الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
جيل التحرير - مقالات
حجم الخط: + -
أطفال فرنسا... تربية وتوعية
|
30 - 11 - 2009
مخلص الخطيب |
[هذه المقالة ستبحث كيفية الاهتمام بتربية وتوعية أطفال فرنسا من الولادة حتى المراهقة.
عسى يُستفاد من مزاياها وتُستبعَد مساوؤها بتربية وتوعية أطفالنا، وفق معاييرنا وتوافقاً مع مشاكلنا واحتياجاتنا المجتمعية والوطنية والقومية، كوننا بِأمَسّ الحاجة لتربية وتوعية تساعدان على فهم قضايانا المعقدة وعلى كيفية الدفاع عنها وإيجاد حل أو حلول، لما هو مستعص منها، وربما يكون - كبارنا وحكامنا - أكثر حاجة لهكذا تربية وتوعية].
ليُرَكّز بإيجاز وموضوعية نسبيّة على أطفال فرنسا:
* أطفالُ فرنسا يلدون، حصراً في المشافي الخاصّة أو المُستشفيات العامّة، وقسراً من قبل أطباء أخصائيين بالتوليد، بمساعدة مولدات وممرضات. يُعالَجون من قبل أطباء وأخصّائيّين ولا يجترعون أدوية إلاّ بوصفة طبيب.
[لا توليد في البيوت، إلا بحالات خطرة ومستعجلة نادرة، وليس على أيدي مُولّدات مُجرّبات بلا دراسة... لا شراء لدواء من صيدلية، سوى بما هو مستعجل كالأسبرو، أو شراب السعال مثلاً].
* أطفالُهُم كأطفالنا يرضعون حليب أمّهاتهم ولكن لمُدّة قليلة نسبيّاً، أو لا يرضعونه أبداً، بل يأخذون الحليب الطبي الصناعي الذي لا يَقلّ تغذية عن حليب الأم.
[فالمرأة الفرنسيّة حريصة على حسن قوامها وجمال منظر ثدييها، لنفسها ولزوجها ولأهلها ولمجتمعها].
* التّغطية الصّحيّة المادية كاملة للمَوْلودين الجدد وأمهاتهم كذلك المعونة المادية الشهرية، من فترة ما قبل الولادة بشهرين وحتى السنة الثالثة للمولود الأول، ولغاية السنة الـ18 للمولود الثاني... حتى مَوْلودو أبناء العاطلين الذين لا يساهمون بالضمان الصحي، يستفيدون من هذه المساعدات.
[لا مبرر للجري وراء من يساعد أهل المولود غير الميسورين].
* أطفالُهُم كأطفالنا ينعمون بحبّ ورعاية والديْهم وإخوتهم وأخواتهم وأقربائهم، ويترعرعون في أحضان أُمّهاتهم خلال الشُّهور الأولى... يعيشون سُعداء أنقياء الرّوح، أينما كانوا وأيّاً كان مُستوى أهلهم الاجتماعي... يكبرون في أوساط عائليّة حامية محميّة من أب وأُمّ راعييْن عطوفيْن (على حدّ سواء)، ومن إخوة مُحبّين... يتعلّمون مبادئ سلوكيّة مجتمعية وعلاقاتية عامّة كالجودة والسوء، والخير والشر، والطيب والعيب... الأسرة المتدينة تبعث أبناءها للكنيسة يوم الأحد، لكن معظم الأطفال يضجرون فيها لما يسمعون ما هو مغاير تماماً لحياتهم اليومية المدنية العلمانية، فلا يتأثر الطفل بالدين إلاّ ما ندر منهم.
[لا يتلقّى أطفال فرنسا في بيوتهم مبادئ دينية، فلا حرام ولا حلال ولا حساب ولا عقاب إلا ما اكتسبوه من تربية وتوعية أهاليهم ومجتمعهم العلماني... لا يردّدون عبارات روحية تدعو للمنع وللابتعاد عن هذا أو ذاك من الأعمال. إنها تربية متناقضة تماماً مع تربية الآخرين... ولكن أيّ التربيتيْن أفضل؟ لا إجابة سوى ملاحظة:
(1) سيرة أغلبية الفرنسيين الذاتية من معاملة خلقية طيبة، (2) نتائج تقدمهم العلمي وبحوثهم التكنولوجية، (3) دفاعهم عن حقوق الإنسان، (4) توحّدهم بدل تمزّقهم مع أبناء دول قارتهم، (5) جريهم المخطط له وراء مصالحهم.
* أطفالُهُم يقلّدون والديْهم ويردّدون ما يسمعون في مدارس الروضة والحضانة ما بين الثانية والثالثة من العمر، وفي كثير من الأحيان في المدرسة الابتدائية... يلعبون ويتسلّون بفرح وسرور مع رفاق ورفيقات أزقتهم وقُُراهم، ويتعلّقون بأُخُوّةٍ خاليةٍ من كل فكرةٍ مُبطّنةٍ بأبناء أقاربهم وجيرانهم [بناتاً وصبياناً]...
بعد التحاقهم بالتعليم الإعدادي أو المتوسط المختلط، يبدؤون بالعيش بحياة تختلف قليلاً عن حياة أسرهم...
بمجرد التحاقهم بالثانوية المختلطة وبلوغهم سن الرشد، تكون لهم حياة شبه مستقلة عن أسرهم...
لكنهم لا يرفضون توجيه والديْهم، كون القانون يفرض على الوالديْن السهر مادياً على أولادهم حتى نهاية دراستهم وحصولهم على مهنة.
[لا تربية تُفرّق بين الجنسيْن ولا مدارس تفصل البنات عن الصبيان، وليحصل ما يحصل من حب ولقاء ونظرات علنية، فالسّر غير وارد في معاييرهم].
* أطفالُهُم يتمتّعون داخل أُسرهم بإنصات والديْهم واحترامهم، وبالأخذ بآرائهم بعد حوار ونقاش واختلاف وطرح حجج وبراهين بهدف اقتناع المُوَجِّه والمُوَجَّه... يستفيدون من متابعة آبائهم لهم دون كلل أو ملل، قلة منهم يتمردون على أسرهم لأسباب تخصهم، لكن التزام الوالديْن تجاههم قانونياً لا يتغير.
[لا فرض ولا إكراه في تربية الفرنسيين المنزلية، بل تربية وتوعية عن طريق سيرة القدوتيْن الأب والأم، وحسب سلوك القدوة تتكوّن سلوكيات الأطفال، المثالية منها والعادية والشاذة، وكل ذلك وفق معاييرهم، لا وفق معايير المجتمعات الأخرى].
* أطفالُهُم يختلفون عن آبائهم وأجدادهم وأسلافهم في كل شيء، مما يساعد على ملاحظة التّبايُن بين الأجيال وتطوّره مع تقدُّم السّن، بعكس بعض المجتمعات التي لا تمييز ممكن بين ما يُفكّر به الولد في كل مراحل حياته وما يفكّر به الأسلاف... المقولة الفرنسية التي تتردّد مُجتمعياً باستمرار هي [حين لا تختلف الأجيال... لا يتقدم الوطن].
بعكس مقولات: من ليس له قديم ليس له جديد، أو هذا الابن من ذاك الأب، أو هذا الشبل من ذاك الأسد.
أطفال كُلّ الأُسر في فرنسا، أغنياء وفقراء، فرنسيّين وأجانب مُقيمين قانونيّاً، ينعمون:
(1) بروضة حتّى الثّالثة من العُمر، أيّاً كان مُستوى أهاليهم، مجّاناً للبعض وبمساهمات رمزيّة مُتفاوتة للآخرين. (2) بحضانة من الثّالثة إلى السّادسة [مجّاناً للجميع]، حضانة تُهيّؤُهم للدخول إلى الابتدائيّة مع بلوغ السّادسة من العمر. (3) بمدرسة ابتدائية حين الوصول لسن السادسة، مدرسة تنمّي فكر الطفل عن طريق التدريس التفاعلي والرحلات المدرسية القصيرة ذات الهدف التربوي والتنويري.
تجزم دراسات عُلماء الاجتماع والنّفس، أنّ تربية الطّفل المنزليّة تكتمل في سّن السّادسة، وتبدأ شخصيّته بالتطوّر، ممّا يتزامن مع سنّ تعامله مع المُجتمع للحصول على تربية سلوكيّة وعلاقاتيّة مُجتمعيّة تُنافِس التّربية الأُسريّة أو تتكامل معها، وللأهل النصيب الأوفر من مساعدة الدولة، والأمثلة كثيرة، تُسرد بعضها فيما يلي، على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر.
* كُلّ من يُمارس مهنة، فرنسيّاً كان أم أجنبياً مُقيماً قانونيّاً، يُقتَطَع من راتبه الشّهريّ مُساهمات مادّيّة للضّمان الصّحّي والعائلي والسّكني وللضّمان الاجتماعي ضد البطالة وللمُساهمة بالتّضامن العمومي وللتّقاعد... إلخ.
* كُلّ من يفقد عمله أو تنتهي مدّة تعويضه للبطالة، يبقى تحت مظلّة [الغطاء الصّحي المُعمّم]، فالضّمان الصّحي يغطي كُلّ شرائح المجتمع.
* التعليم مجانيّ في فرنسا بالمدارس التّحضيريّة والابتدائيّـة والإعداديّة والثّانوية والمعاهد والجامعات الحُكوميّة، للفرنسيّ وللأجنبي المُقيم قانونيّاً.
* العائلات ذات الأطفال الكثيرة (3 أطفال أو أكثر) هي أكثر المُستفيدين من هذا النّظام، وكلّما كَثُر عدد الأولاد في الأُسرة، كُلّما ازدادت المنح والمُساعدات لها، فمن الشّهر السّابع للحمل بالطفل الأول حتّى سنّ الثّالثة، تُمنح الأسرة مبلغاً شهريّاً، كهديّة وتشجيع وشكر لما قدّمته للوطن.
[الطّفل يُعتبر كنزاً في كل المجتمعات، يُنفق عليه كثيراً في فرنسا، وفي دول أخرى يُعتبر عبئاً].
لا مُقارنة ممكنة بين مزايا ومساوئ تربية وتوعية أطفال فرنسا مع أطفال غيرها، لتحاشي الحرج!
يمكن تصنيف كلّ مقارنة بـ"غير موضوعيّة"، لما لكل مجتمع من خُصوصيّات ومعايير!
[بقدر ما لمعرفة ما يجري في فرنسا من نفع، بشوائبه، بقدر ما هي مُشجعة على العمل في سبيل تطوّر حياة أطفالنا وأسرنا!].
ما يمكن أن نحلم به في مُجتمعاتنا يكمن بـ:
* إعادة تربية وتوعية وتعبئة "كبارنا" ليكونوا قدوة حسنة لأطفالهم من حيث المعاملة والصدق والنزاهة، وحب العمل والوطن، والتفكير العقلاني والإبداع.
* تربية "أطفالنا" على احترام الآخر كما هو، وحب الأرض والدفاع عنها، والابتعاد عن كل أمراضنا المجتمعية.
Mokhlesselkhatib@aol.com