الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مواقف سياسية
حجم الخط: + -
يا فجر بيروت عجل قليلاً!
|
18 - 09 - 2009
د. صلاح عودة الله |
إنها ليست كغيرها.. إنها ذكرى تضرب في أعماقنا كل سنة، بل كل شهر وكل يوم وكل لحظة.. إنها ذكرى لا تغيب عن أنظارنا.. إنها مجزرة العصر.. إنها أبكت الشجر والحجر، لكنها عجزت أن تبكي الكثير من البشر فهم ليسوا بشراً.. إنها مجزرة صبرا وشاتيلا..
"لا ننسى.. ويدلنا الحنين لهم.. ويذيعُ بهم الفخر فخراً.. هم ألف اسم في الشهادة.. خالد ونور.. وأحمد.. وجفرا.. هم ألف اسم للسيادة.. محمود وإبراهيم وسرور وخضرا.. صبرا شاتيلا.. شاتيلا صبرا.. ما أصعب الموت غدراً.. لا ننسى.. من ينسى"؟
في مثل هذه الأيام ولكن قبل سبعة وعشرين عاماً حوصرت بيروت ودخلها الجيش الصهيوني، وفي يوم من أيام هذا الحصار قال شاعرنا العربي الفلسطيني الراحل محمود درويش: يا فجرَ بيروتَ الطويلا.. عجّل قليلا.. عجّل لأعرف جيداً: إن كنتُ حياً أم قتيلا..!
إنها صورة رائعة تنقلنا إلى جريح ما بين الحياة والموت، ملقى في شارع أو زقاق من أزقة بيروت، لديه أمل بأن يساعده نور الفجر على رؤية جراحه، ورؤية المسافة ما بينه وبين الموت.. غير أن هذه الصورة الشاعرية الرائعة ما هي إلا الصورة الواقعية لما جرى على أرض صبرا وشاتيلا خلال الأيام الثلاثة الدامية من أيلول قبل سبعة وعشرين عاماً، بل لكل ما جرى بعدها من عذابات حتى أيامنا هذه. هناك ما زالت المسافة بين الموت والحياة غير مرئية.. هناك ما زال تحت التراب كثير من الضحايا الذين لم يثبت موتهم بعد، وهم الذين يقال لهم "مفقودون"، ونحن نراهم كما نرى الآخرين الذين ثبت موتهم، في صور على الحيطان، ونعرف عنهم من أحاديث أهاليهم.. هؤلاء وهؤلاء هم "الضحايا الأحياء".

وما زال على أرض صبرا وشاتيلا "الأرض المقدسة" أهالي الضحايا يتسقطون أخباراً عن مخطوفيهم ومفقوديهم، ولا ييأسون من رحمة الله، وبين الحين والحين يجدّون لمعرفة المزيد من أخبار ضحاياهم، فمن قال إن ضحايا المجازر كغيرهم من الضحايا؟ كضحايا الزلازل أو البراكين أو الأعاصير؟ فضحايا كوارث الطبيعة لا تنكرهم دولهم، ولا المؤسسات الدولية، ولا ينكرهم أحد.. أما ضحايا المجازر، فهم الذين يُطالَب (بفتح اللام) أهاليهم بتقديم هوياتهم، وتقديم إثباتات موتهم، وإلا.. فأسماؤهم لا تسجل في لوائح الضحايا.. هؤلاء الأهالي المعذبون هم "الأحياء الضحايا".
صبرا وشاتيلا ليست مجرد مكان، ولا مجرد مجزرة على لائحة المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، أو الشعب اللبناني، أو أي شعب عربي مقاوم.. صبرا وشاتيلا مجموعات من البشر كان من حقهم أن يستمروا في حياتهم، حتى لو كانت حياة فقر وتشرد، وما كان من حق أحد أن يسلبهم حياتهم، أو أمنهم، أو كرامتهم، أو لقمة عيشهم، في أية صورة من الصور، فما بالنا حين تكون تلك الصور على أشد ما يكون عليه العدوان همجية.
صبرا وشاتيلا.. حكاية شعب كل ما أراده هو الحياة وكل ما حصل عليه هو الموت، ولكنه وبالرغم من كل ما مر به ما زال واقفاً بعنفوان يتحدى وينتصر.. بعدما غابت الحقيقة خلف الأفق كالشمس ولكن بلا عودة، وبعدما كان كل مخيم وكل ساحة ملعباً لتركيع وسفك دماء الشعب الفلسطيني أصبح من العار التخفي في تقاليد الجبن والرجعية.. فها هي المجزرة تدخل عامها الثامن والعشرين بلا اسم..بلا عنوان.. بلا قضية.. محت أمواج الصمت الألوان ومات صدى الدماء في جوف الأرض.
مجزرة صبرا وشاتيلا هي واحدة من أبشع مجازر القرن العشرين، وهي واحدة من صور الإجرام التي لم ولن تنسى ولم يستطع غبار الزمن إخفاءها، كما لم يستطع التاريخ طمس معالمها، فهي باقية لم تغب وحية لن تمت على الإطلاق، رغم محاولات قتل ذكراها، ماثلة أمامنا، محفورة في أذهاننا وعقولنا، رغم محاولات مسح آثارها، شاهدة على أبشع صور الإجرام والقتل والعنجهية.
صبرا وشاتيلا عكست حقيقة سفاحي ومجرمي المجزرة الذين بقروا بطون النساء بالسكاكين، وذبحوا الأطفال الرضع، وقتلوا الأجنة في البطون، وأعدموا الشبان والرجال في الشوارع، وغدت تلك المجزرة معلماً من معالم معاناة الفلسطينيّين التي لم تتوقف بعد.. يروي أحد المصورين الذين سجلوا وقائع الجريمة بالعدسة أنه خاف من فظاعة ما رآه وأحس بخسارة إنسانيته على حساب مهنته، وقال: "للوهلة الأولى شعرت أني أصبحت عدسة فقط ولم أعد إنساناً، لأن الإنسان لا يستطيع تحمل هذه المشاهد المرعبة".
في الذكرى السابعة والعشرين لمجزرة صبرا وشاتيلا نقول إن مرتكبي المجزرة معروفون للقاصي والداني، وعلى جميع المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والعربية والدولية تحريك الدعاوى ضد مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا وتقديهم للعدالة، لأن جريمتهم لا تسقط بالتقادم، فهي جريمة حرب بامتياز.
إن الحركة الصهيونية ما زالت تنتج كل عام، بل كل شهر، كتباً جديدة، وأفلاماً جديدة، وروايات جديدة، عن"الهولوكوست"، هذا بالإضافة إلى تشييد المتاحف، وإقامة أجنحة خاصة بأرشيف الهولوكوست في الجامعات الكبرى. وكل هذا، والصهيونية ما زالت تعتبر نفسها في موقع الضحية، متجاهلة أحياناً، ومتباهية في أحيان أخرى، بأنها أصبحت هي الجلاد..! ومن مهازل العصر ادعاء هذا الجلاد بأنه لا يفعل شيئاً سوى الدفاع عن نفسه.
إنهم لا ينسون.. فلماذا ننسى؟.. إنهم يفعلون.. فلماذا لا نفعل؟..إنهم حولوا أنفسهم من جلادين إلى ضحية.. فلماذا نصمت؟.. ومتى ندافع عن ضحايانا؟ متى ندافع عن وجودنا؟ ومتى ندافع عن مستقبلنا؟
تحية إجلال وإكبار للضحايا الأحياء والأحياء الضحايا.. وإننا حتما لمنتصرون.
القدس المحتلة: sodallah1958@gmail.com