* في زمن العولمة والأمركة وسياسة التغريب التي تجتاح ما كان يعرف بالعالم الثالث ومنها بلداننا، نجد الغرب يحاول بكل ما أوتي من قوة فرض قيمه على شعوب الدول النامية (وهو بالمناسبة مصطلح راق استخدمه الغرب في العلن بينما نظرته لتلك الشعوب منذ نهاية القرن 18، وحتى نهاية القرن العشرين كانت نظرة دونية ظهرت من خلال تسمية تلك المجتمعات بالدول المتخلفة)، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد أمريكا بتوجيه السياسة الخارجية للعالم، بدأت أمريكا تخطط بالتحالف مع أوروبا لغزو العالم بهدف الهيمنة والسيطرة (العولمة) وجندت مؤسساتها العسكرية لتحقيق الهدف (عسكرة العولمة)، والعولمة في الزمن الأمريكي هي الوجه الآخر للاستعمار زمن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.. وإذا قارنا مساوئ كلا الزمنين سنجد أن العولمة أخطر بكثير من الاستعمار، وأن الاستعمار رغم بشاعته وقبحه إلا أن العولمة أكثر بشاعة وأكثر قبحاً.

* ولكي يصل الغرب إلى مبتغاه كان عليه أن يحدد أهدافه (أعدائه) بعد انهيار العدو اللدود له (الاتحاد السوفييتي) فلم يجد على الخارطة إلا عدوين هما: 1- الصين هذا المارد الذي يخطو خطواته مهرولاً نحو التقدم والتطور والانتشار، 2– الإسلام الذي تمثل قيمه خطراً على كل ما يؤمن به الغرب من قيم مزيفة طفحت على السطح الأوروبي بعد تهميش دور الكنيسة وإبعادها عن حلبة السياسة، وتمجيد الغرب للنزعة الفردية كأساس اجتماعي والرأسمالية كأساس اقتصادي، والديمقراطية كأساس سياسي...
واقتنع الغرب بأن عليه أن يفتتح القرن 21 بالقضاء على الهدف الثاني (الإسلام) لتحجيم وعزل الهدف الأول (الصين) فوضع خططه التي تهدف إلى تنفيذ مشروع يضمن للغرب تحقيق أهدافه (مشروع الشرق الأوسط الكبير) وكانت أولى حروبه في أفغانستان، والعراق، ومن ثم الانتقال إلى الساحة التالية (باكستان) ومن ثم (إيران) ومن يرى هذا التحرك المنظم عليه أن يتذكر حلف بغداد الاستعماري زمن الإمبراطورية البريطانية الذي كان يتكون من: (تركيا – العراق – إيران – باكستان – بريطانيا في الخليج العربي)، والذي أُنشئ عام 1955م بهدف التصدي للنفوذ السوفييتي الشيوعي ومنعه من الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط، تلك المنطقة الحيوية المتميزة بموقعها الإستراتيجي والعامرة بالخيرات والتي كانت وما زالت مطمع الإمبريالية الاستعمارية على مدى قرون طويلة.

* من ينظر إلى كلا المشروعين يجد تشابهاً كبيراً سواء في التكوين فحلف بغداد يتكون من: (تركيا – العراق – إيران – باكستان – بريطانيا في الخليج العربي) والشرق الأوسط الكبير من المفترض أن يتكون من: (تركيا - العراق – أفغانستان - باكستان – إيران – أمريكا في الخليج العربي)، ليكون هذا الحلف حائط صد للنفوذ الصيني من خلال الهيمنة والسيطرة على دول الشرق الأوسط..
تركيا رغم أنها عضو مؤثر في حلف الناتو إلا أنها ما زالت على مفترق طرق لم تحدد بعد قرارها بالموافقة على الدخول في هذا التكوين أم لا.. وربما تحسم الأمر بعد موافقة الاتحاد الأوربي على دخولها النادي الأوربي واعتبارها جزءاً لا يتجزأ منه..
أفغانستان استخدمت كقاعدة انطلاق للوصول إلى باكستان، وانقلاب برويز مشرف على حكومة نواز شريف المنتخبة، والذي أعاد الجيش إلى سدة الحكم بعد غياب زاد عن 10 سنوات (منذ موت الجنرال ضياء الحق عام 1988) كان الهدف منه هو القضاء على حكم طالبان في أفغانستان.. أي أن خطة البنتاجون الأمريكي بضرب أفغانستان كانت تهدف ليس فقط السيطرة على أفغانستان بل الهدف الأساسي هو الوصول إلى باكستان لاستكمال عقد الشرق الأوسط الكبير... وأيضاً انقلاب مشرف واحتوائه كان يهدف لضرب طالبان وتحويل أفغانستان لقاعدة قريبة من الصين وباكستان وإيران ولم يتبقَ من استكمال حلقات مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد تمركز القواعد الأمريكية في الخليج العربي، والعراق سوى إيران لتدخل في هذا التحالف إما طواعية أو كرهاً...

* عادة الإمبراطوريات تسعى لتحقيق أهدافها إما باستخدام السلاح مع الأنظمة التي ترفض مشاريعها، وترفض الانضواء تحت عباءتها كما فعلوا في أفغانستان والعراق، وإما بالانقلابات كما فعلوا في باكستان، وإما بالترغيب والترهيب كما يفعلون الآن مع إيران التي فاجأت العالم بمشروعها النووي مما دفع أمريكا والاتحاد الأوروبي إلى تغيير سياستهما معها واللجوء مرة إلى دعوتها للحوار، وأخرى تهدد باستخدام قوة السلاح....
وبقي السؤال الذي يشغل مخيلة شعوب العالم العربي.. أين موقعنا نحن من تلك المشاريع التي تحاك من أجل الهيمنة والسيطرة واستنزاف قوانا ومواردنا، والقضاء على هويتنا وانتمائنا، وثقافتنا من أجل مصالح الغرب؟ ومتى نصل ليقين ثابت بأن ضعفنا هو قوة للغرب، وانقسامنا هو أعظم فرصة لتواجدهم بيننا، وصراعاتنا الداخلية وتناحرنا واقتتالنا فيما بيننا هدية نقدمها لهم وفرصة للتدخل وفرض الوصاية على شعوب تلك المنطقة؟

* إن مشروع حلف بغداد القديم أطل برأسه علينا في ثوب جديد (الشرق الأوسط الكبير)، ومن يرجع للتاريخ يجد أن انتفاضة الشعوب ووعيها وثوراتها التحررية هي التي أفشلت قيام حلف بغداد واستمراره، ودفع ببريطانيا للخروج من المنطقة، فقد أنهكتها الخسائر التي تكبدتها في الحرب العالمية الثانية، وأنهكتها تلك الثورات المستمرة ضدها في كل الأراضي التي احتلتها، وأصبح تواجدها خارج حدودها أمراً مكلفاً لخزينتها، فقررت العودة والتقوقع داخل أراضيها ولكنها لم تنس ترك بصماتها في المنطقة على أمل العودة من جديد، ومن تلك البصمات التي تركتها لنا كشعوب مشكلة كشمير (بين الهند وباكستان) ومشكلة الجزر الثلاث (بين الإمارات وإيران) ومشكلة الحدود (بين العراق والكويت)، والأخطر هو زرع الكيان الصهيوني في فلسطين ليتم استنزاف العرب وتقسيمهم وتشتيتهم وضمان عدم توحدهم.

* أما مشروع (الشرق الأوسط الكبير) الذي أعلنت عنه كونداليزا رايس بلا أي خجل، وقالت إنه يتعرض لعملية مخاض عسير، لا زال يتمدد ويحاول الخروج من رحم هذه الأمة إلى أرض الواقع، تمتد إليه الأيادي لمساعدته على الخروج إلى النور، وللأسف إن تلك الأيادي الممدودة له هي أيادٍ عربية وإسلامية تنوعت ألوانها وأشكالها من أنظمة عربية موالية لأمريكا إما عن جهل بما يحاك لشعوبها وإما عامدة متعمدة مع سبق الإصرار والترصد، أو كتاب أقلام وصحفيين (كتاب الحبر الأسود الصهيوني) تم شراء ذممهم ليكونوا أبواقاً تروج لهذا المشروع، تراهم أجهل الناس بقراءة الخريطة، أكثرهم بعداً عن قراءة الواقع قراءة صحيحة، أو رجال أعمال انحصرت مهمتهم في فتح بلداننا كأسواق تكون مرتعاً لنفايات الغرب ومخلفاته، أو رجال دين بعمائم سوداء وبيضاء دورهم هو تغييب الشعوب وشل تفكيرها، وتخديرها باسم الدين، وشرعنه وجود ولاة الأمر وطاعتهم والانقياد خلفهم دون أي تفكير، وتكفير كل من يخالفهم وترك دفة الأمور لهم ليقودوا تلك الشعوب إلى مصيرهم المحتوم، وإذا سالت دماء الشعوب أنهاراً، وتناثرت جثثهم أشلاءً بفعل الآلة الحربية الغاشمة الصهيو – أمريكية، خرجوا علينا وألقوا بالتبعات على تلك الشعوب، لأنها انشغلت عن دينها بأمور دنياها، أو أنه ابتلاء من الله يختبر فيه صمودنا وصبرنا على هذا البلاء، لنصبر.. ونصبر.. وتملأ قلوبنا الرضا بما قسم الله لنا.. ونقنع بقضائه وقدره، تاركين الأرض والعرض والكرامة لزناة الليل تنهش فيهم ليل نهار دون أن نحرك ساكناً..

هؤلاء الدعاة للذل والخضوع فسروا كلام الله وفق أهواء أنظمتهم وسلاطينهم، وشاركوا وما زالوا في ولادة الشرق الأوسط الكبير. وأما نحن الشعوب فاكتفينا من الدنيا بعصابة سوداء على أعيننا حتى لا نرى اليد التي تقتلنا بخنجر مسموم، ولا الوجوه التي تستخف بعقولنا، وارتضينا بالموت بديلاً عن الحياة.

[wafaaesmail@hotmail.com]



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك