الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
جيل التحرير - مقالات
حجم الخط: + -
من أطفال غزة إلى رئيس مصر!
|
27 - 05 - 2009
د. صلاح عودة الله |
سيادة الرئيس محمد حسني مبارك.. رئيس جمهورية مصر العربية والتي كانت تسمى في يوم من الأيام بـ"مصر العروبة"، هذا الاسم الذي تشرفت بحمله حتى رحل عنا وبغير رجعة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، والذي أمتناه بالسكتة السياسية قبل أن نميته بالسكتة القلبية.. أمتناه وقلبه يعتصر ألماً وحزناً عما جرى من أحداث دامية ومؤسفة بين الأشقاء في أيلول عام 1970.. رحل عنا وهو يحاول وبما أوتي من عزيمة وقوة لمصالحة هؤلاء الأشقاء وبدون أن ينحاز لطرف من الأطراف.
سيادة الرئيس، المعذرة على هذه المقدمة، ولكن لك أن تقارن دور الرئيس الخالد "أبو خالد" بالدور الذي تلعبه أنت في المصالحة بين الإخوة الفلسطينيين، وتتفق معي بأنه لا وجه للمقارنة، فدورك معروف بانحيازه لطرف على حساب طرف آخر ولذلك لم ولا ولن يتكلل هذا الحوار بالنجاح.
سيادة الرئيس، بالأمس غيب الموت حفيدك محمد علاء مبارك وهو في الثالثة عشر من عمره، آمل منه عز وجل أن يرحمه وأن يجعل الجنة مأواه.. وكأس الموت سنتجرعها جميعاً فلا حصينة لأي إنسان منها.. وبغض النظر عن ماهية وطبيعة الحياة التي عاشها الإنسان ففي النهاية القبر واحد، فلا فرق بين ملك وعبد، أو بين رئيس ومرؤوس، أو بين غني وفقير.
لقد كانت جنازة حفيدك مهيبة اشتركت فيها كافة شرائح شعب مصر من الإنسان البسيط جداً وحتى النواب والوزراء وقادة الأحزاب، وأسمعت فيها وبدون تعميم كلمات عزاء أضفت على الأجواء ظلاً واسعاً يتسع لمساحات كبيرة من النفاق السياسي، هذا النفاق الذي رافق موكب الجنازة في كل مراحلها.. نعم لقد كان على رأس الحضور والد المرحوم وعمه جمال وريثك "الشرعي"، ولكن كيف تتغيب عن وداع من وصفته دائما بـ"قرة عينك"؟ سؤال ربما نعرف إجابته، لكنني أترك إجابته لاجتهاد القراء. لقد قامت جميع الفضائيات المصرية بحجب بثها المعتاد واكتفت ببث القران الكريم، وهذا أيضاً يدخل في عرف النفاق السياسي، وإنجاز وجني مصالح شخصية، أو ربما تلقت الأوامر الفورية وقامت بما قامت به.
سيادة الرئيس، أود أن أذكرك ببعض الحوادث والكوارث - وهي كثيرة وللأسف- والتي عصفت بأبناء شعبك المغلوب على أمرهم: المئات الذين غرقوا في حادثة "العبارة" المشهورة.. العدد الهائل وغير المعروف من الضحايا الذين قضوا في حادثة حي "الدويقة" نتيجة للانهيار الصخري الضخم.. حادثة المسرح وحادثة القطار ومن احترق فيه ووو.. والسؤال المطروح: أين كان هؤلاء النواب والوزراء وكبار رجال الدولة ممن شهقوا حزناً وألماً على رحيل حفيدك، ألا يستحق ضحايا أبناء شعبك الكادحين ولو حتى الجزء البسيط من هذا النفاق؟.. لقد تركوا عائلات الضحايا تبكي وتصرخ لوحدها وكأنهم لا انتماء لهم لفئة البشر وهم صناع وبناة مصر.. وحتى الفضائيات استمرت ببث برامجها العادية والبعيدة كل البعد عن هذه الكوارث.. إنه فعلاً زمن القحط والهوان يا سيادة الرئيس، أفلا تخشى صلوات أبناء شعبك وهم يدعون فيها عليك وليس لك، وهم يرون الملايين من أطفالهم يموتون من الجوع والتشريد والمرض، وليس هنالك من سائل أو مغيث؟
اعذرني يا سيادة الرئيس بتذكيرك بحادثة مماثلة.. حادثة طفل فلسطيني من غزة هاشم واسمه ربحي جندية وعمره يقل بثلاثة أعوام عن عمر حفيدك.. هذا الطفل عانى من مرض خبيث ولم يسمح له بمغادرة غزة عن طريق المعابر لتلقي العلاج في خارج الوطن، هذه المعابر التي تغلقها حكومتك وبأمر منك.. وهل تذكر المقولة المشهورة "سنكسر عظام كل من سيحاول عبور المعابر حتى الأطفال".. إن صاحب هذه المقولة هو وزير خارجيتك أبو الغيط المغضوب عليه في الدنيا والآخرة.
والآن سنخوض في المقارنة بين الحادثتين: بعد أن أصيب حفيدك بالوعكة الصحية تم نقله فوراً لإحدى مستشفيات القاهرة وعندما شعرتم بأنه يحتاج ربما لعلاج خارج مصر قامت طائرة رئاسية خاصة بنقله وعلى الفور إلى فرنسا، ولكن قضاء الله عجل برحيله وعاد على متن الطائرة الرئاسية ليدفن في مسقط رأسه.. هذه باختصار قصة مرض ورحلة علاج حفيدك القصيرة وانتقال روحه إلى باريها.
