الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
شخصيات وطنية
حجم الخط: + -
الحاج خليل كساب واختياره درب الآلام والأرض والفقراء
|
26 - 11 - 2009
د. عمر محاميد |
الحاج خليل كساب بن عبد القادر بن كيوان المحاميدي القرشي نجل مختار أم الفحم العثمانية الثائر على سلطة والده المختار ولماذا اختيار درب الآلام والأرض والفقراء؟
* تنازل عن أملاكه بثمن رمزي ليعين الناس على السكن والعيش الكريم ليقترب من الله وتعليم رسوله الكريم.
* كيف كان يخرج من الناس الفقراء ويحثهم على الثورة والتمسك بالأرض وطرد الغزاة الإنجليز.
* الحاج خليل كساب المحاميدي يفضح سلطه الانتداب البريطاني ويموت حزناً على فلسطين.
* كيف جر الضباط الإنجليز الحاج خليل إلى قمة تل المتسلم وأشبعوه ضرباً وأخذوا له صورة عنوه لإصدار هوية إنجليزية.
* كيف تحولت مدرسة الحاج خليل وخطب الجمعة إلى مدرسة الثورة الفلسطينية.
قلائل هم عظماء التاريخ الذين يضحون بأملاكهم وسلطتهم ويذهبون بعيداً في عمق الأرض والالتصاق بالأرض يديرون ظهورهم لمتاع الدنيا ومفاسدها وسلطتها ويختارون درب الآلام المليئة بالأشواك والصخور ليعيشوا الحياة الحقيقية للفقراء ولأبناء الشعب البسيط.
هكذا هو أبو محمد الحاج خليل بن كساب بن عبد القادر بن كيوان المحاميدي القرشي الذي تنازل عن أملاكه وقدم جبلاً كاملاً من أرضه في عين الزيتونة البيار مقابل ثمن رمزي يعينه على حزم حقائبه فوق حصانه أو جماله ويسير في رحلة نصف السنة إلى بيت الله الحرام إلى مكة المكرمة ليطهر نفسه من متاع الدنيا ومن رجس السلطة وأهوال الاستبداد بالقرب من بر الرسول الكريم. حجيج استمر نصف عام ليعود من بعدها إلى قريته اللجون وبدل مقاسمة أخيه السلطة بعد أن ورثها عن أبيهم كساب كيوان المحاميدي، عاد ليفتح الكتاب، ويجعل المسجد ديوان "مخترته" وزعامته وتقواه ودعوة الناس للعبادة ومقاومة الإنكليز ودعوة أخيه حكم الناس بالعدل والإنصاف، في ظل حكم إنكليزي احتلالي بدأ بتنفيذ أكبر مؤامرة ضد شعبه الشعب الفلسطيني وأمته الأمة العربية والإسلامية.
تحولت خطب الجمعة للحاج خليل كساب إلى محاضرات في التوجيه الوطني للعودة إلى الأرض، وفضح مؤامرة سماسرة الأرض العرب الذي تحولوا إلى وكلاء لدى عملاء "الكيرن كايمت" والحركة الصهيونية؟
كان الحاج خليل في خطبه ينزف دماً ويذرف الدمع وهو يشاهد وينظر بعقل ثاقب إلى المستقبل الأسود الذي يحوكه الاستعمار لشعبه ووطنه بالتعاون مع إقطاعيين، ومرتشين وشيوخ طريقة ممن باعوا دينهم، وتنابلة السلطان العثماني ولاحقاً عملاء سلطات المندوب السامي الإنكليزي في المدن والقرى الفلسطينية الذين تحولوا إلى جنود في جيش غلوب باشا والإقطاعيين العرب الذين كانت قبلة من شفاه زانية تأخذهم إلى أبواب جهنم بكل صفاقة ووقاحة وعهر حيث بيوت الدعارة في حيفا ويافا تنتظر طلبات الزبائن القادمين من دمشق وبيروت، والقرى المجاورة في عملية خداع تاريخي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها لبيع الأرض الفلسطينية، وطواحين نويصر وعين الحجة، وعلية سعادة لليهود والحركة الصهيونية.
هكذا قام الحاج خليل ونفض عن ظهره هذا الحمل الثقيل وعبء سلطة ليست له ولا لدينه ولا لشعبه بل سلطة تصب في النهاية في يد الباب العالي أو المندوب السامي الانكليزي. هكذا فعل الكاتب العظيم تولستوي صاحب "الحرب والسلام" و"البعث" و"آنا كارينينا"، فقد قام ذات يوم وقرر التخلي عن إقطاعيات والده وإلقاء هذا الإرث الإقطاعي في الرياح وتوزيعه على فقراء الروس من الفلاحين والأقنان، بعد أن أعتقهم وحررهم من قبضة عائلته ونبلاء آل تولستوي السادة وأعانهم على التحدي لرهبة واستبداد أقاربه النبلاء أصحاب الإقطاعيات ومساحات من سهول روسيا ليس لها أول من أخر، ويقوم الكاتب العبقري تولستوي بفتح مدرسة لأولاد الفقراء ويعلمهم قصائد الحرية وتعاليم من الدين الإسلامي الداعي للحرية ومقاومة الظلم.
هذا ما فعله أبو محمد الحاج خليل بن كساب بن عبد القادر بن كيوان المحاميدي. كانت السلطة العثمانية تعين المخاتير من الحمائل والعشائر التي تعيش وتسكن في ولايات الإمبراطورية المترامية الأطراف، وكان لواء اللجون يمتد من حيفا حتى جنين وكانت أم الفحم قرية ترتفع فوق جبل النار مشهورة ببأس رجالها وشهامة رجالها ترزح تحت حكم الباب العالي وسلطته الرهيبة من الجندرمة والمتسلمين الذين حولوا فلسطين إلى بقرة حلوب تغذي جنود العثمانيين الغزاة، الذين تحول كل مهمتهم إلى تتريك العرب وتحويل لغتهم العربية إلى مادة منسية وتحويل السكان والرجال منهم إلى لقمة مدافع الجيش العثماني في حروبها في سفر برلك بحجة نصرة "دار الإسلام" والخلافة الإسلامية العثمانية، وتحولت غلال وحبوب القمح في مرج ابن عامر إلى مخزون من مخزونان الولاية العثمانية المهملة فلسطين لإطعام أبناء الباب العالي في إسطنبول وسلاطينها وزوجاتهم المكدسات في قصور الحريم تطل على الدانوب وضفافه الجميلة حيث امتزجت سهرات السلاطين بالدعارة والفسق والتآمر ما بين الرجل المريض وبين الدول العظمى الأوروبية لتقسيم الولايات العربية والباب العالي يضع كل مقدرات "دار الإسلام" في غرف قصور الحريم.
كان تولستوي ينتفض على قياصرة روسيا الطامعين بأملاك الشعب الروسي، وأملاك الدولة العثمانية المترنحة المتهاوية، التي تتوزعها الرياح بين مستعمر خارجي ومتآمر من الداخل مع الإنكليز والحركة الصهيونية التي رفعت برأسها لسرقة فلسطين وأراضي الحاج خليل وأبناء شعبه وتشريده في أصقاع العالم.
وتحولت مهمة الحاج خليل "جدي" إلى مهمة مستحيلة صعبة بفعل الأمية وصعوبة فك الحرف، وتحولت عملية مقاومة الأمية إلى معجزة وعبادة، في بلاد يحملون لغة القران الكريم وأصبحت العربية لغة القرآن والأحاديث النبوية من الاحتقار والمهانة بحيث كان على الحاج خليل أن يقاوم أقرب المقربين له من أبناء عشيرته الأميين الذين سخروا واستهزؤوا من هذه المهمة التي أخذها على عاتقه في مجتمع إقطاعي وحشي يؤمن بلغة القوة والجشع والتخلف والابتعاد عن تعاليم الله وكتابه ودين الرسول الحنيف.
لقد وصلت الأمية حداً صرخ في وجهي الشيخ علي الطه طميش محاجنة قائلاً: "يا عمي يا عمر، الناس كانت جاهلة ما بتفك الحرف لا بعرفوا التعبد ولا العبادة". كان بضعة رجال يعرفون الكتابة والقراءة في اللجون من بينهم كما قال لي الشيخ علي الطه "سيدك الله يرحمه وواحد المختار وبعض التجار لحاجة عملهم".
