الصفحة الرئيسية | شروط النشر | أضف عملك | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
مواقف سياسية
قراءة في مواقف اليسار الفلسطيني من الحوار
|
02 - 05 - 2009
لمى خاطر |
منذ انطلاق جولات الحوار الفلسطيني في القاهرة أحاول عبثاً أن أقرأ عنواناً جلياً أو موقفاً منسجماً مع نفسه من قضية الحوار ومتطلبات المصالحة لمكونات اليسار الفلسطيني وعلى رأسها الجبهتان الشعبية والديمقراطية.
فهناك تصريحات يومية كثيرة لرموز اليسار متعلقة بالحوار وتطوراته المختلفة، وهي في مجملها صارت محفوظة عن ظهر قلب لدى المتابعين لكونها تصريحات ومواقف مكرورة يعاد تصنيعها باستخدام قوالب جامدة ومستنسخة لا تراعي التطور الحاصل على صعيد الحوار ولا تمس جوهر الإشكاليات المرافقة له، رغم أن العثرات التي اصطدم بها الحوار في الجولة قبل الأخيرة كانت بينة ومتعلقة بالدرجة الأولى بحركة فتح التي عبر أبو العلاء قريع عن موقفها بوضوح صارخ حين قال إن المطلوب من الحكومة القادمة اعترافاً شفافاً كالكريستال بـ(إسرائيل)!
ولم يصدر بطبيعة الحال موقف من اليسار تجاه هذا التعنت الفتحاوي الواضح، ولا تجاه رفض فتح للمقترح الذي تبنته الجبهتان والقاضي بتشكيل حكومة توافق وطني انتقالية مؤقتة ذات مهام محدده أبرزها إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في قطاع غزة، والتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية بما لا يتجاوز 25 يناير 2010 وأن تكون هذه الحكومة بدون برنامج سياسي، وأن يرحل البرنامج السياسي إلى منظمة التحرير الفلسطينية. فحتى ترحيل الملف السياسي أو تأجيله لم يحظ بقبول فتح التي كان إصرارها حديدياً على إلزام الحكومة القادمة باتفاقات المنظمة وشروط الرباعية.
إن حالة الانفصام التي يعيشها اليسار يستقيم معها أن تعلن بعض قياداته رفضها الالتزام باتفاقات المنظمة أو حتى احترامها (رغم أنها منضوية تحت لواء المنظمة وتستميت في الدفاع عن شرعيتها) ثم نجدها في الوقت ذلك تخذل حماس في معركة الثوابت التي تخوضها في حوارها مع فتح، والغريب أن رموز اليسار ما زالت تتمادى في تمييع هذه القضية عبر تغييبها للمفاصل الرئيسية لها من مواقفها المعلنة وقصرها على ترديد الأسطوانة المشروخة المتعلقة بانتقادها ما تسميه الحوار الاحتكاري والإقصائي بين حماس وفتح معللة ذلك بأنه سيؤدي إلى اتفاق محاصصة سيوصل إلى الانقسام والاقتتال مجدداً، وكأن مشروع إقصاء حماس الذي كان دايتون يعد له في غزة (والذي هو المتسبب الرئيس بالانقسام) مرده غياب جميع مكونات الطيف الفلسطيني عن التمثيل في حكومة الوحدة التي أعقبت اتفاق مكة حينها!
يتكلم اليسار الفلسطيني كثيراً عن مضار الانقسام وخطورة المحاصصة وعدم جواز تغييب فصائل الكسور العشرية عن التمثيل في جلسات الحوار، ويركز طويلاً على أن أي انتخابات قادمة لا تجري وفق مبدأ التمثل النسبي ستكون وصفة لإعادة إنتاج الانقسام والحرب الأهلية، مما يعني أنه من غير المسموح السماح بإقرار نظام انتخابي يمكن أن يأتي بحماس مجدداً إلى الحكم، بل المطلوب تفصيل نظام يناسب فقط تطلعات وآمال الفصائل التي أوشكت على الانقراض.
لكن هذا اليسار نفسه يصمت عن التدخلات الخارجية في مجريات الحوار والوصاية الأمريكية على فريق المقاطعة، وعن المنطق الأعوج الذي تعتمده فتح في مطالبها المتعلقة بمجمل ملفات الحوار وخاصة برنامج الحكومة وإعادة بناء الأجهزة الأمنية في غزة دون الضفة.
وهناك سمات جامعة لكل ما يصدر عن اليسار من مواقف أبرزها المساواة المطلقة بين فتح وحماس في أي شأن داخلي وتحميل الطرفين المسؤولية بالدرجة ذاتها عن كل مظاهر الارتكاس في الواقع الفلسطيني واعتماد لغة عائمة تسمح بإصدار اتهامات على إطلاقها دون تحرير، ولعل أطرف ما يمكن الاستشهاد به هنا هو تحدث بعض رموز اليسار عن وجود تيار مصالح في كل من حماس وفتح يسعى لإفشال الحوار بحجة أنه مستفيد من آثار الانقسام ومن امتيازات التفرد في الحكم في الضفة وغزة، طبعاً اكتفى صاحب هذا التصريح بإيراده بتلك الصيغة دون تفصيل الكيفية التي تجعل حماس المحاصرة والمحاربة في غزة تضطر لسلوك أكثر الطرق وعورة في سبيل الإبقاء على مكتسبات وامتيازات الحكم، رغم أن كلمة تنازل منها عن مواقفها الحالية كفيلة بتأمين أضعاف تلك الامتيازات لها ودون عناء!
وحقيقة فإن مواقف اليسار انعكاس لحاله المهزوم وجودياً والمأزوم سياسياً، ولذلك لا غرو أن ينطلق رموز هذا التيار في مواقفهم من اعتبارات المصالح الحزبية التي من شأنها الحفاظ على ما تبقى من مقومات الوجود، فما يناسب هذا التيار الآخذ بالتلاشي البقاء في دائرة المعارضة السلبية التنظيرية وتعزيز مواقعه في النظام السياسي ومؤسساته المختلفة، لكنه عملياً أضعف من أن يتبنى مشروعاً واضح المعالم أو أن يقف بشكل جدي في وجه مشروع التسوية الذي تقوم عليه فتح، أو أن يساهم في حمل لواء التغيير أو على الأقل الانحياز للجهة التي تتبنى مشروع المقاومة ومشاركتها – ولو وجدانياً– في تبعات موقفها ودفاعها عن خط الثوابت الفلسطينية.
ولذلك وجد اليسار الفلسطيني في قضية الانقسام الفلسطيني المدخل الذي يتيح له تسويق نفسه وممارسة فنون المزايدة المختلفة وبيع الكلام النظري العائم وصناعة المواقف بما يلبي حاجاته ويبعد عنه شبح التلاشي أو الغرق.
وفي الوقت الذي كان يفترض بهذا التيار أن يلعب دوراً طليعياً يختط له التميز المطلوب ويتناسب مع حجم الهالة الشعاراتية التي يحيط بها نفسه نجده يتخبط ضمن مربع اللاموقف نتيجة عقد مركبة سيطرت عليه قوامها بالدرجة الأولى تراجع حضوره الميداني والشعبي وتغليب خلافاته الأيديولوجية مع التيار الإسلامي على نقاط التلاقي معه سياسياً، حتى أن معاداته الشعورية للتيار الإسلامي تدفعه ليحاول باستماتة تسجيل النقاط عليه إعلامياً والادعاء أنه - سياسياً- أعلى منه سقفاً وأكثر تقدماً وانتهاز أية فرصة للمزاودة عليه (ظهر هذا مثلاً بعد توقيع اتفاق مكة وعند إبرام التهدئة في غزة وعقب وقف إطلاق النار بعد الحرب الأخيرة).
لكن ما يحدث عملياً هو أن اليسار لم ولن ينجح في تجاوز أزمته الوجودية ولا في أن يصنع لنفسه التميز والتفرد الذي يبتغيه، لأن سياساته تراعي في جوهرها ضرورة الاقتصاد في معارضة الجهة التي يعتاش على هباتها وعدم المغامرة بإغضابها، تماماً كما تراعي عدم إفادة الجهة المقابلة التي تحمل مشروعاً يفترض أنه يتقاطع معه سياسياً، فاليسار ليس مستعداً لقطع حبال ود المصلحة مع فتح ولا لإسناد موقف حماس السياسي والتقاطع معها حيث ينبغي ولو إعلامياً، وهذه السياسة المتلونة والمضطربة والمقيدة والمحكومة باعتبارات متداخلة ستبقي اليسار في موقع السلبية وستصبغ ملامح مواقفه بالجمود والسطحية، وستبقيه في الظل وعلى الهامش حتى وإن ظن أنه يحسن لنفسه صنعاً أو يعتمد نهجاً يعالج أزماته المستعصية.
|
|