ولنعد الآن وبعد موافقة سيادتكم إلى قصة الطفل الغزي.. هذا الطفل الذي عبرت معاناته عن معاناة الآلاف من أطفال غزة، فقد أصيب بمرض خبيث ونصح الأطباء ذويه بنقله إلى الخارج لإكمال العلاج اللازم.. فغزة محاصرة ومن جميع الجوانب وتعاني مستشفياتها من نقص في الأدوية ووسائل العلاج البسيطة، في الوقت الذي تم فيها إتلاف الأطنان من هذه المواد وعلى الطرف الذي يقع تحت سيطرتكم لأنها أصبحت غير صالحة للاستعمال بعد أن مكثت فترة طويلة ومنعتم إدخالها إلى مشافي غزة.
سيادة الرئيس، في الوقت الذي تم فيه نقل حفيدك "رحمه الله" في طائرة رئاسية خاصة، قام رجالكم الأشاوس الذين يحرسون المعابر الحدودية وبعلمك وبأوامر من قصرك الجمهوري من منع إدخال معدات للإطفاء والإنقاذ تبرع بها بريطانيون تجري في دمهم روح النخوة الإنسانية.. هذه المعدات أحضرت للمساعدة في رفع الأنقاض عن جثث أطفال غزة، فهل ماتت نخوتكم؟.. أم أن كل ما يهمكم هو حماية هذه المعابر لإرضاء حليفكم الصهيوني وحماية السلام معه، هذا السلام الذي همش بلدكم وأذلها وأخرجها من دائرة التأثير الأقوى عربياً بل إقليميا ودولياً.
في اليوم الذي قامت به طائرتكم الرئاسية الخاصة بإعادة جثمان حفيدكم والذي نطلب له الرحمة، يتم فيه منع وفود طبية من دخول قطاع غزة المنكوب، والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو تم منع الأطباء من معاينة حفيدك وهو في شدة المرض يا سيادة الرئيس؟ أعرف الإجابة، فالويلات والمصائب ستعصف وستأكل الأخضر واليابس، ومن يدعي غير ذلك فهو أصم أبكم وأعمى..!
لماذا أعطيت موافقتك بنقل حفيدك إلى فرنسا؟ ألم تخبرك أجهزة القمع المخابراتية التي تقف على رأس هرمها أنه وعلى الطرف الآخر من معبر رفح تتواجد أمهر وأبرع الفرق الطبية الأجنبية وهي بانتظار الدخول إلى غزة لإنقاذ حياة أطفالها.. فلماذا كل هذا العناء؟ لقد كان بإمكانك الاستعانة بهم لمعالجة حفيدك، لعلهم يقولون: لم نأت من شتى بقاع المعمورة عبثاً..!
سيادة الرئيس، في الوقت الذي كنت تودع فيه حفيدك إلى مثواه قبل الأخير، كان الفلسطينيون يقومون بتوديع طفلهم ربحي جندية بعد معاناة طويلة، ولكن شتان ما بين توديع وتوديع.. فحفيدك تلقى أحسن وأفضل طرق وسبل العلاج، ولكن عندما يقع القضاء فلا مرد له، أما الطفل ربحي فلم تسمح له أجهزة مخابراتك بالخروج لتلقي العلاج.. ألا تتفق معي بأنها جريمة بحق الإنسانية جمعاء، وهذا هو حال كل أطفال غزة.. قل لي بربك، ألا تتألم وتغضب كما يتألم ويغضب البشر؟ أم أنك وكغيرك من بلينا بهم من حكام وقادة حصنت أجسامهم وصفحت ضد المرض والغضب وضد التألم أيضاً؟
سيادة الرئيس، لم يقم أي إنسان - وهل يجرؤ- بمطالبتك بإعارته طائرتك الرئاسية لنقل الطفل الغزي المسكين ربحي.. بل إنني على ثقة كاملة وتامة - والله على ما أقول شهيد- بأن أهله كانوا سيكتفون بنقله على حمار عبر معبر رفح لو سمح لهم ذلك "البغل" الذي يغلق المعبر بالوصول إلى الجانب الآخر من السجن الغزي الكبير.. هذا السجن الذي بني برعاية فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية.
أعلم وأعرف تمام العلم والمعرفة بأن فراق الحبيب مؤلم وصعب وقاهر، وما أصعب الفراق، خاصة فراق الأحبة يا سيادة الرئيس.. لكن هذا الفراق لا يعادل شعور من امتزجت لديه لوعة فقدان الولد بالمرارة من ظلم ذوي القربى..!
سيادة الرئيس، أعلم بمصابك الجلل الذي أصابك برحيل حفيدك، والذي كنت تناديه بقرة عينك.. وأعلم كذلك أن غزة حبلى بهذه المظاهر.. فآلاف من هم قرة عين لذويهم ودعونا وسيودعوننا، إن أطفال غزة يشاطرونك الأحزان لأنهم ذاقوا وما زالوا يذوقون طعم القهر والجوع والعذاب وموت الأخ والحبيب والصديق، فمن يشاطرهم أحزانهم؟ .. فهل من مغيث؟
لحفيدكم الرحمة و"قصركم الجمهوري العامر"، ولكم الله يا أطفال غزة هاشم.. ويقول المثل العربي العامي: إذا مات حمار العمدة فسيشارك الجميع في جنازته، وإذا مات العمدة نفسه فلن يشارك في جنازته أحد.. فما أعظم قائله، وما أرخص حياة البشر.. ومعذرة يا سيادة الرئيس، وعظم الله أجركم!
[القدس المحتلة]