حاول الزميل والصديق فيصل القاسم الجمع بيني وبين عزمي بشارة في الاتجاه المعاكس، إلاّ أنه لم يفلح، ففي الوقت الذي أبديت استعدادي الفوري للتوجه إلى الدوحة لأناظر عزمي بشارة، فإن بشارة لا يرغب في مثل هذه المناظرات، وقد دعاه فيصل القاسم سابقاً فكان يرفض ويبدو أن نرجسيته ترفض أن يظهر في مثل أشهر برنامج سياسي في العالم العربي – الاتجاه المعاكس– والذي قالت عنه أشهر مؤسسة استطلاع – مؤسسة نلسون- في العالم أن مشاهدي برنامج الاتجاه المعاكس بلغ 78 مليون مشاهد..

والواقع لقد ابتليت الساحة الفلسطينية بالجفاف الفكري والعقم الفلسفي وعدم القدرة على إنتاج رؤية عملية لتحرير فلسطين، التي ما زالت محتلة إلى يومنا هذا رغم مرور أزيد من 100 سنة على بداية تهاطل المحتلين الصهاينة عليها.

وعدم القدرة على تفكيك الكيان الصهيوني ليس له تفسيرات كثيرة، والتفسيرات محصورة في عدم قدرة العقل السياسي الفلسطيني على إنتاج رؤى عملية للتحرير، صحيح أن الفلسطينيين قدموا مئات آلاف الشهداء على طريق الحرية والتحرير، لكن كانت هذه الدماء المراقة محل متاجرة وبيع وشراء من قبل النخب الفلسطينية التي أثرت من بيع الذمم وقبض عمولات وتبرعات لم تذهب لصالح القضية الفلسطينية بل ذهبت لصالح الحسابات والأرصدة الخاصة.

وعزمي بشارة الذي رفعت من شأنه بعض الصراصير والدهماء، لم يؤلف كتاباً أو كتيباً أو مقالات عن آليات تفكيك الكيان الصهيوني رغم أنّه عاش ردحاً من الزمن في بحبوحة الكنيست وشيكلاته الكثيرة، وكان قادراً على رسم خارطة طريق لتفكيك هذا الكيان الصهيوني، وبدل أن يستنفذ الجهد لبلورة مشروع تحرري من الداخل الفلسطيني، فقد وجه سهامه إلى النظام الرسمي العربي وراح يبحث عن الديموقراطية المفقودة في العالم العربي، بدل أن يبحث عن سبل تفعيل الفعل التحرري الفلسطيني..

وبهذه المنهجية حرّف العقل الفلسطيني باتجاه آخر ورسم له درباً لا يصبّ في خدمة القضية الفلسطينية.. وقد اعترف بهذه الحقيقة العديد من رموز الساحة الفلسطينية الذين التقيتهم في الخارج الفلسطيني ومنهم ماهر الطاهر مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الخارج، وأحمد جبريل الأمين العامة للجبهة الشعبية القيادة العامة، وموسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وعباس زكي سفير فلسطين في لبنان، ومنير شفيق ممثل منظمة التحرير الفلسطينية سابقاً في لبنان وعشرات القياديين الذين حاورتهم وأمدوني بأسرار كبيرة عن عفونة البيت وحاجته إلى إعادة الترتيب سواء البيت الوطني أو الإسلامي الممثل بحركة حماس وغيرها من التنظيمات الإسلامية..

وهذه العفونة السياسية والفكرية تحول دون تحقيق المراد وهو التحرير، وإذا كان الله تعالى في قرآنه قال: إن تنصروا الله ينصركم، فإنّ عدم تحقق النصر معناه أن شروطه لم تتحقق بعد، هذا في المنطق الإسلامي، أما في المنطق الوطني والتاريخي فإنّ تأخر النصر في فلسطين مرده إلى وجود أخطاء جسيمة في العقل السياسي الفلسطيني العاجز عن إنتاج النصر، وكيف ينتج هذا العقل النصر إذا كان أمثال عزمي بشارة مرجعاً فكرياً للحالة الفلسطينية...

وقد التقيت المثقف الفلسطيني ماهر الطاهر في مكتبه في دمشق، وقلت له أنت تطالب بإعادة صياغة الرؤية السياسية وهذا يدعو إلى التساؤل واقعاً، ففي الجانب "الإسرائيلي" منذ ثيودور هرتزل وإلى إيهود أولمرت ونتنياهو، الرؤية السياسية واحدة، فلماذا لم يكن للفصائل الفلسطينية رؤية واحدة، ألم يضرّ ذلك بالقضية الفلسطينية. فأجاب ماهر الطاهر حرفياً بقوله إنّ انعدام الرؤية السياسية الواحدة عطلت مشروع التحرير، وأثرت على مسار القضية الفلسطينية، بل إنّ انعدام الرؤية السياسية العربية أثرّ على القضية الفلسطينية.

اليوم ومما استخلصناه من حرب تموز 2006 أنّ هزيمة (إسرائيل) عسكرياً إمكانية حقيقية. فتصور لو وجدت رؤية سياسية وإرادة على الصمود، فحسب القاضي "الإسرائيلي" فينوغراد فإنّ بضعة مئات من المقاومين اللبنانيين صمدوا في وجه أقوى قوة عسكرية "إسرائيلية". وأتصور أن صياغة رؤية سياسية واضحة مع وجود قيادة سياسية فلسطينية راشدة ووجود دعم عربي كامل فإنّ ذلك كفيل بإحقاق النصر، وبقاء (إسرائيل) هو بسببنا بسبب انعدام الرؤية السياسية وغياب الدعم العربي الواضح. وإذا كان الدكتور ماهر الطاهر واضحاً وصريحاً بضرورة إنتاج خطاب فلسطيني جديد، فإن البعض الآخر ما زال غارقاً في المتناقضات كشأن موسى أبي مرزوق الذي قابلته في دمشق، وسألته قائلاً: يقول باحث "إسرائيلي" أنّ (إسرائيل) تصر على إنهاء حماس لأنها لا تريد قوة في داخلها الجغرافي! وكان جوابه كالتالي: الواقع أنّ كثيرين يريدون إنهاء حماس، والكثير لا يريد وجودها ضمن المشهد السياسي العربي، و(إسرائيل) لا ترغب مطلقاً في وجود حماس في الداخل الفلسطيني، لأنها تريد فرض شروطها الاستسلامية على الشعب الفلسطيني.

لكن حماس التي خدعت من قبل المصريين قبل العدوان على غزة وباعتراف موسى أبو مرزوق لي بأن مدير المخابرات المصرية عمر سليمان اتصل به قبل مغادرة تسيبي ليفني القاهرة التي أطلقت فيها قرار الحرب على غزة وقال له إن (إسرائيل) عائدة إلى التهدئة وإن ليفني كانت منفعلة فقط. وقعت في الفخ، ورغم أنها خدعت من قبل مصر فإنها تعتبرها اليوم ضرورة إستراتيجية لحماس ولفلسطين، ومصر باعتراف أبي مرزوق حاولت إنهاء حماس، وقال الرئيس حسني مبارك لا نريد حزب الله الثاني في غزة.

والأكثر من ذلك عندما عرضت الدوحة مالاً وفيراً على حركة حماس لشراء شاليط، أجاب قادة حماس بأن مصر أولى بشاليط من قطر. ألا يعدّ مثل هذا العقل السياسي مراهقاً وصغيراً وقزماً ويخلط بين الثوابت والمتغيرات بل لا يعرف ما هو ثابت وما هو متغير في الحراك السياسي.

وبالعودة إلى عزمي بشارة ذي المنطلق العلماني الصريح فهو يعترف أن حركات المقاومة الحالية هي حركات دينية مؤدلجة متنافرة مع الآخر ولا تضم في منظومتها تنوعاً فكرياً، وأفكاراً أخرى مغايرة لطرح هذه الحركات، فحزب الله ذو العقيدة الشيعية لا يوجد بين ظهرانيه من يلتزم المذهب السني أو الإباضي أو الإسماعيلي، وحركة حماس التي بدأت سلفية وانتهت إلى التيار الإخواني لا يوجد بين ظهرانيها شيعي واحد، وعندما قال الرئيس الإيراني في خطاب له في دمشق جورج بوش يزيد العصر، ويقصد يزيد بن معاوية قاتل الحسين بن علي في معركة الطف أو معركة كربلاء الشهيرة قال له رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل: لا تذمم يزيد، فيزيد بن معاوية كان أميراً للمؤمنين، وحركة حماس تأكل أموال الحسين بن علي المقتول بيد يزيد وزبانيته والتي مصدرها إيران وتقدسّ قاتل الحسين بن علي يزيد بن معاوية.. وفي ذلك يقول عزمي بشارة:

"حركات المقاومة الحالية إن كانت في دول مستقلة أو في بلاد محتلة هي حركات مؤدلجة دينياً. وهي غالباً ما تحاول عدم بحث العلاقة بين إيديولوجيتها الحالية وسلوكها السياسي في مرحلة ما بعد التحرير، فهذا كلام يفرق ولا يساعد على الوحدة طبعاً. ويجب أن نذكر أنها لا تتجنب هذا الموضوع مع جمهورها. في المقابل فإن ما ميز حركات التحرر الوطني أن الوحدة كانت تتم من خلال التنوع والاتفاق على برنامج حد أدنى لما بعد التحرير. ولذلك فهنالك مكان للتمييز بين المقاومة وحركات التحرر الوطني".

وطبعاً لا بد لهذه المقاومات المؤدلجة والتي لا تملك مشروعاً ولا رؤية سياسية ولا برنامجاً سياسياً ولا مشروع دولة كما ورد في معظم كتابات عزمي بشارة أن تحتذي به كمفكر مستنير ومتنوع، وفي ذلك يقول عزمي بشارة: "يعني الفترة اللي كنت فيها يعني أعتبر نفسي أو أسمي نفسي حتى ماركسي طبعاً ثم الفترة اللي برأيي التعرض إلى تيارات مختلفة بالأساس نتيجة للتنوع الموجود في الجامعة العبرية في القدس حيث درست أول دراستي كان من اليسار القادم من أميركا اللاتينية والقادم من أوروبا بالسبعينات.. أنا أتحدث بعد أيندي وإن كان الانكشاف بعد الخروج من البيت للفكر العربي والعروبي وإلى حد ما الإسلامي أيضاً، هذا التنوع والتوتر بين كل هذه القضايا أدى إلى تغيير كبير وسريع بشباب مبكر.. بتبني الأشياء اللي اعتقدت أنها أخلاقياً غنية في الفكر الماركسي ومن حيث المنهج وترك كل الباقي.. ترك كل الباقي تماماً والبحث عن أفكار جديدة، بدأت بالنقد الأول على الثورة السوفيتية على لينين روزا لوكسمبورغ، كارل ليب كنشت، روزا لوكسمبورغ بالأساس هما مدرسة فرانكفورت مركوز وأدورنو إلى آخره، ثم انفتاح كامل الحقيقة على فكر التنوير الأوروبي وعلى الفكر الغربي عموماً والتحول الكبير حصل عندي في برلين يعني على تنوع الفكر اليساري بعد ماركس وقبل ماركس حتى ثم الأفكار الديموقراطية والنقاشات الأساسية مع الفكر الشمولي والهزات الكبيرة مع الفكر القومي الألماني وفاشيته والنقد الفكري القومي بهذا الشكل والتعرض يعني مختبر أساسي فكر ألمانيا نتيجة أيضاً لتعاملها المستمر مع جرح الهوية.. بلد منقسمة دلوقت رجع يتوحد".

وطبعاً الإسلام عند عزمي بشارة ثانوي، وليس مكوناً مركزياً للهوية العربية، وهو يريد أن يغرس بذوراً فكرية غريبة عن التربة العربية والإسلامية، ويعتبر هذه البذور منطلقات نهضة فعلية، وبمعنى آخر هو يشبه كاتب ياسين الجزائري الذي خاطب رسول الإسلام بقوله: يا محمد احمل حقيبتك واخرج من الجزائر، وقد مات كاتب ياسين وبقي محمد حياً يرزق بحضارته وعقيدته ودينه في الجزائر. ويشبه طه حسين الذي قال: لن تتحقق نهضة في العالم العربي إلاّ إذا قلدّ العرب الغرب حذو القدّة بالقدة، وقد أعملت في مقولته التالية النظر مراراً ولم أجعل ما يشير إلى مفردة الإسلام في معرض حديثه عن مشروعه الفكري. "والمحاولة تجري ضمن مشروع فكري بدأ بكتاب "المجتمع المدني"، وهو كتاب في تاريخ الفكر السياسي، ويستمر الآن في هذا الكتاب، وما سوف يتبعه ككتاب ثالث. طبعاً بين هذا وذاك كتبت بالمنهج الحداثي التنويري نفسه كتباً أخرى من "يهودية الدولة حتى شارون" و"النهضة المعاقة" وكتباً أدبية. ولكن هذه الكتب الثلاثة بما فيها هذا الكتاب تشكل مشروعاً فكرياً يجمع بين القومية العربية والفكرة الديمقراطية (وفكرة المواطنة وهي عندي تجمع بين الديمقراطية والحقوق اللبرالية السياسية والحقوق الاجتماعية في صراع مع اللبرالية الاقتصادية) واليسار، بمعنى إرث العدالة الاجتماعية. ولمن يريد فعلاً سياسياً، أعتقد أن هذا هو التحدي. كيف تكون ديمقراطياً ضد التدخل الاستعماري وضد الديكتاتورية في الوقت ذاته، وأن تتمسك بالقومية العربية وتعرف أهميتها التاريخية والثقافية والسياسة كهوية العرب الحداثية وكجسر مع الحضارة الإسلامية، ولا تتخلى عن فكرة العدالة الاجتماعية رغم انهيار الدول الاشتراكية"؟
(Abouzakaria10@hotmail.com)



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك