من الشائع _ إلى درجةِ الابتذال _ الحديث عن المعارض الفنية التي تغصُّ باللوحاتِ والصور، وتفتقرُ إلى جمهورٍ يحلقُّ في فضاء هذا الفن بمختلف مدارسهِ _ التشكيلية.. التكعيبية.. السريالية.. _ ، حيث لا تحتوي المعارض الفنية إلا على النخب من نقادٍ ورسامينَ وتلاميذَ يتطلعونَ إلى يومٍ يصلونَ فيهِ إلى عرضِ لوحاتٍ رسمتها أناملهم. لكنَّ السؤال الذي يدقُّ جدرانَ المعارض: إن كانت هذهِ الحفلات الخاصة جداً _ المقتصرة على النخب _ لا تصل إلى الفئة المستهدفة دوماً في عالم الثقافة والفن  _ أعني الجمهور _ فما هي الحاجة لإقامتها...؟! قد يكون من الإجحاف بأيٍّ كان التجني على المعارض وتسميتها بالحفلات الخاصة، إلا أنَّ الواقع فرضَ التسمية، لأنَّ الصالات الفنية أصبحت حكراً على قلة قليلة: "الرسام ولوحاتهِ، النُّقاد، التلاميذ"، وفي ظلِّ هذهِ الأجواء الفنية المغلقة، نضعُ السؤال في موضعهِ: التقصير يعودُ إلى الجمهور أم القائمين على العمل الفني التشكيلي أم أنَّ الجهات المعنية _ رسمية وشعبية _ تلعبُ دوراً في التقصير؟! ربما يعود تقصير الجمهور إلى قلَّة التوعية حولَ هذا الفن، بدءاً من المدرسة؛ حيث حصة الفن تُمثل لدى الطالب والمدرس حصة فراغ، وفي حالات الضرورة القصوى يتم وضع حصَّةَ الفن كشاغر لمادة مضغوطة عملياً "كالرياضيات، الدين، التاريخ.." ، فَتُهَمِّشُ وَتُهَشِّمُ القيمة الجمالية للفن لدى الطالب.. مروراً بالكتاب والجريدة والمجلة ومحطات التلفزة والإذاعة التي تولي اهتمامها بمختلف نواحي الحياة باستثناء الفنون التشكيلية التي إن وجدت لها زاوية فهي بالكثير إعلانٌ عن افتتاح معرض أو معرضٍ سيكون.. وإن قلبنا الاهتمام بالمعارض الفنية على كافة الجوانب نجد أن هنالكَ تقصيراً من قبل الجهات المعنية _ رسميةً كانت أو شعبية _، وفي الطرف المقابل نتساءل عن دور الفنان والناقد: فهل هذهِ الفنون هي لنخبة النخبة أم أنها ذوق جمالي وفني مفتوح لأيِّ مواطن؟! بدايةً تجدرُ الإشارة إلى أنَّ هذهِ الفنون تمثِّلُ مدارسَ نشأت وترعرعت في الغرب ضمن مراحلَ وتطورت إلى أن بلغت الصورة الحالية التي نشهدها.. فهل هذا يعني بأننا كشرقيين وعرب لا صلةَ حضارية لنا بالفن؟ بطبيعة الحال لا، فالفنون العربية الإسلامية التي قامت بزخارفها وألوانها وخطوطها الجميلة في بغدادَ ودمشقَ والأندلس.. وغيرها من الحواضر الزاهرة في التاريخ لا زالت تدِّلُ على مدى عمق الوعي والاهتمام بالفن وقيمتهِ الجمالية.. كما لا ننسى الحضارات الغابرة والموغلة في التاريخ كالفرعونية والسومرية والآكادية والفينيقية والبابلية والآشورية والكنعانية.. التي لم تمح بعدُ نقوشها عن الصخور والكهوف، ولا زالت تحجُّ الأممُ إلى مصرَ لترى أهراماتها وإلى الأردن لترى البتراء المنحوتة في صخرِ الجبال وإلى بابلَ لترى حدائقها المعلَّقة.. مما يعني بأنَّ هذهِ المنطقة والأمَّة ذات جذور ضاربة في عمق التاريخ تدلُّ على رفعةِ مستواها الفني.. ورغماً عن هذهِ الجذور الضاربة عميقاً في صلبِ الأرض، إلا أنَّ الواقع يشير إلى غير ذلك؟! فالفنون العربية الحالية لا تحظى بالرعاية والاهتمام، والرسام والنُّقاد يتحملونَ عبئاً في ذلك، حيث هذهِ الفنون الغربية لم تُعالج عربياً وفقَ المعطيات التاريخية والحضارية، بل عولجت غربياً وفقَ المدارس الغربية، فكانت الترجمة لهذهِ المدارس ترجمة حرفية دون وضع بصمات خاصة من قبل المترجم _ الفنان أو الناقد _، كما أنَّ بعض الرسامين _ ولا أعمم _ أغفلوا التأثيرات العربية في لوحاتهم مما وسَّعَ الفجوة بينَ الجمهور واللوحات. وممن حظيَ باهتمام شعبي _ على سبيل المثال لأهميَّة التأثيرات العربية المُدخلة إلى الرسوم واللوحات _: مصطفى الحلاج وضياء العزاوي ومحمد الركوعي وعوض عمايري وعبد الحي مسلم وجمال شمّوط.. وسواهم ممن أدخلوا تأثيرات حضارية وتاريخية ولمسات من واقعنا المعاش إلى اللوحة مما طبعَ جوّاً من الألفةِ بينَ المشاهد واللوحة.. ولنأخذ أحد النماذج الفنيّة: توفيق عبد العال الذي تحدَّثَ عن بعض أدواتهِ الفنية في فنهِ التشكيلي فقال: "اللجوء إلى "الأرابيسك" في الخط العربي، كشحنة تعبيرية حيناً وكزخرفة ضرورية حيناً آخر..، استعارة الأجواء الأسطورية _ وبخاصة الكنعانية والشرقية _ عن الرجال بلا رؤوس..، إدخال الشمس إلى اللوحات، كشاهد مرة، وكتشكيل مرةً أخرى، من دون فقدان المساحة اللونية. ولم تقتصر استعانتي بهذهِ الأدوات على اللوحات الزيتية، وإنما تعدتها إلى التخطيط والنحت..".من هنا نرى بأنَّ الفنان التشكيلي العربي يلعبُ دوراً في خلق الانطباع لدى الجمهور من خلال أدواتهِ الفنية ورؤاه وتطلعاتهِ المستقبلية، كما أنَّ الناقد التشكيلي لهُ دور لا يقلُّ حجماً عن الفنان، حيث يصح القول بأنَّ المفتاح لديه يتمثل في جَسْرِ الهوّة بينَ اللوحة والمشاهد، من خلال ما يمتلكهُ من معرفة كافية بالمدارس الفنية والعناصر الضرورية في الفن (اللون، الظلال، الخطوط، التأثيرات، الإضاءة، المساحة..)، مما يعني ضرورة توجيه النقد ليصب في مسارهِ الصحيح: التصويب وبيان نقاط القوة والضعف في اللوحة.. _ موجّه إلى الفنان _، نقد تقريبي _ إن جاز التعبير _ موجه إلى الجمهور ليمتلكوا الكيفية لتقبل الفن التشكيلي العربي _ وليد الحُقبَة المعاصرة _ وليعرفوا الفرق بينَ المدارس الفنية المختلفة، وهو ما يقود في مجملهِ _ بعدَ تضافر الجهود _ إلى وضع الفن في المكانة التي تليقُ بهِ.. إنها دعوة موجَّةٌ لفتحِ ملف ركود حركة الفن التشكيلي العربي، لبيان نقاط الضعف التي تحتاجُ إلى معالجة، ونقاط القوة التي تحتاجُ إلى تعزيز، وحبّذا لو خرجَ السجال من دائرة النخب ليكونَ مبسطاً ومفتوحاً أمام القارئ والكاتب والناقد والفنان.. فيكفي انغلاقاً لفنانينا داخلَ مراسمهم، ويكفي لنقاد الفن التشكيلي انحساراً داخلَ المعارض، وتبادل الدعوات الرسمية والشخصية وكأنهم في أجواء دبلوماسية تحظر عليهم الحركة والتحليق خارج الأطر المرسومة والمُعَدَّةُ مسبقاً! إنها دعوة للانطلاق إلى أفقٍ شعبيٍّ جديد!



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك