازن جديدة للقوة، وفرضت على العدو الالتزام بقواعدها سنوات طويلة، وتزامن ذلك فيما بعد مع تراجع المشروع الأمريكي في المنطقة ومعطياته الإستراتيجية التي انهارت تحت ضربات المقاومة العراقية ضد العدوان والاحتلال الأمريكي، وأصبحت الإدارة التي صنعت الحرب وفاقمت الإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم في مأزق كبير، وأصبح الفشل والتخريب السياسي والأمني والاقتصادي الصفة الملازمة لإدارة بوش الفاشلة وهي التي أطاحت بتأثير المحافظين الجدد على السياسة الأمريكية وأبعادها العالمية وأسقطت رموزها واحداً بعد الآخر.. ومع فشل المشروع الشرق أوسطي الأمريكي ومعطياته الأيديولوجية والثقافية والعسكرية تراجعت سياسة العزل والحصار والضغط التي انتهجتها الإدارة الأمريكية مع حلفائها وأعدائها وممانعيها على حد سواء.
هذا التخبط الذي اتسم بالفشل والتراجع دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج تحقق فيه انتصاراً ما، لإنقاذ مشروعها المتهاوي في العراق، فكان العدوان بالمشاركة والنيابة في عدوان تموز عام 2006 ضد المقاومة اللبنانية وحزب الله الذي أراد له الغزاة والمعتدون تصفية قوى الممانعة في المنطقة الذي يمثله مثلث المقاومة والممانعة في لبنان وفلسطين وإيران وسورية. وكان مقدراً لتلك الحرب - لو حققت أغراضها- أن تكون بداية لضرب سورية وإضعافها وتمزيق تحالف الممانعة ومن ثم إعادة الاعتبار للمشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، ولكن الكيان الصهيوني خسر الحرب وفشلت أهدافه، ولأول مرة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني تخسر (إسرائيل) حرباً
وترجع مهزومة في قوتها ومعنوياتها.
لقد شكلت هزيمة (إسرائيل) وفشل أهدافها تحولاً إستراتيجياً تاريخياً على صعيد المنطقة غير مسبوق منذ استقلال الدول العربية، ومنذ نكبة فلسطين عام 1948. الأمر الذي أدى إلى زلزال سياسي خطير في الكيان الصهيوني وإلى تفاعلات سوف تتضاعف في المستقبل. وقد اعترف تقرير فينوغراد صراحة بانتصار المقاومة وهزيمة (إسرائيل) وقد أكدت هذه النتيجة حالة التراجع والانهيار الذي يكتنف المشروع الصهيوني في فلسطين بعد الانحسار الإستراتيجي الأول في أيار عام 2000.
لقد أثبتت نتائج تموز فشل العدو الإسرائيلي والمخططين الأمريكيين في كثير من المجالات:
أولاً: فشل العدو الإسرائيلي في المجال الاستخباراتي والمعلوماتي، وقد ثبت عدم قدرة المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على تحقيق اختراق على هذا الصعيد ولم تستطع تقدير قوة حزب الله وإمكاناته العسكرية والتسليحية والتعبوية والشعبية.
ثانياً: فشل العدو الإسرائيلي في القضاء على سلاح الإشارة/ الاتصالات، ولم تنفع قدرته التكنولوجية المتطورة (كالتشويش الراداري واللاسلكي) في التأثير على شبكة اتصالات حزب الله أثناء المعركة، ولم يستطع قطع الاتصال بين المجموعات المقاتلة لحزب الله وقياداتها طيلة أيام الحرب الطويلة.
ثالثاً: ارتباك القيادة الإسرائيلية وفشلها في تحديد الأهداف السياسية مع تطور مجريات المعركة والمفاجآت التي أبدعها حزب الله والشعب اللبناني وعدم حدوث أي ارتداد شعبي ضد حزب الله. فقد احتضن الشعب اللبناني المقاومة، وتحققت وحدة وطنية عظيمة أثناء العدوان.
لقد حقق حزب الله انتصاراً حاسماً في ميدان القتال، وكان من أسباب هذا النصر الإيمان الاعتقادي الجهادي والتدريب العالي، والاستخدام الماهر للأسلحة ونجاح عمليات الإخفاء والتمويه وإقامة الكمائن وتحقيق مفاجآت قوية وقاتلة للعدو، إضافة للقيادة السياسية والعسكرية المميزة للسيد حسن نصر الله وقيادة حزب الله بشكل عام.
وعلى الصعيد العربي انقلبت الجماهير العربية على المواقف الرسمية العربية الخافتة والخجولة بل والناقدة لحزب الله، والتفت حول المقاومة وازداد مقتها للسياسة الأمريكية والدولية الداعمة لـ(إسرائيل). وأفشلت هدفاً من أهداف هذه الحرب وهو بذر فتنة بين العرب المسلمين: شيعة وسنة، وبين اللبنانيين: طوائف ومذاهب. وهذا الانجاز الجماهيري الشعبي سيرسم فجراً جديداً لأمتنا العربية ومشروعها التحرري الإنساني.


***


ونحن اليوم وبعد ستين عاماً نلاحظ أن معطيات ومتغيرات كثيرة قد حدثت، وبدأت تضرب هذا الكيان المصطنع وتسبب قلقاً وجودياً متزايداً للإسرائيليين الذين رغم المكابرة بدؤوا يحدسون ويشعرون بنبض الأفول الذي يتراءى لهم بتراجع عناصر وعوامل البقاء والدعم لكيانهم.
وأي مراقب لتطور عملية الصراع القائم مع العدو الصهيوني يستشف الآتي:
أولاً: رغم مرور سنوات طويلة على الاستعمار الاحتلالي الإسرائيلي لفلسطين وتفوق (إسرائيل) وانتصارها في حروب واعتداءات مستمرة، لم تتمكن من إحداث تغيير حقيقي في هذا الوسط المعادي المحيط بها. ولم تستطع إخماد روح المقاومة وثقافة المقاومة التي تتجذر في النفوس والإرادات الوطنية والقومية.
ثانياً: إن هذا الوسط الفلسطيني والعربي المعادي للكيان الصهيوني بقي محافظاً على تماسكه - رغم سقوط البعض في شباك التصالح معه وقبول بعض الرسميات العربية له- وبقيت قوة الممانعة والرفض هي التي تحكم المعادلة. وإن المتغيرات التي حدثت على الأرض في العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان تثبت بشكل جلي أن تحولاً كبيراً قد طرأ على الأرض، وأن الكلمة العليا اليوم تفرضها قوى المقاومة والممانعة في الساحة العربية والإقليمية.
ثالثاً: إن الوظيفة الإستراتيجية لهذا الكيان بالنسبة للغرب بدأ يخبو بريقها، وتفقد الكثير من مقوماتها، وإن المعادلة الاستعمارية الإستراتيجية القديمة بدأت في عملية مراجعة كبيرة، والسؤال بكل بساطة بعد المتغيرات الدولية المتتالية هو: هل يمكن الاستمرار في الدعم الإستراتيجي لهذا الكيان رغم أن فاتورة هذا الدعم أصبحت مكلفة جداً؟
لقد بدأ الكثير من الخبراء والمراقبين يتحدثون اليوم عن حقيقة زوال (إسرائيل) وعدم استمرارها على المدى المنظور، وقد تحدث المفكر الكبير المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري الكثير حول هذا الموضوع وقد دلل على زوال (إسرائيل) في كثير من المناسبات بالاستناد إلى دلائل وإشارات أهمها:
1- تفسخ وتآكل المنظمة الاجتماعية والفشل في إيجاد هوية قومية موحدة لليهود. والتمزق الفكري والسياسي والصراعات العرقية التي تحكم المجتمع الإسرائيلي، يغفل انتماء اليهود إلى قوميات متعددة وانقسامهم بين شرقيين وغربيين وبين اليمين واليسار.
2- النزوح والهجرة المعاكسة لليهود خارج فلسطين المحتلة التي تدلّ عليها الأرقام المخيفة ومعدلات النزوح، وهي تشكل قلقاً حقيقياً للمسئولين الإسرائيليين.
3- الشعور اليهودي بعدم الانتماء إلى المنطقة ظل قائماً رغم مرور الزمن، وتخلخل يقين الإسرائيليين بمستقبل آمن ودائم للكيان.
4- التمزق الحزبي الذي انعكس على الإدارة والحكم، وتزايد حالة قلق المفكرين والمثقفين من هاجس الانهيار الحزبي. وتفشي ظاهرة التذمر في مؤسسات الجيش والاستخبارات. وازدياد حالة الهروب والعزوف عن الخدمة العسكرية بفعل تزايد المقاومة. وانهيار نظرية الإجماع الوطني، واتساع الهوة بين العلمانيين والمتدينين وبالتالي تخلخل القناعات الأيديولوجية التوراتية التي أسست للكيان.
كما أن الماهية اليهودية للدولة بقيت في حالة اختبار، ولم يتوصل الإسرائيليون إلى تحديدٍ ما في هذا الخصوص!
5- إن فشل (إسرائيل) في القضاء على الوجود العربي داخل الكيان الصهيوني وتزايد أعداد العرب بالنسبة لليهود، يمثل تحدياً ديمغرافياً إستراتيجياً (للدولة اليهودية) كما يهدد على المدى البعيد بزوال هذا الكيان رغم كل التحسبات والإجراءات التي تتخذها المؤسسات الصهيونية.
6- مع المتغيرات الكثيرة الدولية والإقليمية التي حدثت منذ نهايات القرن الماضي، باتت (إسرائيل) تشكل عبئاً على الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وهذا ما يمكن تلمسه بوضوح أكثر خلال السنوات القادمة.
7- استمرار المقاومة الفلسطينية، وتعاظم الرفض والممانعة العربية سوف يشكلان في المستقبل النهاية المتوقعة (للدولة الإسرائيلية)، خاصة وأن (إسرائيل) صاحبة إستراتيجية الحروب المتواصلة ضد العرب، تعاني اليوم بقوة من غياب تام لعمق الانتصارات التي حصلت عليها في الماضي! فالانتصارات العسكرية التي لا تترجم إلى انتصارات سياسية عميقة تصبح عقيمة وليس لها أي مردود حقيقي على الأرض.
وإضافة إلى تلك العوامل وما صنعه انتصار تموز نذكر هنا أن وجود أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني يرفضون التخلي عن حقهم في العودة إلى وطنهم وأرضهم وديارهم في فلسطين - هذا الحق الذي تكفله حقوق الإنسان والشرعية الدولية، والذي يشكل قوة إقناع كبيرة للرأي العام- سوف يتحول في المستقبل إلى إرادة تنفيذية، وبالتالي القوة الديمغرافية سوف تغير الكثير من المعطيات الإستراتيجية التي ستؤدي أخيراً إلى نهاية المسماة (إسرائيل) وزوالها في عدد ليس ببعيد من السنين إن شاء الله.
إن جميع المحاولات والتطورات التي خدمت (إسرائيل) في الماضي، لم تستطع أن تغير شيئاً على المستوى الإستراتيجي لفرض هذا الكيان داخل الوسط الجغرافي والبشري العربي، وما زالت عقلية الكيان لم تستوعب أن مواقفها المتشنجة تعمل لغير صالحها، وهذه بعض مواقفها التي تدل على ذلك:
- لم تنجح عملية السلام وظل الإسرائيليون يراوغون ويبتزون... وفشل عملية السلام هذه سوف تكون عاملاً إيجابياً في التعجيل بزوال هذا الكيان.
- رفض الإسرائيليين إعطاء الفلسطينيين جزءاً من حقوقهم على وطنهم فلسطين، سوف يكون هو الآخر مسبباً رئيسياً لزوال الكيان ونهاية طبيعية له في المستقبل.
- إمعان الإسرائيليين في توسيع رقعة "الاستيطان" وزيادة عدد "المستوطنين" في الضفة الغربية سوف يؤدي هو الآخر إلى فشل مؤكد لاستمرار ما يسمى بعملية السلام. وبالتالي فإن الإصرار على هذه السياسة سوف يمثل عاملاً إيجابياً آخر باستمرار الصراع، وبالتالي فإن النهاية سوف تكون لصالح الفلسطينيين والعرب.
- إصرار الصهاينة على السيطرة الكاملة على القدس وعلى المنشآت الدينية الإسلامية والمسيحية ودون أي اعتبار لما تمثله القدس لدى المسلمين، وما يعنيه الإصرار المقاوم على استعادة القدس وعدّ المواجهة فرضاً جهادياً دينياً وروحياً، وبالتالي فإن ذلك سيظل مؤثراً إستراتيجياً في مواجهة الفكرة الصهيونية التوراتية برمتها، مما يعجل بزوال الكيان واضمحلاله مع مرور الزمن.


 ***


الخاتمة:
اعتمدت معادلة وجود الكيان الصهيوني على ثلاثة أمور كما مر: القوة التي تتفوق على جميع العرب مجتمعين، والدعم الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة والغرب عموماً، وتحقيق الأمن.
وقد اهتزت أركان تلك المعادلة، والنتيجة المتوقعة سوف تكون مدمرة للكيان، لأن المنطق والوقائع ودروس التاريخ وقوانينه تقول بأن القوة مهما عظمت ومارست مفاعيلها الغاشمة فإنه لا مستقبل لها فالقوة تواجه بقوة جديدة، فلا قوة دائمة في التاريخ والقوة الإسرائيلية التي لا تقهر بدأت بالتراجع وبدأ العد العكسي. وبالتالي يبقى الغزاة والمحتلون مجرد عابرين في التاريخ وليس أكثر من ذلك. وقد مرت دول وممالك وإمبراطوريات عظيمة عبر التاريخ فوق هذه الأرض التي شكلت قلب العالم القديم، ومع مرور الزمن خمدت قوتها وذهبت ريحها وانتهت حدثاً دارساً في كتب التاريخ وأوراقه وأصبحت ذكريات، وولى العابرون واندثروا وبقيت هذه الأرض مفعمة بعطائها الحضاري والإنساني.
وعناصر الدعم المادي والعسكري الباهظ الذي تقدمه الولايات المتحدة والغرب سوف يصبح مشروعاً خاسراً على المدى البعيد، أما ما يتعلق بالعنصر الديمغرافي المتعاظم لصالح الفلسطينيين والعرب، فقد بدأت مؤشراته في الصعود.
كما أن تقارير منظمات حقوق الإنسان ومرتكزات القانون الدولي والإنساني - التي تتطور بسرعة كبيرة على الصعيد الدولي- بدأت تشكل ضغطاً على الكيان.
إذاً السؤال المطروح اليوم: هل (إسرائيل) ماضية إلى الزوال؟ سؤال مشروع وقد بدأ يطرح نفسه بقوة في أروقة السياسة وبين الباحثين والمفكرين، ولكن الأمر يبقى بين أيدي المقاومين وطلاب الحقوق والمتمسكين بثوابتهم الوطنية والإنسانية، الأمر الذي تزخر به قلوب المقاومين والمخلصين من أبناء شعبنا وأمتنا الذي يصنعون تاريخاً جديداً.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
ابو خالد:
اتفق مع كاتب هذا المقال ولكن كات بودي لو لم يغفل الكاتب الموروث القراني فيها وهي سنة الخالق والذي لا تجد لسنته تبديلا ، اضافة الى ان هذا الكيان قدم له من التنازلات ما لم يكن يحلم به مؤسسوه ولكنهم يراوغون ، لذلك امر الله ماض فيهم وزوالهم امر حتمي ان شاء الله .