الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
قضايا عربية
حجم الخط: + -
فرنسا تقتل بدم بارد مدنيين جزائريين
|
27 - 07 - 2009
يحيى أبو زكريا |
يَا فِرنسا قد مضى وقتُ العتابْ
وطويناهُ كما يُطوى الكتابْ
يَا فِرنسا.. إن ذا يوْمُ الحسابْ
فاستعِدّي.. وخُذي منّا الجوابْ
عندما قام الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين بتأميم المحروقات قاطعت فرنسا البترول الجزائري وأسمته البترول الأحمر، عندها قال بومدين لدى سؤاله عن العلاقات الجزائرية – الفرنسية: بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم، وساعتها كان عبد العزيز بوتفليقة وزيراً للخارجية وكان مقتنعاً بنظرية بومدين بشأن الطلاق الأبدي مع عدوة الأمس فرنسا.
واليوم وعندما أصبح عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للدولة الجزائرية تخلى عن نظرية جبال الجماجم وأنهار الدماء وتبنى نظرية المصالحة التاريخية مع من قتل مليونين جزائري في ظرف سبع سنوات. ألا يدل ذلك على مدى التغيرات التي عرفتها الجزائر التي ما زالت تبحث عن ذاتها ودورها، وإذا كانت المصالحة الوطنية في الداخل الجزائري ما زالت معلقة فكيف يبحث عنها بوتفليقة في باريس؟
وهنا تجري إعادة فتح ملف العلاقات الجزائرية – الفرنسية في ضوء الزيارة التي قام بها في وقت سابق بوتفليقة إلى فرنسا وفي ضوء الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الجزائر، ولكن المصالحة التي دعا إليها بوتفليقة لم تجد صدى لها في باريس حيث ما زالت هذه الأخيرة تفتح الملف تلو الملف تارة ملف الجيش الجزائري ودوره في المجازر الجزائرية وتارة ملف القبائل وحقهّم في حكم ذاتي!

لا يمكن على الإطلاق وصف العلاقات الجزائرية – الفرنسية بالطبيعية إذ منذ استقلال الجزائر في الخامس من يوليو- تموز 1962، والعلاقات بين البلدين تمر بحالة انسداد تارة وانفتاح تارة أخرى والمفارقة أنّه رغم هذا التوتر في العلاقات الثنائية فقد ظلت باريس سيدة الموقف اقتصادياً وثقافياً وأحياناً سياسياً في الجزائر. ويجمع المراقبون كما المؤرخون أن فرنسا هي وراء هذا التوتر لأنّه لا يمكن بأي حال من الأحوال نسيان الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر منذ 1830 وإلى 1962 مارست فرنسا خلالها كل أنواع المسخ والتقتيل والتعذيب وطمس الهوية وسلب خيرات الجزائر، وكل هذه الصور وغيرها لم يكن في وسع الجزائريين نسيانها، ففرنسا في نظرهم هي الدولة التي عطلّت دورهم الحضاري على مدى 132 سنة.
وبعد استقلال الجزائر ظلّت فرنسا تنظر إلى الجزائر على أنها ولاية فرنسية ولم تعترف حتى بالحرب الجزائرية - الفرنسية إذ أن ذلك أي هذا الاعتراف جرى السنة الماضية في مقر الجمعية العمومية- البرلمان في بداية سنة 2000، وبنفس هذا المنطق الاستعماري تعاملت فرنسا مع الجزائر الفتية الاستقلال، فقد واصلت احتكارها لصناعة الطاقة – الغاز والنفط- تنقيباً واستخراجاً وتوزيعاً وتسويقاً. كما كانت توفر الحماية للغتها التي كانت نافذة في الإدارة والمدرسة والجامعة. وفوق هذا وذاك كانت تفرض على الإدارة الجزائرية تكنوقراطيين جزائريين درسوا في المعاهد الفرنسية وشكلوا فيما بعد نواة ما يعرف بحزب فرنسا في الجزائر المتغلغل بقوة في الإدارة والمؤسسة العسكرية. وإذا كانت علاقة الجزائريين بفرنسا أثناء احتلال هذه الأخيرة للجزائر علاقة حرب ونضال بين قوة غاشمة ومستضعفين يسعون إلى الحرية، فإن العلاقات الجزائرية – الفرنسية منذ 1962 وإلى الآن هي أشبه بفسيفساء كثيرة الألوان والالتواءات.
فمنذ 1962 تاريخ استقلال الجزائر توالى على الحكم في الجزائر سبعة رؤساء هم على التوالي: أحمد بن بلة 1962- 1965، هواري بومدين 1965- 1979، الشاذلي بن جديد 1979- 1992، محمد بوضياف جانفي 1992 – جوان 1992، علي كافي 1992 – 1994، أليامين زروال 1994 – 1999، عبد العزيز بوتفليقة 1999- إلى يومنا هذا، وبدوره الحكم في فرنسا كان موزعاً بين اليمين واليسار، وكانت لفرنسا سياسات متنوعة تجاه الجزائر وحسب الرؤساء الذين تناوبوا على الحكم في الجزائر.
ففي عهد بن بلة حاولت فرنسا التمكين لمصالحها الاقتصادية والثقافية والسياسية، وحاول بن بلة بدوره سحب هذه الأوراق من يد فرنسا وذلك من خلال التحضير لوضع قانون للتعريب جرت مناقشته في مجلس الشعب ولكن للأسف تمكنت القوى الموالية لثقافة المستعمر من تعطيل المشروع الذي استمّر معطّلاً إلى أواخر التسعينيات. وطلب أحمد بن بلة من وزير دفاعه هواري بومدين أن يقيل من الجيش الجزائري كل الضبّاط الجزائريين الذين كانوا في الجيش الفرنسي وانضموا قبل الاستقلال وبعده بقليل إلى الجيش الجزائري، لكن هذا لم يتحقق وكانت حجة بومدين أنّه في حاجة إلى خبراتهم وأطيح بأحمد بن بلة ونعمة الطاقة ترفل فيها فرنسا دون غيرها. وعندما استلم هواري بومدين الحكم بدأت العلاقات الجزائرية – الفرنسية تدخل مرحلة الخطوط الحمراء وخصوصاً عندما أقدم هواري بومدين على تأميم قطاع المحروقات وخرجت فرنسا صفر اليدين من نعمة الطاقة الجزائرية، وساعتها لجأت فرنسا إلى مقاطعة شراء النفط الجزائري الذي كانت تسميه البترول الأحمر وحضّت حلفاءها في الغرب على عدم شراء هذا البترول الأحمر، وتصاعد الموقف الأمني بين الدولتين حيث كان محمد بوديا المناضل الجزائري السابق والمقيم في باريس يقوم مع كارلوس المشهور عالمياً بملاحقة أهداف عبرية في العواصم الغربية وعلى الأرض الفرنسية على وجه التحديد، الأمر الذي فهمت منه باريس بأنه حرب جزائرية على أرضها فقامت أجهزتها الأمنية بأشياء مماثلة على الأرض الجزائرية؛ حيث قام رجال مخابرات فرنسيون بتفجير مبنى جريدة المجاهد الأسبوعي التابعة للحزب الحاكم آنذاك حزب جبهة التحرير الوطني، وشهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تراجعاً وخصوصاً بعد توقيع عقد لبيع النفط الجزائري لشركة البازو الأمريكية ولمدة 25 سنة، وربما هذا ما دفع هواري بومدين إلى القول لدى سؤاله عن العلاقات الجزائرية – الفرنسية أنّه بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم.
وعندما وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة كانت موازين القوة في دوائر الحكم قد رجحت كلية لصالح التيار الفرانكفوني الذي عمل أول ما عمل على إعادة تصحيح العلاقة مع باريس وكانت النتيجة أن قام الشاذلي بن جديد بزيارة باريس ولأول مرة في تاريخ الجزائر المعاصرة حيث كان ينص العرف السياسي الجزائري غير المكتوب بألا يقوم الرئيس الجزائري بأي زيارة إلى فرنسا العدوة التقليدية للجزائر. وكان رضا مالك أحد كبار المسؤولين والفرانكفونيين في آن واحد، والذي اصطحبه معه عبد العزيز بوتفليقة في زيارته إلى باريس رغم أنه لا يتمتع بأي منصب سياسي رسمي، قد كتب يدعو إلى ضرورة طي صفحة الماضي وقلب الظهر للثورة الجزائرية.
وهذا التألق في العلاقات الجزائرية – الفرنسية الذي استمر على امتداد الحقبة الشاذلية سرعان ما خفت بعد إقالة الشاذلي بن جديد الذي طلب منه فرنسوا ميتيران شخصياً وعبر مكالمة هاتفية بإلغاء الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وكان له ما أراد وهذا الأمر كشف عنه مؤخراً وزير الدفاع السابق خالد نزار.
وبعد تولي محمد بوضياف الحكم كانت الجزائر قد دخلت مرحلة الفتنة الكبرى واستمر وضعها الأمني مضطرباً في عهد علي كافي وأليامين زروال، وكانت باريس عندها تراقب الموقف وتشاهد بانزعاج التسلل الأمريكي إلى ملعبها القديم، وانتقلت الفتنة الجزائرية إلى أراضيها حيث تكهنت الصحف الفرنسية بأن هذه الأعمال الأمنية هي من وحي المخابرات الجزائرية والغرض منها جرّ فرنسا إلى الحرب الدائرة في الجزائر ودعم الحكم الجزائري.
والمفارقة أنه رغم مشهد التوتر في العلاقات الجزائرية – الفرنسية فإن فرنسا حافظت على قوة نفوذها الاقتصادي والثقافي والسياسي وذلك من خلال الفئة الفرانكفونية التي قدمت لفرنسا أعظم الخدمات ولعلها الفئة التي أشار إليها الجنرال شارل ديغول بقوله وهو يغادر الجزائر أثناء استقلال الجزائر أنه ترك في الجزائر بذوراً ستينع بعد حين، وفي موضع آخر قال: سأعمل على أن تنتهي الجزائر بالضربة القاضية بعد ثلاثين سنة، وبالفعل بعد ثلاثين سنة من عام 1962 دخلت الجزائر مرحلة السقوط بالضربة القاضية.
وبوصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدّة صناعة القرار السياسي كانت الجزائر قد دخلت مرحلة جديدة يحاول بوتفليقة من خلالها الانفتاح على عواصم القرار في الغرب لمساعدته في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي والأمني.
وقد لجأ بوتفليقة إلى خطة ذكية لتدشين التقارب الفرنسي – الجزائري، فهو ألمح إلى أن الجزائر قد تخرج من تحت العباءة الفرنسية، بتكثيف الزيارات الرسمية للمسؤولين الأمريكيين إلى الجزائر وإجراء مناورات عسكرية بين القوات الجزائرية والأمريكية، الأمر الذي أقلق باريس وجعلها تعيد حساباتها في علاقاتها مع الجزائر صيانة لمصالحها الإستراتيجية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
وفرنسا التي صفعت وقصفت وأهينت في الجزائر مدعوة اليوم أو غداً إلى تقديم اعتذار رسمي للجزائر قيادة وشعباً، ولن يرتاح الشهداء في الجزائر إلا إذا وصل هذا الاعتذار الفرنسي ممهوراً بتعويض قدره مليارات الدولارات وذلك مقابل اغتصابها وسرقتها لخيرات الشعب الجزائري وقتلها الملايين من الجزائريين، وأنا شخصياً لن يغمض لي جفن حتى ينطلق هذا الاعتذار من عاصمة النور والدم، المساواة والقمع، الأخوة والإبادة باريس...
من شعر شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا:
فاشهدوا...
نحن جُندُ في سبيلِ الحقّ ثُرنَا
وإلى استقلالِنا بالحرْب قُمنا
لمْ يكن يصغى لنا لمّا نطقنا
فاتّخذنا رنّةَ البارُودِ وزْنا
وعزفنا نغمةَ الرشّاشِ لحنَا
وعقدنا العزمَ أن تحيا الجزائرْ
فاشهدوا...
يَا فِرنسا قد مضى وقتُ العتابْ
وطويناهُ كما يُطوى الكتابْ
يَا فِرنسا.. إن ذا يوْمُ الحسابْ
فاستعِدّي.. وخُذي منّا الجوابْ
إنّ في ثورتِنا فصلَ الخطابْ
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائرْ
فاشهدوا...
نحنُ مِن أبطَالِنا ندفعُ جُندا
وعلى أشلائِنا نصنعُ مجدا
وعلى أرواحِنا نصعَدُ خُلدا
وعلى هاماتِنا نرفعُ بَندا
جبهةَ التحريرِ أعطيناك عهدا
وعقدنا العَزم أن تحيا الجزائرْ
فاشهدوا...
صرخةُ الأوطانِ من ساحِ الفِدا
فاسمعُوها واستجيبُوا للنِّدا
واكتبُوها بِدماءِ الشّهداءْ
واقرأُوها لِبَنِي الجِيلِ غدا
قدْ مَدَدْنَا لكَ يا مجدُ يَدا
وعقدنَا العزمَ أن تحيا الجزائرْ
فاشهدوا...
abouzakaria10@hotmail.com