[هذه الحكاية قصها علّي جدي حينما كنت صغيراً. ذهب جدي ورحل عن الدنيا، لكن الحكاية بقيت تتناقلها الأجيال. والآن أستذكرها ثانية لعلها تضيء بقعة جديدة من أرض الوطن].

بدأ جدي حكايته:

كان في قديم الزمان حكيم يقال له عبد الله. قال لمن حوله من الناس:
ـ لدي سرّ كبير. وبداخله سرّ آخر. وبداخل السرّ أمانة أريد أن أورثها لأحفادي، ثم ينقلها من بعدهم الأحفاد للأحفاد، ولكنني حائر أين أخفيها؟ فما رأيكم أيها الرجال؟

صمت الجالسون حوله في بداية الأمر. لكنهم استجمعوا أمرهم كلهم، وقال أحدهم وهو يتقدم عليهم في الرأي والمشورة:
ـ استودعها في مكان مأمون، أو ضعها في مكان عميق لا يكشفه إنسان، أو خبئها في واد سحيق من الوديان البعيدة حيث لا يراك أحد.

قال الحكيم وهو رجل كبير مسن:
ـ أين هذا المكان أيها الرجال؟

أجابه الرجل:
ـ أنت حكيم وعليك أن تتدبر الأمر.
وأضاف الرجل قائلاً:
ـ أنت حكيم وتسأل!

أجابه الشيخ وهو يبتسم:
ـ اعلم يا هذا! أن من شاور الرجال شاركهم في عقولهم. وأنا أفعل ذلك. فالنصيحة تفيد الأجيال. والمشورة تصلح الكبار. والحكمة ضالة المؤمن.

ذات صباح حمل الشيخ الحكيم أغراضه، وسار في الدروب يبحث عن مكان عميق، وآمن يستودع فيه سره.

استوقفه الخريف بهيئة رجل أصفر اللون وقال له:
ـ أين تذهب أيها الرجل الكبير؟

توقف الشيخ الحكيم وقال:
ـ أريد أن أخبئ سراً، وأضاف الشيخ:
ـ ما لي أراك بهذه الهيئة؟
ضحك الخريف، وقال:
ـ أنا فصل من فصول السنة. وتلك هي صفاتي. وإذا كنت تريد أن تستودع سراً. فاذهب حيث الغابة فإن فيها ما تريد.

قصد الشيخ الغابة. فاستوقفه المطر عند الباب. قائلاً له:
ـ ماذا تريد أيها الشيخ؟
ردّ الشيخ الوقور قائلاً:
ـ قبل فترة قابلت الخريف والآن أقابل الشتاء.
قال المطر:
ـ أيها الشيخ لقد انقضى فصل الخريف وجاء فصل آخر، وأنت تسير ولا تدري كم سرت ومشيت في الأرض وأنت تبحث.
ردّ الشيخ الوقور قائلاً:
ـ معي أمانة أريد أن أبقيها في مكان آمن في الغابة، حيث فيها بئر عميق.
قال المطر:
ـ البئر معطلة، منذ القديم. لذلك عليك أن تستودعها في بحر عميق بدلاً من الغابة.

ذهب الشيخ إلى البحر، ووقف على ساحله، وسأله:
ـ أيها البحر أريد أن أودع لديك سراً.
أجاب البحر قائلاً:
ـ أيها الشيخ أنا بحر. سميت بحراً لعمقي واتساعي. لكن هناك من هو أعمق مني. وأكثر حفظاً للسر مني.

صمت الشيخ برهة ثم سأل:
ـ من هو الأعمق منك؟
ردّ البحر بعاصفة من رذاذه. وقال:
ـ المحيط أيها الشيخ.

قال الشيخ:
ـ المحيط هو الأعمق والأكثر حفظاً للسر.

سار الشيخ الوقور وهو يحمل أغراضه، وفي الطريق صادفته الريح بصفيرها. وغناء الأشجار وحفيف أوراقها، وخرير الماء. وحكى لها حكايته. قالت له:
ـ اذهب إلى المحيط، ثم عدّ ثانية لنتحدث؟

وصل الشيخ إلى المحيط متعباً. توقف عند ساحله وناداه:
ـ أيها المحيط اسمعني أريد أن أحفظ عندك أمانة هل تقبلها مني؟
ردّ المحيط قائلاً:
ـ اسمي المحيط لأني أقرب إلى الثقة فأحوط بالشيء من جميع جهاته.

جلس الشيخ الوقور ليستريح من عناء رحلته.

همست النجوم من السماء:
ـ توقف أيها الشيخ. أتعبك الترحال. وأنت تحمل الأمانة. لقد تعاقبت عليك الفصول وأنت لا تدري كم سرت، وحاورتها، ونحن نراك من السماء وأنت تطوف وتدق بعصاك الأرض.
وأضافت النجوم:
ـ والآن جاء الربيع بصوته يضحك. وبهمس غنائه، فتستيقظ الكائنات من سباتها الشتوي العميق، وتهب العصافير من أعشاشها، وتنطلق الجداول بين الأشجار والأعشاب والبراعم لتبعث الحياة من جديد.

صمت الشيخ، وجلس مرتاحاً مسروراً لما يرى.

همست نجمة في ضوء القمر:
ـ أنا منذ القديم أسمع وأرى ما يجري. وأحب أن أقدم لك حكمة كما طلبت منذ البداية. إذا أردت أن تستودع شيئاً. فاكتبه في كتاب تقرأه الأجيال، أو اجعله أغنية تتناقلها الأشبال.

أطاع الشيخ. ومضى كي ينفذ ما سمع.

لكنه قرر أن يستريح قليلاً، وحينما همّ للنوم؛ هتف له صوت من البعيد قائلاً:
ـ أيها الشيخ أسمعني كلماتك قبل أن تنام.

ردد الشيخ الكبير كلماته التي تقول:
وطني وطني، عالي القمم
أحمل كتبي، أرفع علمي
وطني زهرة حمراء، وطني روضة خضراء
وطني أرضي، أرضي وطني، حبي لوطني، غالي الثمن.

أرض بلادي ثروة كبيرة،
أحميها وأباهي فيها
أخدم وطني منذ الصغر
رمز بلادي حبي لوطني.

استيقظ الشيخ من نومه على صوت الريح وهي تصيح بكلماته بين الجبال والوديان، وتهتف بها في الحقول والبساتين، ويرددها الناس في كل مكان.

arabi.assi@gmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
عدنان سلوم :
شكراً للكاتب ولموقع فلسطيني الذي يضم باقة من حملة الأقلام الحرة والوطنية وحقاً إن أقلام فلسطين أقلاماً عربية حقة ويعربية صرفة
اتمنى للجميع الاستمرار والتوفيق خدمة للعرب وأرضهم ومقدساتهم
عدنان سلوم مصر