الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
إصدارات جديدة
حجم الخط: + -
في أول كتاب من نوعه: كيف قرأ المستشرقون ألواحنا وكتبوا تاريخنا؟
|
01 - 12 - 2009
خالد سعيد |
كثيرة هي الكتب التي تناولت الاستشراق، وواسع هو التفاوت بين مستوياتها. ولكن حتى الآن لا يُذكر موضوع الاستشراق إلا ويذكر معه كتاب د. إدوارد سعيد "الاستشراق: المفاهيم الغربية عن الشرق" (1978)، الذي شق الطريق إلى نقد الاستشراق نقداً علميا متمكناً لم يسبق أن عرفته الأوساط العلمية، وفتح الطريق للعديد من الباحثين، وبخاصة في العالم الثالث، ليستكمل كل منهم وليوسع المنظور النقدي لهذا "العلم" الغربي الخاص، وليكشف عن خفاياه ومفاعيله وعلاقاته بحركة الاستعمار الحديث، واشتغاله على "تمثيل" الشرقي بخاصة وبقية شعوب المستعمرات بخاصة، تمثيلاً ملائماً للسيطرة علي هذه الشعوب والسطو على ثرواتها.
صديقنا الشاعر والروائي والناقد الفلسطيني محمد الأسعد هو واحد من هؤلاء الذين يساهمون منذ أكثر من عقدين في حركة النقد هذه، وتتخذ مساهمته طابعا فريداً من نوعه، وهو الالتفات إلى ما يسميه "الاستشراق في علم الآثار"، أي كيف تناول المستشرقون آثار المنطقة العربية، والفلسطينية بخاصة.
وتأتي فرادة هذا البحث من كونه يطرح لأول مرة في اللغة العربية، وبهذا الوضوح، جانباً من جوانب الاستشراق لم يلتفت إليه من كتبوا في موضوع الآثار، سواء كانوا فلسطينيين أو عرباً، أو حتى غربيين. والمتتبع للكتابات الغربية في العقدين الأخيرين يلاحظ تركيزاً على نقد الخطاب التوراتي الذي هيمن على كتابة وصياغة تاريخ فلسطين، وكشف التزوير والتمحل اللذين يلجأ إليهما هذا الخطاب، تزوير الآثار والنصوص، لاختلاق رابطة بين الواقع الاستعماري "الإسرائيلي" وتاريخ فلسطين القديمة، وتبرير إبادة سكان فلسطين وسرقة أراضيهم، ولم تبدأ إلا منذ وقت قريب دراسة موضوع علاقة الاستشراق تحديداً بآثار المنطقة العربية، ومساهمته في "تمثيل" تاريخها الماضي والمعاصر في اللغات الأجنبية، ولا تتجاوز هذه الدراسة درساً جامعياً يتيماً في إحدى الجامعات الأمريكية في العام 2001 كما يذكر البحث.
محمد الأسعد، يجمع أطراف هذا الموضوع، بعد أن شق الطريق إليه منذ العام 1991 في مقالات ودراسات متواصلة ظهرت على صفحات الصحف العربية، ويغنيه بمراجعات ومصادر واسعة عربية وغربية، ثم يصدره في كتاب جديد له يحمل عنوان "مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ".
يضم الكتاب الذي صدر في بيروت منذ وقت قريب، تمهيداً وستة فصول هي على التوالي: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ، المشكلة التوراتية، طريق العطور، الجغرافية السياسية للثقافة العربية، ألسنة أم لهجات لسان واحد؟، ميلاد تاريخ فلسطين القديمة.
وأعتقد على حد علمي المتواضع أن هذه العناوين، أو غالبيتها، ذات طابع جديد لم نألفه في الكتابات العربية، وكذلك هي القضايا التي تطرحها والمعلومات التي تقدمها إلى القارئ العربي، ومعظمها مستقى من مصادر أكاديمية وأوراق جامعية ومجلات متخصصة في اللغات الغربية، بالإضافة إلى الكتابات العربية النادرة في هذا المضمار، وكلها تحتوي على أبحاث وتحليلات لا يتسنى للقارئ العربي الإلمام بها لا على مقاعد الدرس ولا في وسائط الإعلام ولا فوق رفوف المكتبات.
الجميل في هذا الكتاب أنه يغوص في مشاكل وأطروحات المتخصصين ويقدمها إلى القارئ العربي بأسلوب بسيط لا تعقيد فيه، وبلغة ناصعة تنقض على موضوعها وتلتقط جوهر ما فيه بعين مدققة فاحصة. ويأخذ القارئ معه في رحلات متنوعة بين مذكرات شخصية وكتب بحثية ومقالات سجالية، إلى موضوعه الأساس: أي إلى شرح وتفسير طبيعة عمل علماء الآثار في المنطقة العربية، وكيف أنهم حاولوا منذ قرنين تقريباً قراءة كل أثر مادي أو لوح مكتوب في ضوء روايات التوراة اليهودية، ومن هذا المنطلق كتبوا تاريخاً للغات المنطقة وأحداثها وثقافتها من أبرز علائمه طمس كل ما يتعلق بالعرب وثقافتهم ولغتهم وحضاراتهم في الألوف الأربعة التي سبقت الميلاد. بل ومضوا إلى التنكر للوحدة الحضارية التي طبعت هذه المنطقة من العالم، فاعتبروا لهجاتها "لغات" ومناطقها الحضارية وحدات قائمة بذاتها، وأعطوا للعربي صورة البدائي أو المتوحش الهائم على أطراف الحضارات.
وفيما يخص فلسطين، يبرز الكاتب أبعاد التلفيق الذي لجأ إليه المستشرقون التوراتيون لإيجاد تطابق بين جغرافية خيالية تصنعها القصص التوراتية والجغرافية الفلسطينية، وكيف أنهم طمسوا تاريخ فلسطين القديمة، واقتلعوه وأحلوا محله "تاريخاً" مستمداً من قصص شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة لا يثبت علم الآثار واللغات والعمران واقعة واحدة من "وقائعه"، مثلما لا تثبت هذه العلوم وجود بلاد الواق واق وجبل قاف وبلاد الشجر الذي يطرح ثماراً على هيئة نساء، وملكة الحيات، والجن السجين في القماقم، وطاقية الإخفاء.
هذا الكتاب فتحٌ جديد في مجاله. وتدل الفترة الزمنية التي يغطيها، والأمكنة التي يذهب إليها، والمراجع الواسعة المتنوعة (لغوية وآثارية وتاريخية) التي يستند إليها، على أنه استغرق سنوات من الجهد والكد والمتابعة من صاحبه. إنه جهد يستحق التفات الباحثين والمختصين إما لمتابعة ثيماته أو إغنائها أو استكمال ما قصر عنه. إنه يفتح عروقاً ثمينة في منجم يحتاج إلى فرق عمل ومراكز أبحاث لا إلى عمل فرد واحد مهما أتقن هذا الفرد عمله وأجاده.
daybyday_eternal@yahoo.co.uk