كان خليل الكساب الطفل الذي ترعرع في بيت والده المختار في أم الفحم كساب بن عبد القادر المحاميدي، حيث يمتلأ ديوانه كل صباح بسكان القرية زواره من مختلف طبقات الشعب من سكان أم الفحم والقرى المجاورة ومن زعامة القرية يأتون إلى ديوان المختار للنظر في أمور الناس وشكواهم ومعالجتها، وكان الطفل الصغير خليل الذي مال للعبادة والتعبد منذ صغره، ينظر إلى هذا الخلق والعباد بكل ألم وحسرة يراقب ويتأمل كيف يعالج والده المختار مشاكل الناس وهمومهم، يأتي علية القوم من ملاكي الأراضي والفقراء كل لحل مشكلته، منهم من يأتي ليدفع ضريبة الويركو وضريبة العشر. ومنهم من يأتي إلى ديوان كساب العبد القادر ليدفع عنه جنود وضباط الباب العالي الذين كانوا يقتحمون بيوت الناس لجرجرة أولادهم إلى جبهات القتال لجيش الباب العالي، ومنهم من كان يأتي طلباً للخبز والطعام لأولاده خاصة في أيام المحل حين تخوي خزائن الفلاحين من القمح بعد أن يستولي جنود السلطان على غلال القمح ومخزون السنة لهؤلاء البؤساء.
فكان هذا الطفل يختبئ من بكاء الرجال وحزنهم وذلهم وهم يطلبون من أبيه شيئاً يسد رمقهم.
كان الطفل خليل ينظر إلى عيون هؤلاء الرجال المليئة بالدموع والقهر فيذهب ويختبئ في زاوية من زوايا البيت وراء أشجار الصبار ويأخذ المصحف ويقرأ ليكفر عن ذنبه وكأنه هو المذنب بحق هؤلاء الفقراء، فالسلطة في يد والده المختار، لكن المختار لا حول له ولا قوة فالباب العالي لن يسمح لهذا المختار أو ذاك الزعيم بمسامحة، بالعفو عن السكان وعدم تقديم ما عليهم من ضرائب فقسوة الجنود الأتراك لن ترحم لا المختار ولا المختارية وقد ينتقمون من الديوان ومن سلطة المختار بفرض ضريبة أقسى وأشد وفارض لواء اللجون من أغنى الألوية ومرج ابن عامر "أبو اليتامى" معروف لكل موظف ومحتسب في الباب العالي والتهرب من دفع المستحقات قد يورط المختار والمختارية وكل القرية لأشد العقاب، والدولة العثمانية مليئة وخزينتها خاوية والحروب وحروب التحرير في البلقان واليونان والولايات العربية تتمايل وتتضامن وتشهر سيف طموحها للتحرر في حركة سريعة نحو الحرية من هذا "الرجل المريض" المليئة قصوره بالحريم والراقصات وعيدان الطرب على ضفاف البوسفور.
لم يترك لنا الجيش "الإسرائيلي" الذي دمر قرية الحاج خليل لا خطب الجمعة التي كان يكتبها الحاج خليل ولا دفاتر الحاج ودروس العربية والدين والحساب، التي كان يقدمها لتلاميذه الطلاب من قرية اللجون، ولم يترك لنا مذكرات الحاج لنعرف هل كان على معرفة بقصص وروايات تولستوي المترجمة للعربية في مجلة النفائس. هذه المجلة التي كان يصدرها ابن الصايغ من الناصرة خليل بيدس الذي درس في المدرسة الروسية وتحول كل مشروع حياته ترجمة ونقل أدب الروس إلى العربية ترجم تولستوي، وتشيخوف، ودوستويفسكي. وغوركي. كما أصدر العديد من كتب تدريس الصغار، وحتماً فإن الحاج خليل كان على معرفة بهذه الكتب لمساعدته في إثراء معارف تلاميذه وأطفاله، وكثيراً ما كان يسافر إلى المدينة لقضاء حاجاته من الشراء والمعاملات.
كانت فلسفة تولستوي الأرستقراطي الروسي ابن النبلاء الروس و"المخاتير" الروس يتم ترجمتها إلى العربية لتحض الناس في فلسطين على معرفة ما يدور من مظالم ومفاسد السلطة في روسيا وقياصرة روسيا الذين استعبدوا الناس وجعلوهم أقناناً في إقطاعياتهم. وأصبحت تعاليم تولستوي في تحرير الفلاحين وتعليمهم أساليب النضال من أجل حريتهم كدروس الشيخ محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني، والحاج خليل المحاميدي. وأصبحت مجلة "الإخاء" في القاهرة التي يصدرها ابن الناصرة سليم قبعين في أوائل القرن العشرين مصدراً لمعرفة أحاديث النبي الكريم من خلال ما ترجمه تولستوي للروسية وأعاد ترجمتها لأصولها العربية سليم قبعين لتكون مدرسة لأبناء المسلمين في منهج جديد لتناول الفكر الإسلامي المعادي لطبقة الإقطاع مستعبدي الناس البسطاء الأمر الذي أصدره سليم قبعين عام 1915 في القاهرة تحت اسم "حكم النبي محمد للفيلسوف تولستوي عن الإسلام" وكتاب آخر "أحاديث مأثورة لمحمد".
وأصبحت هذه التعاليم مصدراً لفكر الزهد والقناعة التي تبناها فيلسوف اللجون الحاج خليل المحمودي عندنا وبشكل منهجي اختار هذه الأحاديث كنبراس لفكره وسلوكه ومنها:
"اِرضَ بما قسمه الله تكن أغنى الأغنياء"، "لا تميتوا قلوبكم بكثرة الطعام والشراب"، "اللهم أحيني مسكيناً وتوفني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين". أو مقولة: "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم".
لقد اقتنع الحاج خليل بما كتبه تولستوي في أواخر القرن التاسع عشر وروسيا آنذاك تشهد أكبر تحول ثوري في تاريخها، هذه الثورة التي ستصبح محركاً لكل تاريخ القرن العشرين منذ انتصار دولة العمال والفلاحين في روسيا. فيكتب تولستوي: "إنها ليست حياة، بل شبيهة بالحياة، وإن ظروف الوفرة التي نعيش فيها تفقدنا كل إمكانيات فهم الحياة، فمن أجل أن نعي الحياة يجب أن نعيش لا حياة الخاصة عجائب الدنيا، بل حياة الشعب البسيط الكادح، وذلك الذي يصنع الحياة، وذلك يجعل لها مغزى".
وكان شعاع ثورة وأفكار تولستوي قد وصلت إلى الحاج خليل فعند عودته من الحج، أقام في بناية المسجد الذي بناه مدرسة يعلم أولاد الفقراء الدين والعبادة وفك الحروف العربية حروف القران الكريم. وهكذا بدأ بفتح صفحة الكتاب أمام تلاميذه وأصبح المسجد قاعة للمحاضرات الفكرية وتعليم الشريعة الإسلامية والدين الإسلامي وأصبح كتاب القراءة والكتابة العربية لا يفارق الحاج خليل. وتقام الحفلات الدينية للطلبة الذين يحفظون القرآن وينهون حفظ الأحاديث النبوية ومعها أحاديث ثورة النبي العربي القرشي محمد عليه الصلاة والسلام التي اختارها تولستوي لتلاميذه في مقاطعته ياسنا بوليانا.
لقد حول الحاج خليل فضاء اللجون وسماء اللجون وعيون اللجون في خطبه يوم يتجمع المسلمون لصلاة الجمعة، إلى مادة للإشعاع الفكري، وتناول الاحتلال الإنكليزي لبلده، وإلى خطاب ثورة على هذا الاحتلال الغاشم، لكن حزنه كان شديداً وهو يشاهد مشهداً سرمدياً من بيع الأرض والعرض على أيدي العملاء العرب الفلسطينيين الذين اختاروا درب الجاه والسلطة ومنهم من أقاربه الذين مارسوا ضده أشد ظلم ذوي القربى من السخرية والتنكيل وصور الاضطهاد لخروجه عن المألوف وتمرده على علية القوم وسلطان الباب العالي وجنوده. بل تحول بعضهم إلى جنود مرتزقة في شرطة الإنكليز وانتدابه. هذا ناهيك عن بعض سماسرة الأرض الذين باعوا كل ما يملكون لقاء قبلة من تاجرات الهوى في حيفا ممن عملن في سلك المخابرات الصهيونية ليتحول هؤلاء وبعض ظهور الأحزاب الصهيونية في القرى الفلسطينية المحتلة إلى مقاولي أصوات وموظفين كبار في خدمة الدولة وصناديقها في القرى العربية مثل صندوق المرضى ومصلحة البريد ومكتب العمل، ومكاتب تشغيل المعلمين حيث أصبحت مهمة وكلاء الأحزاب الصهيونية من العرب تجنيد الناس لخدمة العلم الجيد بل بعض قبائل العرب تجندت فعلياً في جيش الاحتلال لتحارب في ساحات حروب (إسرائيل) الوحشية ضد أبناء شعبهم!
dr_mahameed@hotmail.com