(الحلقة الأولى)
آخر نظرياته أن حسن نصر الله يشبه حكام العرب في الستنيات وأن نصر الله لم ينتج للعرب والمسلمين أي انتصار....

كان يوم نكبة عندما لبيت دعوة النادي الثقافي الفلسطيني في الجامعة الأمريكية في بيروت يوم الخميس 14 أيّار – مايو 2009، لحضور محاضرة للدكتور عزمي بشارة والتي تمحورت حول أسئلة النكبة والتاريخ، أو فلسطين قضية العرب أم مشكلة الفلسطينيين...
وأعترف أنني كنت أتتبع كل النتاج المعرفي لعزمي بشارة ليس من باب أنه يضيف إليّ شيئاً جديداً، لكني قررت منذ زمن أن أعيد تفكيك نصوص عزمي بشارة ووضعها في سياقها الطبيعي، والتأكيد على أن عزمي بشارة أطلقت علية صفة المفكر ظلماً وعدواناً وتجاوزاً حيث بتنا نطلق الصفات الكبيرة على من لا يستحقها، وبقدرة قادر تحولّ الرجل الذي استظلّ بظل "الكنيست الإسرائيلي" لسنوات إلى مرجع ومفكر للعرب والمسلمين، بل بات واحداً من أهم المعلقين في الفضائيات العربية ومنها قناة الجزيرة التي احتضنته بتوجيه رسمي من أعلى المستويات في قطر.

وكنت دوماً أقمع عقلي ووجداني لتأجيل غربلة أفكار عزمي بشارة وأدواره الجديدة في العالم العربي بعد أن ضخّم "إسرائيلياً" وضخّم من قبل من بينه وبين (إسرائيل) أوشج العلاقات وأعمقها في الجغرافيا العربية، مع العلم أن الحصيلة المعرفية التي وصلت إليها بشأن النتاج المعرفي لعزمي بشارة تشفع لي أن أنقل من الوجود الذهني إلى الوجود الخارجي ما تراكم لديّ من ثنائيات وتناقضات في فكر – أستخدم كلمة فكر هنا تجاوزاً وتسامحاً وكنت أريد أن أسميه التكديس الثقافي– عزمي بشارة..

وقد حدث ما دفعني للتعجيل بالشروع في مهمة قومية وإسلامية لتجريد عزمي بشارة من لقب مفكر عربي وبالتالي تسليط الضوء على حقيقة مشروعه الاختراقي في الدائرة العربية والإسلامية..

قبل شهور وعندما زار عزمي بشارة العاصمة اللبنانية بيروت، تطاول على المقاومة الإسلامية في لبنان وأعتبر ما أنجزته في تموز/ يوليو 2006 ليس انتصاراً، وقالها صراحة في النادي الثقافي العربي.

وكرر الموقف نفسه في ذكرى النكبة في الجامعة الأمريكية، وكأنه جاء إلى بيروت ليتممّ ما بدأه المصريون من محاولات تفكيك كاريزما رجل وهب حياته للإسلام والمسلمين وتخليص فلسطين من الأسر الذي يجعلنا نحتفل سنوياً بذكرى النكبة. إذاً هو سعي فكري للنيل من شخصية السيد حسن نصر الله، والذي لم يدخل في صراع مع أحد، وحتى اللبنانيون بكل طوائفهم يعترفون أنه الرجل الوحيد الذي لم يلطّخ يده بدماء المدنيين بل كانت معركته مع الأعداء التقليديين والتاريخيين للعرب والمسلمين.

ومما قاله عزمي بشارة في محاضرته عن النكبة أن (إسرائيل) لو لم تنجز غير الاعتراف بها عربياً لكفاها ذلك، وأنا أقول لو لم ينجز عزمي بشارة لـ(إسرائيل) غير تقزيم شخصية حسن نصر الله وإنجازه الرباني لكفاه ذلك.
وقبيل انتهاء المحاضرة التي جمعت بين الميمنة والميسرة والقلب، وكانت تخوض في كل محور دون رابط منطقي بين المتواليات الفكرية، دخلت مع عزمي بشارة في سجال ساخن، تجاوز معه عزمي بشارة كل الخطوط الحمراء – علماً أنّ عزمي بشارة رجل عصبي وحاد المزاج ولا يقبل النقد أو المناقشة ويعتبر نفسه نصاً مقدساً، ويلقي كلامه على أساس أنه بديهيات ومسلمات على الجميع أن يقبل بها-، فمبدئياً طرحت عليه سؤالاً استفسارياً حول آليات تفكيك الكيان الصهيوني، وقلت له صراحة إنّه يكرّر ويجتر ولا يوجد عقل فلسطيني أو عربي رسم لنا خارطة واقعية وعلمية لتحرير فلسطين، وهنا بدل أن يتحدث عن التفكيك، فقد استمات في تضخيم الكيان الصهيوني وتأسّسه على منطق المؤسسة، وغيّر حديثه باتجاه النيل من سماحة السيد حسن نصر الله، قائلاً:

إن حسن نصر الله يكرر نفس خطاب الحكام العرب في سنة 1967 وهو يحوّل الإنجاز البسيط إلى هول انتصاري تماماً كما فعل حكام العرب في ذلك الوقت.

وهنا قاطعته قائلاً: يا عزمي لكن حسن نصر الله ليس الحسن الثاني أو بورقيبة أو النميري، وهنا ضجّت القاعة بالتصفيق، وبدل أن يصحح موقفه، قال هو حسن نصر الله وأنا عزمي بشارة، وواصل حديثه قائلاً: كيف يبني حسن نصر الله نظرية زوال (إسرائيل) مستنداً إلى مقولة لبن غوريون من أن أول هزيمة لـ(إسرائيل) ستشكل بداية لهزيمتها..

تمادى أكثر وقال: كيف نبني نظرية سياسية على قول لأحد الساسة اليهود، علماً أن بشارة يبني كل طروحاته الفكرية على قالوا وقلنا، وأشار هذا وذكر ذلك، وهذا مبدأ احتجاج منطقي، ويجيزه لنفسه ولا يجيزه لحسن نصر الله...

والأخطر ما في الموضوع أن عزمي الذي كان يشيد بالمقاومة كخيار أوحد لتخليص فلسطين من الأسر، ختم محاضرته بقوله: لن تتحرر فلسطين بمقاومة من الداخل، والفلسطينيون في الداخل لا يمكن أن يحرروا فلسطين، وهنا قلت له يا عزمي: أنت تطلب من الفلسطينيين أن يشربوا قهوة ويتفرجوا على الترسانة العسكرية "الإسرائيلية" وهي تحصد رؤوسهم..

وهنا أبدى بشارة امتعاضاً، وتبين كما لو أنه سجال شخصي بين يحي أبو زكريا وعزمي بشارة.

وقد أحصيت له ثلاثين جملة تتناقض مع بعضها البعض، فأكّد لي ذلك أنّ هذا الرجل جامع نظريات وليس منتجاً لها، وهذا ما سأؤكده في الحلقات المقبلة.
وطبعاً التهم الصهيونية التي وجهت لعزمي بشارة لم يكن الغرض منها إحراجه بقدر ما كان الهدف منها فرش بساط واسع له باتجاه دوائر القرار العربي وقيادات المقاومة ليواصل مهمة الخرق والاختراق من جهة على الصعيد السياسي والأمني، وليواصل الاختراق الثقافي عبر نشر عناوين عامة على غاية من الخطورة في العالم العربي، والأخطر ما في نصوص عزمي بشارة وهذا ما حملت على عاتقي كشفه، هو تمرير نص أو جملة ذات بعد "إسرائيلي" بين كل جملتين أو نصين جميلين عربيين وفيهما رنين الإبداع، وهنا لا يتشوّه الرأي العام العربي فقط، بل يتدكدك، ويصاب بالحيرة والاضطراب بين ما هو نص أمني وضعه سيكولوجيو الأجهزة الأمنية وبين ما هو فكري.
ومن قبيل المتناقضات البشارية:

المقاومة ضرورة، لكن مقاومة لبنان لم تحقق شيئاً يذكر، وقد لجأت إلى الدوغمائية لتعبئة الجماهير.
يجب أن يكون للاجئين دور تحريري، لكن الفلسطينيين في الداخل لا يمكن أن يحرروا فلسطين. الدولة العبرية قد تزول، لكن (إسرائيل) دولة قوية وذات مؤسسات وهي نجحت إلى أبعد مدى في إقامة كيان اقتصادي، والطبقة الوسطى فيها انتعشت.
وهناك مئات النصوص التي فرزتها، والتي تبين واحدة من أمرين، إما إصابة عزمي بشارة بالشيزوفرينيا الفكرية وهذا قد يحدث، أو في داخله شخصيتان واحدة "إسرائيلية" والأخرى عربية كونه من عرب 48، وهما مطلوبتان لأداء الهدف الإستراتيجي الموكول لمن تربى في بيت العنكبوت... والعجيب أن عزمي بشارة الذي أصبح عضواً في "الكنيست الإسرائيلي" سنة 1996، ظل مستظلاً بفيئه، مقراً بشرعيته، حاصلاً على راتبه ممن سرقوا زيتون شعبه، ومائلاً لامتيازاته ممن سرقوا ظاهر الأرض وباطنها.

وفي تلك السنين، التي كان فيها عزمي بشارة يحمل صفة عضو الكنيست، مُرّت أخطر القرارات والقوانين في الكنيست، تلك القرارات التي شرعنت الحروب الصهيونية على لبنان وفلسطين، ولم يحرّك عزمي بشارة قيد أنملة في ذلك الوقت، ولو كان فلسطينياً حراً لما اختار الانتظار إلى هذا اليوم لينسحب، أو ليبعد تكتيكياً، فرائد الإصلاح في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس وعندما طلبت منه فرنسا أمراً بدعمها قال:
والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلاّ الله لما قلتها.. فيما عزمي بشارة ولدى تقديمه استقالته للسفارة الصهيونية في العاصمة المصرية القاهرة، كتب في استقالته ما يلي: "أقدم بهذا استقالتي من الكنيست. هذه هي الولاية/ النيابة الرابعة لي في الكنيست منذ العام 1996، حيث بذلت أقصى الجهود في عملي بموجب القيم العالمية التي أؤمن بها، مثل المساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام العادل بين الشعوب، كما مثلت بإخلاص المواطنين عامة، والمواطنين العرب بشكل خاص.
حاولت من خلال نشاطي البرلماني ربط القيم التي أؤمن بها بالمنطق العملي والاستخدام الهادف للقواعد البرلمانية. وفي هذا السياق لا أنوي تلخيص مختلف النشاطات، وسأترك ذلك للآخرين، إلا أنني أستطيع النظر إلى الوراء، والقول، برضا، إنني ساهمت في تطوير خطاب برلماني جديد يتصل بالمواطنين العرب كمجموعة قومية وبمصطلح المواطنة.

منذ الانتخابات الأخيرة وأنا أفكر بقرار الاستقالة من الكنيست، وتكريس وقت أكبر للكتابة الفكرية والأدبية، إلى جانب النشاط الجماهيري. علاوة على أنني كنت على قناعة بأن وجودي في الكنيست هو دور أقوم به، وليس مهنة".
وهذا إقرار أنه كان يمثل الصهاينة – المواطنين– وهذا يمنح المحتلين والمستعمرين اليهود شرعية ويمثل المواطنين العرب.
وهذه لعمري ألطف وأنظف وأخفّ وأحلى وأغزل – أشدّها غزلاً– كتبت في التاريخ البشري، فهو لم ينددّ باحتلال ولا بعدوان على هذه الدولة العربية أو تلك، بل كان ممثلاً للصهاينة والفلسطينيين – عرب 48-، وهذه دلالة على الشيزوفرينيا فهو في الشاشات العربية يرعد ويزبد ضد الكيان "الإسرائيلي"، وفي مراسلاته الرسمية مع الإدارة الصهيونية يبدو لطيفاً سمحاً، يا ليته قال في السيد حسن نصر الله ربع ما قاله للإدارة الصهيونية وهو يعلن انفصاله التكتيكي عنها!
هل أوكل له دور آخر في الداخل العربي.. دور ثقافي وسياسي وأمني، ذلك ما سنعرفه في الحلقات المقبلة.

ملاحظة من موقع فلسطيني: (حذفت الحلقة الثانية وهي تتحدث عن مشكلة الباحث مع قناة القدس الفضائية)

عزمي بشارة: المفكر الأجوف – الحلقة الثالثة (3)



ردود هائلة وغير متوقعة تلك التي واكبت الحلقة الأولى والثانية من كتابي "عزمي بشارة: المفكر الأجوف"، وتنقسم هذه الردود إلى ثلاثة أقسام، قسم من الردود كان مؤيداً تأييداً كاملاً، بل والبعض زايد على ما قلت، وأقسم أنه يملك أدلة ومعلومات ومعطيات، وكثير من هؤلاء من عرب 48، والعالم العربي..
والقسم الثاني من المعقبين، كان محتاراً وكأنّه أمام اكتشاف جديد، وتوقف عن إصدار أي حكم على عزمي بشارة أو يحيى أبو زكريا ريثما أنهي كل الحلقات.
أما القسم الثالث، فكان قلباً وقالباً مع عزمي بشارة، وراح يتهمني بتحطيم قامة فكرية كبيرة، لكن هذا القسم لم يقرأ شيئاً لعزمي بشارة، لم يقرأ هؤلاء، لا في نقد المجتمع المدني، ولا الخطاب السياسي المبتور ولا الأقلية العربية في (إسرائيل).. رؤية من الداخل ولا الانتفاضة والمجتمع "الإسرائيلي"، ولا لئلا يفقد المعنى. ولا كتبه العبرية، التنوير مشروع لم يكتمل بعد، ولا الهوية وصناعة الهوية في المجتمع "الإسرائيلي"، ولا كتابه باللغة الألمانية والذي يحمل عنوان حول القدس، ومئات المقالات الأخرى، والحمد لله فإنني أقرأ بثمانية لغات.
والقسم الثالث المؤيد بشكل أعمى لعزمي بشارة لم يقرأ كتبه ولم يفكك نصوصه الفكرية، وتبنيه لعزمي بشارة هو بسبب مواقفه السياسية، والتي فيها الكثير من الضبابية، علماً أن عزمي بشارة لمن لا يعلم لا يؤمن ولا يعتقد بنظرية زوال (إسرائيل) بالمطلق وهي من الوعود الربانية، والبشارات التي أطلقها صاحب الوعد الصادق سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله أدامه الله تعالى.

وهذا الاضطراب والعمى الفكري لمجموعة الموالين لعزمي بشارة، دعاني إلى إرجاء الغوص في التضاريس الفكرية لعزمي بشارة، فهذا الجانب النقدي قد لا يستوعبه المتعاطفون العاطفيون والذين، ربما عناهم دايان بقوله: "إنّ العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يحفظون وإذا حفظوا سرعان ما ينسون".

ولأجل هذا سأعرض هذه المعلومات على المعارضين لعزمي بشارة، والمحتارين في أمره والموالين له ولاء أعمى بدون أن يحللوا ويقرأوا ويتعبوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة.

فعزمي بشارة ما زال يتقاضى راتبه من الكنيست "الإسرائيلي"، وقيمته راتبه 3 آلاف دولار، وما زال محتفظاً بجوازه "الإسرائيلي"، حسب معاريف الصهيونية.
وزيارات عزمي بشارة لدمشق ولبنان كانت تتم بشكل علني وكان يعود إلى دويلة الصهاينة علناً دون محاسبته أو سؤاله، في الداخل العبري رغم أنه لا يوجد علاقات دبلوماسية بين دمشق و"تل أبيب"، أو بيروت و"تل أبيب". وقد اعتمد الصهاينة حيلة الضجيج الإعلامي، وعلى إيقاع هذا الضجيج كان عزمي بشارة يلتقي أعلى القيادات "الإسرائيلية"، وبالتأكيد لم يكن الهدف من هذه اللقاءات سؤاله عن الكبة نية اللبنانية أو المكدوس السوري. وقبل توقيع معاهدة الصلح الأردنية – العبرية، زار عزمي بشارة الأردن وسط ضجيج إعلامي، ولدى عودته إلى الدويلة النجسة الصهيونية التقى بمسؤولين رفيعي المستوى في "تل أبيب" وطبعاً لم يسألوه عن رأيه في المنسف الأردني، بل كان العقل الصهيوني الأمني والسياسي مهتماً بمعرفة ردود فعل الشارع الأردني من معاهدة الصلح المقبلة بين عمان و"تل أبيب". وعزمي بشارة كان الوحيد الأوحد الذي يملك صلاحية زيارة المواقع الجغرافية الرافضة للدولة الصهيونية، طبعاً جواز مروره الفكر القومي العربي ونجاجه في اختراق للخارطة الإعلامية والثقافية العربية.

ففي عام 1997 رفضت الجهات الأمنية الصهيونية خروج صالح برانسي إلى عمّان للمشاركة في حفل تأبين تكريماً لمنصور كردوش أحد مؤسسي حركة الأرض القومية، وبعد وفاة برانسي رفضت الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" خروج زوجته أيضاً إلى عمّان للمشاركة في حفل لتأبينه.. ولعزمي بشارة حق الاجتماع بالدكتور بشار الأسد والسيد حسن نصر الله وأحمد جبريل، وشكل ذلك نجاحاً صهيونياً خطيراً.

الصحفي "الإسرائيلي" أمنون إبراموفيتش صرحّ للقناة الصهيونية الأولى بتاريخ 16 حزيران 2001 أنّ عزمي بشارة كان يلتقي مع رئيس الوزراء الصهيوني يهود باراك قبل كل زيارة لدمشق، ومع الجنرال احتياط داني ياتوم رئيس جهاز الموساد السابق، وتعوَد على تقديم تقارير إلى ياتوم عن زياراته إلى سورية. وعندما سئل في الجامعة الأمريكية في الإمارات العربية المتحدة عن عرب 48 والسفر قال: أنا لا أشجه استقبالهم، فقد يكون بين ظهرانيهم جواسيس زيارة مواطنين من واعتبر عزمي بشارة زيارته إلى الخليج رسمية. وعندما أعلن عزمي بشارة ترشحه لرئاسة الحكومة "الإسرائيلية" وتحمسّ للمشروع كأنه سينقذ الشعوب العربية، وقف إلى جنبه كل القيادات "الإسرائيلية"، ثم تنازل لصالح إيهود باراك. وللإشارة فإنّ عزمي بشارة ينتقد العالم العربي ويعريه ويتعامل معه كما لو أنّه نيتشه، فيما يرفض رفضاً قاطعاً الحديث عن زوال (إسرائيل)، وقد واجهته في الجامعة الأمريكية وقلت له: أنت يا عزمي تظل تربطني بالماضي وأنا أتمنى أن تضع نظريات في إزالة (إسرائيل) باعتبارك كنت وما زلت في بيت العنكبوت.
وفي حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلي قال داني ياتوم: بما أن بشارة كان يسافر كثيراً إلى دمشق، اجتمعت معه لكي أبلغه بالموقف "الإسرائيلي" وقمت برسم خريطة له حول ذلك على منديل ورق... ولقد تبادلنا الحديث عن الأهمية البالغة لاستمرار السيادة والسيطرة "الإسرائيلية" على الجهة الشمالية الشرقية من بحيرة طبرية وأن تمتد هذه السيادة على رقعة حدودية على أراض مكونة من مئات الأمتار. وسأل الصحفي بركاي: باسم من هذا الاقتراح، باسمك شخصياً؟ فأجاب داني ياتوم: (لا.. الاقتراح ليس باسمي. أنا رسمت شخصياً على ورقة منديل لعزمي بشارة. ولكن هذا الموقف "الإسرائيلي" الذي اقترحه يهود باراك. باراك كان مستعداً للانسحاب من الجولان حتى الحدود الدولية وكان هدفنا إبعاد السوريين من حدود بحيرة طبرية). ورداً على سؤال آخر قال داني ياتوم: (اللقاءات لم يحضرها باراك، ولكني أبلغته أنني سأجتمع مع بشارة لكي أوجهه – أي أوجه عزمي بشارة- ليس كمبعوث رسمي بالكامل "لإسرائيل"، ولكن لأنه كان يجتمع مع القيادة السورية). وفي نفس اللقاء الإذاعي قال عزمي بشارة: (لقد سافرت إلى سورية كثيراً قبل ذلك واجتمعت مع الأسد. دائماً كنت مستعداً للجلوس والاجتماع مع سياسيين "إسرائيليين" واجتمعت مع براك عدة مرات بعد ذلك). ورداً على سؤال آخر للمذيع "الإسرائيلي"، أجاب عزمي بشارة: (الحديث عن رجل ثالث كلام فارغ.. إنه إفشال فيلان من ميرتس.. لماذا الغموض؟ إنه صديق داني ياتوم بصفتي عضو كنيست.. أنا عضو كنيست.. أجتمع مع رؤساء وزراء.. هناك ضرورة لسماع الموقف الإسرائيلي).

ولمزيد من معرفة أسرار عزمي بشارة، فليعد محبو القراءة وعددهم قليل في العالم العربي، وحسب إحصاءات اليونسكو فعدد القراء العرب لا يتعدى 0,5 بالمائة، وليقرأ من يحب القراءة ما كتبه فيصل القاسم وأحمد أبو مطر وإبراهيم علوش ومحمد أسعد التميمي.

فمحمد أسعد التميمي كتب يقول: "ففي ضمن هذا السياق ومنذ عام 1996 تقريباً ونحن نشهد تسويق ظاهرة سياسية اسمها (عزمي بشارة)، وهذه الظاهرة تتعلق بـ(عضو كنيست اليهود)،أي أحد مؤسسات الكيان اليهودي الغاصب لـ(فلسطين)، أي بمفردة من مفردات النظام السياسي البشع لهذا (الكيان الغاصب) المجرم الذي قام على أنقاض شعبنا الفلسطيني، وفوق أرضنا المُباركة (فلسطين) بعد أن غرسته الصليبية العالمية المُتمثلة بـ(بريطانيا) يومذاك، فهي صاحبة هذا المشروع اليهودي السرطاني الخبيث الذي نشر الموت والهلاك والعذاب بين أبناء شعبنا وشردهم في بلاد المعمورة، وهذا المشروع هو نواة المشروع اليهودي الكبير الذي يمتد من (النيل في مصر إلى الفرات في العراق)، ولا يُمكن أن يُصبح أي شخص (عضو في كنيست اليهود) إلا بعد أن يُقسم بـ(الولاء للمشروع اليهودي ولحدوده)، والعمل على تحقيق أهدافه والحفاظ عليه والالتزام بقوانينه، وهكذا صار (عزمي بشارة) عضواً في (كنيست هذا المشروع)، أي جزءاً من السلطة التشريعية لهذا المشروع بعد أن أقسم اليمين على ذلك، فالذي يكون جزءاً من مؤسسات هذا الكيان المجرم فإنه يكون شريكاً بكل جرائمه مهما تغطى بثياب براقة قد تخدع البسطاء من الناس".
ويقول أيضاً "فـ(عضو كنيست اليهود) المستقيل (عزمي بشارة) يقوم بطرح طروحات سياسية خطيرة يعمل على تسويقها بين أبناء شعبنا الصامد على الأرض التي اغتصبت عام 1948، وهذه الطروحات تستهدف تثبيت (الكيان اليهودي) الغاصب فوق أرضنا، وليُصبح مهضوماً من شعبنا وأمتنا، وذلك بجعل هذا الكيان جزءاً من المنطقة المحيطة به والتي يتناقض معها (عقائدياً وتاريخياً وثقافياً وجغرافياً)، أي بتطبيعه، أي يُصبح من نفس طبيعة المنطقة بدلاً من لفظه فيكون مصيره كمصير دولة الصليبيين التي استمرت قرنين من الزمان (مئتي عام) ثم لفظتها المنطقة، فهذه الطروحات السياسية الخطيرة والتي أصبح من يُسوقون (عزمي بشارة) يعتبرونها مواقف بطولية:

