صار عمر إيمان خمس سنوات، عاشتها في هذا البيت الذي أكله الفقر، ونهشت جدرانه الشظايا. ولم تعرف من الدنيا الرحبة والفسيحة سواه، وسوى الحارة الضيقة المتعرجة... تفتحت عيناها على دوي الانفجارات والحرائق والدخان... الخوف يملأ عينيها وجوارحها ويسيطر على كيانها، فترتعش كوردة تعبث بها رياح تشرينية!
المخيم يخلو من الحدائق أو الملاعب، ولم يتبق خلال الحصار للأطفال، غير اللعب في الحارة والزيارات، وسماع الأحاديث عما يجري. كلمات تفهم، وأخرى كثيرة يحجبها الضباب... فتأخذ أمها فتحية وأبوها مروان بالشرح... ولقد التقطت أذناها كلمات لها سحر غامض خاص يحملها بعيداً خارج فضاء الطفولة: قصف، انفجار، طائرات، دبابات، اعتقال، حصار، هجوم، جرح، موت، استشهاد....
وأخذت هذه الكلمات تكبر وتتعمق معانيها مع نمو جسدها وعقلها وروحها.
قبل سنة أو أكثر كانت تخاف من أصوات الانفجارات والطائرات، بل ومن رؤية جندي صهيوني غارق في لباسه وأسلحته، وتركض رامية نفسها هي وعويلها في حضن أمها ، فتشعر بالدفء والاطمئنان، وتحس بانسياب الدموع الحارة من عيني أمها وهي تتساقط على شعرها وخدها المشدود إلى صدر أمها التي سورتها بيديها..
لكنها الآن ابنة السنوات الخمس، وقد اعتادت على سماع تلك الأصوات المرعبة! صحيح قد تجفل أمام انفجار مفاجئ، وقد ترتعد لهنيهة، وخاصة إن أيقظها من سباتها على وقعه الشاذ. إلا أنها سرعان ما تستعيد ذاتها المتلاشية مع الدوي الفظيع والمريع، فيحمر وجهها، وترتجف شفتاها ثم ينزلق إلى لسانها ما اختبأ في أعماقها من ألم وتوتر قديمين:
- مجرمين، قتله، حرميه، سرقوا وطنا... حنحاربهم ، حنقتلهم ، حنطردهم من بلادنا..

قبل أن تبتلع زنزانات المستعمرين أباها مروان، اعتادت أن تراه وهو يرمم باستمرار تهرؤ الجدران، وقد بقي ذات مرة حتى منتصف الليل، وهو يعمل مع شباب الحارة على سد فجوة باللبن بعد أن فتحتها قذيفة التهمت بيت جارهم أبي أحمد!!
أبوها لا يكل ولا يتعب ويقول بعد أن ينتهي من عمله: فليدمروا وليخربوا، سنعيد بناء كل شيء، إما نحن أو هم ... والزمن بيننا طويل! ولكن هذه المرة، بعد أن انتهى القصف، نظر إلى أبي أحمد الذي استشهدت ابنته نضال في عملية استشهادية قبل أيام، وربت على كتفه، واحتد صوته، فصرخ:
- فاشست...
وقعت الكلمة على أذن إيمان، فتشربتها شرايينها وأعصابها، وتزعزع قاموس كلماتها، فتساءل فضولها:
- بابا شو يعني فاشست؟
نظر مروان إليها بحنان، ولملم حنقه فقرفص تجاهها:
- هؤلاء المستعمرون الصهاينة هم فاشست يعني...
وصمت لحظة مرتبكاً... فقالت:
- يله بابا كمل؟!
اصطاد كلماته بصعوبة ليتابع:
- عندما تكبرين ستفهمين كل شيء.. الفاشست مثل كلمة النازيين.. وهذه شرحتها لك... يعني مجرمين ، إرهابيين ، لصوص، عنصريين....
رفع الزهو رأس إيمان؛ ها هي كلمة جديدة تقتحم عالمها الضيق، وستحدث وفاء عن كلمتها التي أحست بأنها فهمتها!

كان مروان في طريقه إلى نابلس عبر الحقول والطرقات الالتفافية الوعرة فليس ثمة طريق غيرها، فالجنود الصهاينة في كل مدينة وقرية، وفي كل شارع وساحة.. وآلة المستعمر تحيط بهم من كل جانب.
وحتى هذه اللحظة، لم تعرف فتحية مكان سجنه، رغم إلحاحها الشديد للسؤال عنه في كل مركز أمني أو عسكري. والجواب إما أن يطردوها، أو يهددوها أو قد يشتموها، فتعود خائبة!!
ولقد قررت البقاء في البيت، والكف عن السؤال، لأنها واثقة من عودته!
قال أبوها:
تعالي يا بنتي أنت وإيمان لتسكني عندنا حتى يعود مروان!
ولكن محاولات أهلها ليأخذوها وابنتها إلى بيتهم، اصطدمت بتوسلات أهل مروان لاصطحابها معهم إلى بيتهم، وكلاهما خسر المنافسة أمام جيرانها، فقد وقفوا بصلابة وعناد، وقالت أم خالد:
- هي في عيوننا، ولن نتخلى عنها وعن إيمان طالما مروان في السجن...
أخذت إيمان تنظر بدهشة، وحيرة، عندما سألوها عن رأيها، فكرت ملياً، ثم قالت:
- يوم عند تاتا أم مروان، ويوم عند تاتا أم فتحية، ويوم ببيتنا مع خالة أم خالد....
حال فتحية كحال نساء مخيم جنين كلهن، فهي ابنة المخيم نفسه، وأهلها كأية أسرة من أسر المخيم. وهي لا تشكو ولا تتذمر ولا تتأفف، ولكنها تطلق زفرات طويلة مع كل كارثة ومصيبة، وكأنها رياح حارة تخرج من أعماقها البركانية، لتلفح وجوه من حولها.

فاحت إيمان بدماثتها العطرة ونعومتها، فأضفت على البيت حباً، جعلت مروان وفتحية أكثر التصاقاً ببيتهم. لقد عمره مروان حجراً حجراً أيام خطبته لفتحية، وكانت تساعده أحيانا ًهي وإخوتها إذا اقتضى الأمر.
وحكايات أفراح مروان مشت متهامسة في المخيم من بيت إلى بيت ومن حارة إلى حارة... فرحة مروان الأولى عندما انتهى من بناء البيت، والثانية عندما تزوج فتحية، والثالثة إيمان هذه التي ملأت البيت مرحاً وحيوية فصار- كما يراه مروان- قصراً يحبهم ويحبونه.
والفرحة الرابعة.. مشتركة بين الجميع.. يوم تحرير فلسطين، ولكن رأي أبي مروان، هي الفرحة الأولى!
صارت إيمان في السنة الخامسة، ولم تذهب إلى روضة الأطفال، ومن يمتلك مالاً من سكان المخيم ولا سيما أيام الحصار والجوع، ليدخل أبناءه إلى رياض الأطفال!!
إلا أن إيمان وشوشت في أذن صاحبتها وفاء:
- أمي ستدخلني مدرسة الأونروا!
هكذا وعدتها فتحية، ولم تنتظر الظروف، فدوماً كانت تجد وسيلة ما لحل ما يعترضها من عقبات. فقررت أن تبدأ بتعليمها منذ أكثر من سنتين.. بدءاً من حروف الهجاء ثم الكلمات.. الجمل.. القراءة... الكتابة... حتى جمع الأرقام الصغيرة وطرحها.. وإلى جانب ذلك شيء ما من الجغرافيا والتاريخ.. شرحت لها جغرافية فلسطين، من نهر اليرموك وحتى البحر المتوسط، ومن صفد وحتى العقبة، وحدثتها عن تاريخ فلسطين...
وإيمان كما تقول فتحية لجاراتها وهن يتحدثن أمام مصطبة الدار:
- يخزي العين، تلتقط كل شيء بسرعة... وتسألني عن الصهاينة أشياء ما بعرف كيف بدي أبسط لها الكلمات، وعندما أعجز عن ذلك، أتكلم معها، وكأنما أتكلم مع طالباتي في الصف.. وإذ بها تفهم كل شيء تماماً كما شرحته لها!!

العيد على الأبواب، ولعل أهل المخيم لم يعرفوا الأعياد منذ أزمان، حتى فتحية نفسها لم يعنها أمره، وخاصة بعد اعتقال مروان منذ أكثر من سنة. ولكنها في هذا العيد قررت أن تخيط فستاناً لإيمان!
الأطفال لهم عالمهم الخاص، ولا يتنازلون عن حقهم في الفرح، فلا الطائرات ولا الدبابات تنتزع منهم ذاك الحق! ينسون الآلام كلها، والخوف ينسونه فيمضي خجولاً يعرج بين الحارات، وكل شيء يتبخر إلا الحب والفرح...
يصنعون الفرح من لا شيء، يخلقونه... هكذا هم، وهكذا هي إيمان...مشت نحو أمها التي كانت في المطبخ، وحملقت في وجهها، ثم قالت بلهجة استعطافية:
- ما بدك تعمليلي فستان جديد، دايماً بتقولي بكره!
واكتأبت وكادت أن تقفز من عينيها الدموع، لكنها لجمتها وبلعتها ولم تكمل كلامها. فضمتها فتحية لتدع دموعها هي تنزف بدلاً من ابنتها، وقالت لها وهي تمسد شعرها الناعم:
- والله سأخيطلك أحلى فستان، واليوم سأشتري القماش!
أشرق وجه إيمان واتسعت حدقتاها فازدادت عيناها جمالاً، وملأت الابتسامة الممتدة من أعماقها، وجهها ويديها وجسدها الناعم والمطبخ كله... ولم لا، وقد تمحور العالم كله في الفستان!
وبعد العصر خرجتا معاً لشراء القماش.
في المخيم يسهل التعامل مع الدكاكين، ودفاتر أصحابها تمتلئ بأسماء المستدينين. ونزل اسم أم إيمان في صفحة جديدة:
- ثمن قطعة قماش زهرية اللون... وأضاف البائع جملة لا علاقة لها بلغة الحسابات، بناء على طلب إيمان:
- عشان تخيطها فستان إلي...وتابع البائع: أي إيمان...
ولم تتلكأ أم خالد ولم تتردد في مساعدة فتحية على خياطة الفستان.
في المخيم أصحاب مهن متعددة، يقدمونها مجاناً لمن يلجأ إليهم من سكان المخيم، أما من خارج المخيم فلا بد من أجر ضئيل يقي صاحبها التسول والشحاذة!
فالمخيم جمع بين حاراته مشردين من كل مكان: حيفا ويافا وعكا... وقد لفهم بعباءة الفقر فاحتالوا عليه بالحب!

قبل العيد بيوم كان الفستان يبتسم جمالاً على ضحكات جسم إيمان البض المتلألئ. دارت دورة في وسط الغرفة بعد أن تأملته في المرآة.. ورمت بنفسها بين ذراعي أمها تقبلها وتقبل أم خالد...
قالت إيمان في نفسها:
- نعم! فليأت العيد الآن، ها هو فستاني جاهز ينتظر، وها هي شريطة ذيل شعري من القماش نفسه.
الفستان في ذاته فرح، في ذاته عيد، وإلا ما هي اللحظة الحقيقية للفرح، للعيد، عند الأطفال!
وفي الحقيقة لم يكن مجيء العيد يشغل بالها، إنما انتهاء الفستان، فقد تجلى العيد في الفستان.
قالت لأمها:
- ماما خليني أورجي الفستان لوفاء.
وفاء تسكن في الحارة نفسها، ولا يفصل بيتها عن بيتهم سوى أربعة بيوت متلاصقة متلاحمة كأنما هي مجموعة توائم.
قالت أمها:
روحي يما، بس حافظي على نظافته، ولا تجلسي على الأرض ولا تتأخري!
انطلقت إيمان وذيل شعرها ينوس كرقاص الساعة، ولكن إيقاعه غير ثابت، فهو يزداد سرعة مع نغمات قدميها وهما تتهاديان فوق الأرض.
مرت من أمام علي... وهو جالس على كرسي بلاستيكي، وقفت أمامه:
- شوف، هذا فستان جديد خيطته إمي إلي.
وقف علي مشدوهاً وقال متأوهاً:
- اوه، حلو كتير، وأنا ماما اشترت لي بنطلون حلو، لونه سماوي.
قالت إيمان:
- بشوفو بعدين، أنا هلق رايحة أورجي فستاني لوفاء.
- خديني معك!
- يله تعال.
صرخ علي من شق الباب:
- ماما، أنا رايح مع إيمان لعند وفاء.
وارتد صوت خافت من الداخل:
- روح يما حبيبي بس ما تتأخروا.
أمسكت إيمان بيد علي وانطلقا وهما يتحدثان عن البنطال والفستان.
وقفا أمام باب بيت وفاء، قرعت الباب بكفها الناعمة... ولكن صدى القرع كان أقوى... صوت أراد أن يقتلع الحارة من جذورها، حريق اندلع، وزوبعة غبار ملأت سماء المخيم..
خرج أهل الحارة كلهم، وهرع سكان الحارات الأخرى المجاورة والبعيدة..
وتعالت الأصوات... صاروخ أباتشي... انفجار... الله ينتقم منهم...
أحاط أهل المخيم ببيت وفاء، وقد صار كومة تراب وأنقاض...
أطفأوا النيران التي تحول دخانها إلى غيمة غطت المخيم، فجعلته عتمة والشمس تسطع في السماء... وشرعت عشرات الأيادي تبعد الأنقاض، دموعهم اختلطت بالعرق والتراب وصيحات الغضب والثأر...
وبدأت تتكشف أطراف جثث محترقة من بين الحطام، وثمة يد صغيرة محترقة غطاها الدم والتراب، والأصابع تحتضن كفاً صغيرة أخرى.....
فتحية جامدة مذهولة قد انفغر فاهها...عيناها تلوب تائهة مجنونة لا تدري ماذا تفعل.. ولكنها وهي المعروفة بصبرها وصمتها، انفجرت فجأة كالبركان مولولة:
- نازيين...



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك