يشكّل الأطفال في مجتمعهم أضعف الحلقات وأوهنَها، لذلك فهُم أشدّ حاجة من سواهم لتلقي الرعاية والحماية والعطف والحنوّ، ولهم على الآخرين حقوق كثيرة لا حصر لها.
والطفل الفلسطيني في الضفة والقطاع المحتليْن، يعتريه الألم والحزن والحرمان من أبسط حقوق العيش ومن أبسط حقوق الإنسان في أيّ مكان، فهو محروم من الطعام والغذاء، ومن حرية التنقل وحتى من الذهاب إلى مدرسته في كثير من الأحيان، لذلك فإن الطفل الفلسطيني يعيش ظروفاً نفسية قاسية للغاية، تؤدي إلى منعه من التعليم... وهو معرض للقتل في كل حين جراء الاحتلال المتواصل للضفة والقطاع... الأطفال الفلسطينيون أهداف لآلة البطش الصهيونية التي تفتك بالجميع ولا تميز بين صغير وكبير، وبين طفل ورجل وامرأة أو شيخ... لذلك فالشهداء من الأطفال الفلسطينيين بالمئات.. والأطفال يتعرضون للضرب من قبل جنود الاحتلال كما يتعرضون للأسْر والاعتقال والتعذيب والتنكيل داخل المعتقلات... يحرمونهم من النوم أو قضاء الحاجة لفترات طويلة، ويحرمونهم من الطعام والشراب أياماً، ويضربونهم بشكل مبرح وفي أماكن حساسة من أجسادهم.. وقد يُربط الطفل الأسير من يديه ورجليه ليوضع خارج الزنزانة معرضاً للبرد القارس شتاءً وللشمس الحارقة صيفاً... وربما هدَّده الجلادون بالاعتداء الجنسي عليه أو على إحدى أخواته أو قريباته أو أمه... ويعمدون إلى هزِّ الأطفال هزاً عنيفاً يؤدي في غالب الأحيان إلى ارتجاج عنيف في الدماغ... وقد يحشرون الأطفال مع عتاة المجرمين والقتلة الإسرائيليين الذين يعتدون على هؤلاء الأطفال... كما يُحْرم الأطفال من زيارات الأهل لهم.. ولا يُسمح لمحامي الطفل من زيارته أو رؤية ملفّه أو التعرف على قضيته وتهمته! ويتعرض الطفل الفلسطيني المعتقل للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية الصهيونية ذاتها التي تحاكم الكبار، فلا يُعرضُ أطفالُنا على محاكم الأحداث كما هو شأن كل أطفال العالم، وبالتأكيد تصدر بحق هؤلاء الأطفال أحكام قاسية ظالمة، حتى وإن كانت "جريمته" قذف جنود الاحتلال بالحجارة.. لأن الحكم على الطفل قاذف الحجارة قد يصل إلى العام ونصف العام... وقد يُنقل الأطفال في فترة محكوميّتهم إلى معتقلات تكون بعيدة جداً عن أماكن إقامة أهليهم، وذلك كيلا يزورهم أحد من هؤلاء، ولكي يعاني الأطفال المعتَقَلون من شدّات نفسية رهيبة نتيجة حرمانهم من الالتقاء بأقاربهم..
مئات المدارس الفلسطينية تعرضت للاقتحام من قبل جنود الاحتلال، والكثير من هذه المدارس تعرَّض للقصف الوحشي بمختلف صنوف الأسلحة... وقد تقوم الدبابات بقصف المدارس كما حدث في مدينة البيرة عندما قصفت دبابات العدو مدرسة للبنات المكفوفات، فخرجْن من المدرسة وهنَّ في رعب شديد، ورُحْنَ يبحثن عن وسائل للنجاة... وتتعمد قوات الاحتلال قصف المدارس أثناء دوام التلاميذ فيها كي يفتكوا بأكبر عدد من التلاميذ، وقد يتم القصف في فترة الامتحانات المدرسية... وقد تَمنع قوات الاحتلال عربات الإسعاف من نقل الأطفال الذين يصابون بنيران العدو، وربما دمر العدو هذه العربات وقَتل من فيها، وبالفعل دمر العدو عشرات من عربات الإسعاف تدميراً تاماً، وربما مُنعت عربات الإسعاف من الوصول إلى الأطفال الجرحى، وربما مات الطفل الجريح عند أحد الحواجز الصهيونية التي تنتشر بالمئات في الضفة الغربية، حيث تُمنع العربة من اجتياز الحاجز، وقد لاقى الكثيرون من الأطفال حتفهم عند الحواجز بهذا الأسلوب اللاإنساني.
ويعاني الطفل الفلسطيني من فقدان الأب أو الأم أو الأخ والأخت أو أيّ قريب آخر مما ينعكس بشكل حاد على نفسيته، وقد يرى الطفل زميله أو صديقه يُقتل أمام عينيه... وكذلك فإن اقتحام جنود الاحتلال للمنازل الفلسطينية في ساعات متأخرة من الليل بينما الأطفال نائمون، يزيد ويفاقم الحالة النفسية الصعبة لهؤلاء الأطفال.
كل هذه الممارسات الإجرامية الوحشية والهمجية، أثّرت بشكل حاد على الحالة النفسية للأطفال الفلسطينيين وبنسب متفاوتة، وقد أصيب الكثير من الأطفال برضوض نفسية بالغة وصعبة، أدت إلى تغيُّر واضح في تصرفاتهم وفي أنماط سلوكهم، كفقدان الشهية إلى الطعام، وحدوث الأرق ليلاً، والتبوّل أثناء النوم، وضعف التركيز الذهني، والنزق والعصبية الزائدة لأقل الأسباب، وبعضهم يعيش تحت وطأة الكوابيس الثقيلة أثناء النوم، فيستيقظ الطفل مضطرباً يعاني من رعب شديد...
هذه الشدّات النفسية التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون، تؤدي كذلك إلى نمو اجتماعي شاذ وغير طبيعي للكثير منهم، مما قد يخلق أطفالاً لديهم استعداد كبير لارتكاب الجريمة نتيجة ظاهرة العدوان التي تؤدي إليها ظروفه النفسية القاسية... والكثير من الأطفال يصابون باكتئاب حادّ، فقد يضحك الطفل في ظرف حزين، وقد يبكي في ظرف يُفترَض أن يكون مفرحاً كالعرس وسواه... ويصاب بعض الأطفال بحالات من التمرد على الأهل وعلى المعلّمين والمربّين، وقد يرفضون الذهاب إلى المدرسة، وربما هربوا منها، وقد يرفض الطفل تناول الطعام.
قد يقول البعض إن الأطفال الفلسطينيين وُلدوا ونشؤوا في ظروف صعبة قاهرة وفي وسط المعركة، فاعتادوا ذلك مرغَمين، واكتسبوا قسْطاً كبيراً من المناعة وصارت نفسياتهم صلبة وازدادت قدرتهم النفسية على التحمل، مما يجعلهم قادرين على التعايش مع تلك الظروف ومواجهتها بشكل طبيعي وبدون أية آثار جانبية سلبية... لكن الحقيقة أن الطفل يظل طفلاً، لاسيما إذا كان صغيراً في بداية نموه ونشأته.. فلا بدّ من أن تنعكس تلك الظروف، كما أوضحنا، على هؤلاء الأطفال، وبنسب مختلفة.
وبالرغم من تلك الانعكاسات القاسية على نفسيات الأطفال الفلسطينيين، فإن أكثرهم يظلون على استعداد تامّ للمشاركة في مناجزة جنود الاحتلال والتصدي لهم بالحجارة وسواها من الوسائل البسيطة المتاحة، وهذه الظاهرة لا بدّ من التوقف عندها ودراستها بعناية من قبل المختصّين في علم النفس، لأن المتوقع من هؤلاء الأطفال أن يبتعدوا عن المواجهة ومكامن الخطر، لا أن يواجهوا القوات المعادية التي سبَّبَت لهم كل هذه النتائج المفزعة!



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
انس الرمحي:
يشكل الاطفال في حياتهم حاله قاسيه