أولاً: (عزمي بشارة) هذا يحمل عقيدة مُناقضة ومُعادية لعقيدة الأمة الإسلامية القائمة على الغيب، فهو قد خرج من رحم (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) المُسمى (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حداش) وبقدرة قادر تحول إلى مُفكر ومُناضل قومي، فهو بالأساس يتستر بالماركسية ليُخفي الروح الصليبية التي يحملها ككثير من الماركسيين الذين تبينت حقيقتهم بتحالفهم الحالي مع (أمريكا) في احتلالها لـ(العراق)، فكيف يتحالف النقيضان (الإمبرياليون مع الاشتراكيين)، إنه العداء للإسلام، والدليل على هذه الروح الصليبية أنه يستهزئ بعقيدة الإسلام القائمة على (الغيب)، فعندما يُريد أن يُهاجم من يدافع عن الإسلام فإنه يُعيره بأنه (غيبي) أي أنه مسلم، أي أنه موحد لله رب العالمين، ففي إحدى مداخلاته التلفونية على (قناة الجزيرة) في برنامج (الاتجاه المعاكس) قام بالرد على الضيف بغضب وكان يومها الكاتب (ياسر الزعاترة) بأن وصفه (بالغيبي) أي أنه مسلم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألُونكم خبالاً ودُوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بيّنّا لكُم الآيات إن كُنتم تعقلون) 118 آل عمران.

وفي مرات كثيرة سمعته يستهزئ بعقيدتنا (عقيدة الغيب) التي نفديها بأرواحنا. ويقول أيضاً "فلذلك أن الشيخ (رائد صلاح) نتيجة لمواقفه التي تعبر عن تحدي حقيقي للكيان اليهودي ممنوع من دخول الدول والعواصم العربية حتى أنه مُنع من أداء فريضة الحج وذلك تضامناً مع موقف الكيان اليهودي من هذا المجاهد البطل، فدوره في الدفاع عن (المسجد الأقصى) يُمثل لُب الصراع العقائدي مع اليهود وأساسه فهو رأس الرمح في هذه المعركة، لذلك يتم تجاهله من كثير من وسائل الإعلام العربية ويُمنع التضامن معه في الدول العربية خوفاً من استفزاز اليهود فكثيراً ما يُمنع من دخول (القدس) ويوضع في الإقامة الجبرية".

وربما نسيّ المتعاطفون تعاطفاً أعمى مع عزمي بشارة حلقة الزميل والصديق العزيز فيصل القاسم والتي كانت حول عرب الداخل "عرب48" وهويتهم وموقفهم من الانتفاضة الشعبية في غزة والضفة والانتقادات الموجهة لهم في اندماجهم بالمجتمع "الإسرائيلي" وقبول ساساتهم بالأمر الواقع "الإسرائيلي".

وقد أثار فيصل القاسم في بداية الحلقة أسئلة موضوعية حول حقيقة دور البعض ممن يعرف بعرب 48، وقد وجه أبو أصيل فيصل القاسم دعوة لعزمي بشارة الذي يرفض أن يناقش حتى لا يفتضح أمره، وبدأ ياسر الزعاترة حديثة بصب الهجوم على النخب السياسية في أوساط عرب 48، والتي وصفها بالنخب اليسارية التي قامت بعملية الأسرلة للمجتمع الفلسطيني عندما كان المد اليساري هو السائد في فترة الستينات والسبعينات، وعندما بدأت الهوية تصحو بجهود الحركة الإسلامية بعد منتصف السبعينات انحاز الجمهور الأكبر داخل أوساط عرب 48 إلى خطاب الحركة الإسلامية، والحركة الإسلامية على حد قوله قدًّمت عناصر تماسك الهوية: اللغة والدين والحفاظ على المقدسات.

وكان هذا موقف إبراهيم علوش الذي فتح النار على النخب السياسية لعرب الداخل وعلى رأسهم عزمي بشارة وقد اتهمه إبراهيم علوش بالخيانة والتصهين والتكفير المبطن.

أما الدكتور أحمد أبو مطر فقد أكدّ أن عزمي بشارة كان وما زال مبعوثاً رسمياً وأمنياً من "الدولة العبرية" وإلى دمشق ولبنان على وجه التحديد.. وفي هذا السياق يقول أحمد أبو مطر: "إن الحافز لمناقشة أطروحات ومواقف عزمي بشارة، النائب العربي في الكنيست "الإسرائيلي"، هو ما يفترض إيمانه الشديد بحرية الرأي وضرورة إرساء قواعد مجتمع مدني ديمقراطي يحفظ كرامة الإنسان وحريته في التعبير أساساً، ومن له كتابات وتنظيرات عديدة في هذا الشأن لن يغضبه مناقشة آراءه ومواقفه، طالما هذا النقاش يعتمد على الحقائق مسنودة لمصادرها، وبدون النقد من الصعب أن يعرف الشخص حقيقة موقع قدميه وكيف ينظر الآخرون لتلك المواقف، وهل هي تصب في خدمة الجماهير أم في خدمة الأنظمة، وفي هذه الحالة تتهاوى أطروحات الشخص ويقع في ازدواجية منفّرة، فهو ينظّر للحرية والديمقراطية، وممارساته وعلاقاته تصب في مصلحة أنظمة قمعية مستبدة تصادر أبسط حقوق شعبه".

عزمي بشارة: المفكر الأجوف - الحلقة (4)



أصيبت الإنتليجانسيا العربية وبسبب الكساح العقلي وعدم القدرة على التجديد والإبداع بداء عمى الألوان الفكري الذي حال بينها وبين التمييز بين ما هو إبداع وبين ما هو اقتباس.
وأدى غيّاب القراءة المستوعبة والماسحة لفكر هذا أو ذاك والاكتفاء بقراءة جملة أو جملتين من نتاج هذا أو ذاك إلى صدور أحكام ومنح أوسمة الإبداع لمن لا يستحقها. وكثيراً ما وقعت هذه الإنتليجانسيا في شبهة الإعجاب بالنص السياسي واكتفت بذلك دون تمحيص النص الفكري أو الثقافي والذي قد يكون مناقضا جملة وتفصيلاً للنص السياسي المحكوم بالحدثية وسرعة التلاشي.

ويشبه وضع هؤلاء ومن يتبعهم بتلك الرعية في بغداد، في قصة وضّاع الأحاديث وناسبها إلى رسول الإسلام – ص-، والذي حاسبه الرشيد وأراد معاقبته، فقال له الوضّاع أتحاسبني على رعية لا عقل لها ولا تفكر أبداً.. وأصر على الرشيد أن يذهب معه إلى جسر بغداد، ففعل ذلك هارون الرشيد، وذهب معه متنكرّاً إلى جسر بغداد، وطلب منه الوضّاع أن يتأمل ردود فعل الناس، وبعيد حين أخذ الوضّاع يصرخ قائلاً: أيها الناس بلغني عن فلان وعن فلان عن رسول الله - ص- أنّ أيّ امرئ أوصل أرنبة لسانه إلى ثقبي أنفه فله الجنّة، فشرع كل الحضور في سحب ألسنتهم وحاولوا إيصالها إلى أنوفهم، وهنا قال الوضّاع للرشيد: أتحاسبني على مثل هذه الرعية..

وما أشبه الكثير من مثقفينا وأفراد شعوبنا برعية الرشيد التي تقبل القول أي قول على عواهنه، المهم أن يكون هذا القول صادراً عن فلان أو فلان من الذين ساهم الإعلام العربي أو الغربي في صنع كاريزماتهم.. ومثل هذا التعصب والتقوقع وعدم القراءة المتوغلة والاكتفاء بظاهر العبارة أو بالنص السياسي المموّه والجميل هو الذي أفضى إلى تعطيل الاجتهاد الفقهي والسياسي والفكري والعلمي والحضاري.. ومع مرور الأيام يصبح هذا النص أو ذاك بمثابة نص مقدّس وبديهية لا يجوز الطعن فيها، والعجيب أن بعض الراكعين للنص البشري ثقافياً كان أو سياسياً يجيزون لأنفسهم الطعن في النص السماوي، وبهذا يعرضّون منطقهم الاستدلالي مرض الشيزوفرينيا الفكرية، والثنائية التي حولّت المطلق إلى نسبي، والكل إلى جزء، والعام إلى خاص...
وهذا ينطبق على النص الثقافي والفكري لعزمي بشارة الذي قبله كثيرون واستساغه مثقفون دون محاولة التوقف عند نصوصه ومدلولاته..

والمغالطة الأولى التي انزلق فيها كثيرون إطلاق صفة مفكر أو منتج أفكار على عزمي بشارة، وزادوه من القصيدة بيتاً فاعتبروه مفكراً عربياً بامتياز ومرجعاً ومنظراً للثقافة العربية، وعزمي بشارة نفسه الذي تميزّ نصه بالتناقض والتضارب والتناطح والذي ينم عن غياب المبنى الفكري. والمستند الثقافي الخاص بعزمي بشارة لم يكشف عن المفكر العربي أو المبدع العربي الذي صاغ خطه الفكري أو على الأقل أثر عليه إذا قلنا إن عزمي ولد مفكراً، فهو يقول في حوار أجري معه إنه: "تلميذ كارل ماركس وإيمانويل كانت وهيغل وماكس فيبر، ومدرسة فرانكفورت النقدية"، ويتابع قائلاً: "طبعاً، طبعاً وتأثيرهم هائل. أنا تلميذ هذه الأفكار الكبرى والأسئلة التي طرحتها، وتعثر الأجوبة، وفي صراع مع التفسيرات الغيبية في تحويل بعض هؤلاء إلى ديانات. فالتعصب لمنهج علمي بعينه هو عكس كلمة منهج علمي. ولن أتمكن من مراجعة تأثير كل منهم على حدة "، وهنا التناقض الكبير كيف يمكن لكارل ماركس الغربي صاحب كتاب الرأسمال أن يصوغ عقلية مفكر عربي، وكيف يمكن لإيمانويل كانت الفيلسوف الألماني أحد الدعاة إلى التنوير أن يكون ملهماً لمفكر عربي، والذي جعله عزمي بشارة مرتكزاً لتفكيره ودعوته للتنوير في بداية حياته الفكرية، وقد قلدّ كانت قي صرخته التنويرية حيث قال إيمانوييل كانت: "أعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب. تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر".

فعزمي بشارة في تأثره بجيل التنويريين لم يأت بجديد بل هو يشبه قاسم أمين وطه حسين ورفاعة الطهطاوي وكل مؤسسي النيوليبرالية، وما هذا الفكر العربي الذي قوامه الاستنباط من رؤى وأفكار صاغتها عقول غربية، أيكفي تعريب هذه الأفكار، لتصبح ضمن نسيج الفكر العربي..
أليس الفكر وليد البيئة، أليس قوة الفكر تتجسّد عندما ينطلق من الواقع العربي والإنسان العربي ومشكلاته، وهذا سيؤول بنا إلى إعادة تسويق إشكالية المفكرين الغربيين بأن العرب لم يبدعوا فلسفة ولا فكراً، بل إن فلسفتهم هي امتداد لفلسفة اليونان، وفكرهم اقتباس من العصر التنويري الغربي.

وحتى الفكرة القومية التي ينتمي إليها عزمي بشارة هي فكرة غربية، هي فكرة مقتبسة وقد عبرّ عن ذلك بقوله: "ولا شك أن الفكرة القومية فكرة غربية، مثل فكرة المجتمع في مقابل الجماعة، والمجتمع المدني وحتى الدولة الحديثة. طبعاً هي سياقات غربية ما لبثت أن توسعت مع انتشار الحداثة. لا يمكن أبداً استنساخ نشوء العملية الأصلية لنشوء القومية والديمقراطية. وليس ضرورياً أن يحصل ذلك. والتحدي هو في العلاقة بين النموذج النظري والحالات الخاصة".

ومدلول نص عزمي بشارة أن العقل العربي – نقول تجاوزاً عقلاً عربياً– لم ينتج شيئاً، لم يبدع شيئاً، لا المنطلقات ولا المرتكزات النظرية، كل ما في نصوص المفكرين القوميين مفردات لخطاب ثقافي تابع لمجموع الامبريالية الغربية التي انتفض العقل العربي ضدّ نصها السياسي واستورد نصها الثقافي، وبما أن كل تلك المنطلقات غربية التأسيس، فكيف يكون عزمي بشارة مفكراً أو منتجاً لفكرة عربية، بل كيف يكون الفكر القومي مبدعاً وكل ما يملكه أفكار غربية مستعربة ومعربة؟

ونظراً لهذا الخلط وعدم التأسيس لمدرسة فكرية واضحة المنطلقات، عربية المرتكزات فإن مسألة يسارية عزمي بشارة واقتباسه من مفكرين ليبراليين رأسماليين فيها الكثير من الاهتزاز الفكري، وينطبق على عزمي وأمثاله المصطلح الذي استخدمه توفيق الحكيم "اشتروا رأسماليين"، ولأجل هذا التناقض والاهتزاز في المباني الفكرية القومية، لم ينجح أصحاب هذه المدرسة في إيجاد حلول واقعية للأمراض التي أصبحت مزمنة في الواقع العربي، وعندما وصلت هذه المدرسة وبعض أتباعها إلى دوائر القرار عجزوا عن رسم مسار فكري للدولة، وأصبحوا كما قال الحكيم "اشتروا رأسماليين".

فالليبراليون الجدد كانوا يساريين وماركسيين – تماماً كما كان والد عزمي بشارة عضواً في الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" وتأثر بهذا الفكر عزمي بشارة - في فترات تاريخية سابقة وعندما كانوا يواجهون بالديكتاتورية اللينينية والإجرام الستاليني– معروف أن ستالين أباد نصف سكان الشيشان – وحقائق سيبريا والمفكرين المنفيين إلى هناك، كانوا يردّون بأنّ النظرية شيء و التطبيق شيء آخر، وأنّ الماركسية الرائعة كما كانت في نظرهم لمّا تطبّق لأنّه وحسب تعبير كارل ماركس في الرأسمال فإنّ الماركسية مرحلة متأخرة وتتحقق في نهاية المطاف عندما تذوب الدولة في الجماهير وبهذا الشكل دافعوا عن الماركسية وحتى لما وافق الاتحاد السوفييتي السابق على تقسيم فلسطين، وافقت ذينكم الفئة على التقسيم باعتبار أنّ قرار موسكو معصوم ولا يرقى إليه الشكّ...

وكلما ووجه هؤلاء بحقيقة تردّي الأوضاع في إمبراطورية الدبّ الأحمر، كانوا يقولون إنّ العيب ليس في النظرية بل في التطبيق أو بالأحرى في الإنسان الذي لم يستوعب الفكر الماركسي المتألق في نظرهم... فتركوا كارل ماركس واعتنقوا فكر آدم سميت وانبهروا بالمدنية الغربية التي تعاني من الويلات اليوم إلى درجة أنّ أحد الباحثين الغربيين يقول يا ليت الغرب بقي محافظاً على فترته الزراعية، لأنّ المرحلة التقنية جردّت الإنسان من إنسانيته كما جاء في كتاب روني دوبو: إنسانية الإنسان.

وهذا الاضطراب في الأفكار واقتباسها وعدم وجود قاعدة معرفية للفكر القومي أفضى بهذا الفكر كما يقول عزمي بشر إلى تحوله إلى فكر مخيف مفرز للرعب أو كما قال: "التنظيم القومي يؤمن ويرى وظيفة وضرورة القومية العربية. ولكن هذه وحدها قد تدهوره إلى فكر فاشي أو تبرير لأنظمة أو غيره. على الفكر القومي أن يعلن عن نفسه في النظرية والممارسة هل هو فكر قومي ديمقراطي أم لا، هل يدفع باتجاه العدالة الاجتماعية ضد الخصخصة للـ"حراميِّة" الجدد، والنوفوريش وضد رأسمالية الدولة الفاسدة؟ أم لا؟ لم يعد بإمكان التنظيم القومي أن يعفي نفسه من الإجابة عن أسئلة المواطنة والديمقراطية السياسية والسياسة الاقتصادية وعلاقة الدين بالدولة وسياسة الرفاه والتعليم وغيرها".

وهذه النصوص والنصوص المضادة من عزمي بشارة تتيح لنا الخلوص إلى نتيجة أن عزمي ليس منتجاً للإبستومولوجيا ككيان موحد ومتمتع بالتسلسل المنطقي لميلاد الفكرة وصيروتها ومآلها، فهو مع الفكر القومي العربي المتصل بالفكر التنويري التغريبي المفضي إلى التفجير والتدمير في مرحلة التطبيق، وعادة الذين يقرأون لهذا وذاك بدون أدوات نقدية حضارية، يصابون بالتكديس المعرفي والثقافي والفكري كما يقول مالك بن نبي وهم الذين لا يتميز فكرهم بلون معين أو رائحة معينة، وهنا يصعب على الفكر المسطح فهمهم أو نقدهم، ويكتفي هذا العقل المسطح بالتصفيق فقط عندما يستوعب أو يتخيل أنه استوعب جملة لمكدس ثقافي وناقل أفكار غيره ومتأثر بإنتاج غيره كما هو شأن عزمي بشارة...

وهذا الداء الذي يميّز عزمي بشارة في منطلقاته الفكرية نسبه إلى المقاومات العربية اللبنانية والعراقية والفلسطينية، والتي تدعي أنها تملك "ثقافة مقاومة" رغم إدعاء هذه المقاومات أنها تحتكم إلى المرجعية الإسلامية وعلى رأسها القرآن الكريم، فهذه المقاومات لديها موقف سياسي وليس ثقافة، وفي ذلك يقول: "لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية واحدة للمقاومة، أو عن ثقافة بعينها تحملها المقاومة. أما إذا كان الحديث حول "ثقافة المقاومة" كمصطلح، فالمقصود هو موقف سياسي يرفض التعامل مع الاحتلال ويرفض العزوف عن السياسة في ظل الاحتلال، ويؤمن بأنه يجب فعل شيء لكي يندحر. ويترتب على هذا الموقف، كما يترتب على نقيضه، مجموعة مسلكيات... وكل هذا لا يكفي لكي يعيِّن ثقافة تميز المقاومة وتتميز عن غيرها".
و في السياق ذاته يقول عزمي بشارة: "المقاومة ورفض الاحتلال الأجنبي بما فيه القيم الاجتماعية التي تسانده مثل الخنوع وقبول الوصاية والتعاون مع الاحتلال، هي شروط ضرورية لأية نهضة عربية. ولكنها ليست شروطاً كافية.
فيمكن أن تشمل المقاومة برامج غير ديمقراطية في بناء المجتمع بعد الاحتلال، وفكراً مذهبياً يفرق الأمة، ويشق وحدة الوطن، ويفرغ المواطنة من أي مضمون".

ومن باب الاستنتاج المنطقي فالمقاومة لا تملك برامج حكم، ولا برامج سياسية، هي بالتأكيد ستؤدي إلى الفراغ والتدهور، والفكر القومي لدى التطبيق قد يؤدي إلى التدهور، فما ذا يكون البديل يا ترى، الأسرلة مثلاً!
(Abouzakaria10@hotmail.com)



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
HMH.H:
حقيقة ان يحيي ابو زكريا تحت حب الدين يحاول النيل من شخصية عزمي بشارة المناضل والمفكر والمثقف والذي دافع بشراسة عن حقوق الفلسطينين في دولة الكيان الغاصب .
وعمل محاضرا في جامعة بير زيت , وكان توجهه المقاومة وان وجودهم في دولة الكيان الغاصب كسكان اصليين . وادخل مفاهيم حقيقية لعرب الداخل (48) .
انت كاذب باختصار وكل ما قلته تحريف لحقائق خطابات ومواقف عزمي , اذا كان سيد المقاومة يشيد بعزمي بشارة . اظن موقف حسن نصر الله نحو عزمي هو الفيصل .
د. سامي عطا:
كلامك سليم مئة بالمئة .. فأنا لا أثق بالشيوعيين عموما ، فهم جزء أصيل من مكونات الكيان اليهودي .. والدور الذي يقوم به الآن هو ما أفصحت عنه في مقالك القيم .. وفقك الله
يعقوب أحمد يعقوب:
الأخ الطيب يحيا أبو زكريا / في البدء أعترف بحبي وتقديري لك كمناضل وكمفكر وأنسان قرأت الكثير لك وأحببتك دون أن أعرفك
أختلف معك ببعض الأمور / عزمي بشاره وأنا أعرفه هو من أنظق قياداتنا الوطنيه في فلسطين الداخل
لك الحق أن تناقشه في طروحاته ونظرياته وأفكاره
لكن ليت النقاش يظل في إطار التفاعل والتوضيح والنصح وليس من باب التشكيك ومسح الشخصيه وتفكيكها
عزمي بشاره أسهم في صياغة الإنسان في الداخل الذي كان ولا زال معرضاً لأقسى هجمات التذويب والأسرله
عزمي ليس نبياً / بل مجتهداً قد يصيب ويخطىء
كما أنك أنت قد تصيب وتخطىء
ليس صحياً ظاهرة إغتيال الأشخاص لشخصهم
كما عنونت مقالك عزمي المفكر الأجوف / فأذا كان عزمي أجوفاً فمن أين سنأتي "بالمليانين"
بالنهايه أحبكم وأنتم تتحاورون
وأشفق عليكم حين تتخاصمون
لقلبك الكبير مودتي أيها الأخ الغالي