أيام بل ساعات... سيستقبل الأسرى وأهالي الأسرى شهر رمضان المبارك ولكن على غير حال المسلمين الآخرين الذين سيستقبلونه بالبهجة والفرح والجو الاجتماعي والروحاني الرمضاني المميز عن كل عام، ويستعدون للاحتفالات وتنوع الأطعمة والأشربة وزيارة الأرحام والسهرات وقيام الليل والأدعية والأمسيات.
وأما الأسرى وأهالي الأسرى فسيستقبلون رمضان بالدموع والآلام وحسرة الفراق وكل أشكال الحرمان من كل متاع الحياة الدنيا، وحتى من متعة الشعور بالجو الرمضاني الروحاني وبالعبادات. في شهر رمضان المبارك يتجدد الألم ولهيب شوق الأسير لمحبيه وعاشقيه ولأمه وزوجته وأطفاله وعائلته والمقربين.

بعد أيام بل ساعات... في رمضان يتجدد شوق الأعزة والقلق على أسيرهم في السجون، ويتضاعف حجم التساؤل عليه، كيف يقضي يومه؟ هل هناك سحور؟ هل هناك فطور؟ هل هناك جو روحاني؟ كيف يقضى وقته؟ من يطبخ لهم؟ من يزورهم؟ من يواسيه ليتحمل عبء الفراق؟ عبء الوحدة والغربة والآلام؟

في رمضان تذرف الدموع مرات، مرة عند قرب رمضان، وثانية عند أول آذان فجر فيه وثالثة على سُفرة فطور عائلة الأسير، ورابعة عند زيارات الرحم التي تفتقر للأسير وسط جمعة الأهل والمحبين مستذكرين القريب البعيد والغائب الذي لا يغيب، وخامسة وسادسة وعاشرة وعشرين عند كل ذكر اسم له أو سؤال عنه في هذا الشهر الفضيل.

وهناك في الأسر الوحشة والغربة والحنين، فهذا الأسير له في السجن ثلاثين رمضانَ قضاها في خمسة عشر سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف أو تحقيق، والثاني له ربع قرن أو يزيد لم يجلس على سفرة واحدة مع أمه وزوجته وأطفاله وأهله ومحبيه، والثالث له عشرون رمضانَ لم يصلِ خلالها ركعةً واحدةً في مسجد مع جماعة تزيد عن عدد الغرفة أو الزنزانة الموحشة الحقيرة بين الجدران والسجان، والرابع له خمسة عشر رمضانَ كان آخرها رحمة أمه التي انتظرته وصبرت على زياراته وتمنت العيش ولو للحظة واحدة بصحبته ولكن خطفها الموت في هذا الشهر قبل أعوام قلائل من قرب الإفراج عنه. وآخر من أمضى عشر رمضانات لم يذق فيهن ولو لمرة واحدة مما اشتهت نفسه وتاقت من طهي أمه وقهوتها والمعجنات حلوها ومرها، ومنهم من له خمس رمضانات لم يدخل خلالها بيت أخته وجدته متواصلاً معهم كما الآخرين في زيارة الأرحام. ومنهم من له رمضان الأول وما أقساه من رمضان حين يمر عليه شريط الذكريات القريب بكل جماله وحلاوته ومتاعه.

في رمضان أتذكر أيام سجني ومحاولات إيجاد السعادة ورسم الفرحة بأقل الإمكانيات بيننا، أتذكر كيف كنا نستعلي على جراحنا وكيف كنا نحاول إظهار السعادة على محيانا ونخفي آلامنا وحزننا شموخاً أمام السجان. أتذكر كيف كنا نضع الخطط في محاولة لتغطية عجز الطعام الذي كان يطهوه لنا الجنائي لتكفي حاجاتنا من الطعام والشراب ومواد التنظيف وحاجات السجناء من مخصصات وزارة الأسرى والتنظيمات، وكيف كنا نجمع من بعضنا ما ينقص لسد عجزنا. أتذكر حبات الفواكه التي كنا نستلمها في بعض الأحايين وإيثار الأسرى بعضهم لبعض بود ومحبة ووفاء، أتذكر كيف كنا نحاول ولو جزئياً إيجاد جو روحاني لنحول الغرفة إلى مسجد لقراءة القرآن وصلاة التراويح. أتذكر سُفرة الطعام القليلة بكمها ونوعها والكبيرة بلقائها والإيثار بها وقيمتها النفسية والمعنوية.
أتذكر كل هذا وزيادةً عليه دعاء الأسرى في رمضان: "اللهم تقبل صيامنا وصلاتنا وجهادنا، اللهم فرج كربنا واجمع شملنا وردنا إلى أهلينا سالمين غانمين. آمين يا رب العالمين".

مدير مركز الأسرى للدراسات: rafathamdona@yahoo.com
مركز الأسرى للدراسات: info.alasra.ps@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك