الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
التوظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (1)
|
13 - 12 - 2009
د. مسعد عربيد |
مقدمة:
لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟
لا تكمن جذور الصراع العربي ـ الصهيوني في الأبعاد والعوامل الدينية، بل في المصالح والتناقضات الاقتصادية والإستراتيجية والسياسية للأطراف المتصارعة. فلسنا، إذن، أمام صراع ديني وإن كان يتخذ لبوس الدين في كثير من الأحيان ولا يخلو من تجليات دينية على مستوى الحدث وتسييس الدين والتفاعلات السياسية والاجتماعية، بل إننا أمام مشهد تتداخل فيه وتتفاعل ديناميكيتان أساسيتان:
1) التوظيف الصهيوني للديانة اليهودية والخرافات الدينية الغيبية (النبوءات التوراتية تأويلاتها اليهودية ـ الصهيونية [1] والمسيحية البروتستانتية [2])، والتي وُظفت في التأسيس لادعاء "الحق الديني والتاريخي" لليهود في فلسطين؛
2) التلقي العربي لهذه المقولات والتعامل معها عبر الخطاب الديني والإعلامي والسياسي. وسيكون الرد الديني محور النقاش الرئيسي في هذه المقالة لما له من حضور دائم وعميق في مجتمعاتنا وبين جماهيرنا، ومن حيث قدرته على اختراق الوعي الشعبي والتأثير في تكوينه وتحديد مفرداته وأفكاره وأدواته.
في إطار هذا الفهم للأبعاد الدينية ودورها في الصراع العربي ـ الصهيوني، فإن تناولنا للخرافات الدينية والنبوءات التوراتية، قد يستدعي تلمس بعض الجوانب الدينية واللاهوتية:
- التي لا نتناولها من منظور ديني، بل من حيث توظيفاتها السياسية، وبقدر ما تعيننا على فهم إستراتيجية العدو التي وظفتها الحركة الصهيونية في كسب الدعم الجماهيري اليهودي (في التجمعات اليهودية الموزعة في أنحاء العالم) والدعم الرسمي والشعبي في الغرب الرأسمالي (المجتمعات المسيحية الغربية)؛
- وبقدر ترابطها بالمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والمشروع الإمبريالي في فضائه الأوسع ضد الوطن العربي؛
- وأخيراً، بقدر ما تسهم في استشراف إستراتجية المقاومة للمشروع الرأسمالي ـ الإمبريالي ـ الصهيوني.
- وعليه، فلسنا بصدد المعالجة اللاهوتية لهذه النبوءات، ليس انتقاصاً من أهمية وضرورة هذه البحوث في فهم العدو ومكوناته الثقافية، بل لأننا سنحصر نقاشنا في التوظيف السياسي الصهيوني لهذه الخرافات، من جهة، وتعامل خطابنا الديني في رده عليها، من جهة أخرى.
وتجدر بنا الإشارة، قبل الولوج إلى موضوعنا، إلى ملاحظة هامة وهي أن الصهيونية لم تُوظف النبوءات التوراتية فحسب، بل سعت، منذ المراحل الجنينية للفكرة الصهيونية السياسية، إلى استخدام كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية واللاهوتية الأوروبية في خدمة وتبرير سياساتها ولم تتورع، في مسعاها هذا، عن استغلال الفكر الثوري والاشتراكي وحركاته المتنامية في ذلك العصر. إلاّ أن هذا يجب ألا يعمينا عن رؤية الجوهر الاستيطاني والعنصري والفاشي للأيديولوجيا الصهيونية.
سنبدي في الجزء الأول بعض الملاحظات النقدية حول عبثية الرد الديني على النبوءات التوراتية، ننتقل بعدها إلى محاولة تفسير هذه الخرافات ـ متخذين كذبة "العودة" إلى "أرض الميعاد" كنموذج ـ من خلال قراءة هذه النبوءات من منظور توظيفها لخدمة الأهداف السياسية للصهيونية وفي سياق تاريخ الجماعات اليهودية وتطورات حياتهم عبر القرون.
(1) عبثية الرد الديني:
تكمن مواطن الخلل الأساسية في الخطاب الديني [3] حيال المقولات اليهودية ـ الصهيونية في جوانب عديدة، نذكر أهمها:
1) مخاطر هذا النهج على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني ومشروع مقاومته.
2) عجز الخطاب الديني عن صياغة برنامج عملي: فالخطاب الديني لا يمكن ترجمته إلى فعل بشريٍ واعٍ ومنظم، وبالتالي تتعذر صياغة برنامج نضالي عملي.
3) فشله في إحراز نتائج ملموسة على عدة مستويات:
ـ فقد فشل في توعية الجماهير العربية وتعبئتها وتحريضها وتنظيمها في النضال ضد العدو الصهيوني، بل كثيراً ما عمل على إيقاظ المشاعر الدينية العنصرية والنزعات الطائفية.
ـ لم يساهم في التأسيس لمشروع مقاومة للاحتلال والمشروع الصهيوني والرأسمالي برمته (دون التنكر لنضال الحركات الإسلامية المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي تكافح ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني على أسس وطنية وقومية لا على مرتكزات الخطاب الديني).
ـ لم يوفق الخطاب الديني في كسب التأييد العالمي لقضايانا سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.
نهج الخطاب الديني:
يعجز الخطاب الديني عن تحليل الواقع القائم وتفسير تطوراته ومتغيراته لأن التفسير الديني بطبيعته تفسير نصوصي يفتقر إلى التحليل المادي التاريخي ويرتكن، في فهم الواقع والطبيعة والمجتمع والتاريخ، إلى قوى غيبية ومشيئة ربانية وتفسيرات ميتافيزيقية مثالية. وهي أدوات لا تاريخية تعجز عن فهم الصراع في بلادنا وطبيعة تناقضاته ومكونات العدو الرأسمالي ـ الإمبريالي ـ الصهيوني.
1) يخفق الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في فهم وتفسير أوضاع الجماعات اليهودية وتطور الحياة اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. ولهذا السبب فإنه يخفق أيضاً في فهم السياق الذي نشأت في إطاره الصهيونية وعلاقتها بهذه الجماعات بكافة فئاتها (الفقيرة والبرجوازية، المندمجة في المجتمعات التي كانت تقيم فيها أو المنعزلة عنها، المتدينة أو العلمانية...).
قد يكون الجهل المعرفي لهذه الأوضاع أحد الأسباب الهامة وراء ذلك، إلا أنه حتى عندما يتوفر الكم المعرفي والمعلوماتي، فإن الخطاب الديني لا يرقى إلى المنهج التحليلي لفهم التاريخ والقوى المحركة له كديناميكية حيّة وإلى فهم التناقضات بين القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية كعامل أساسي في صنع التاريخ وحركته.
2) كما يخفق الخطاب الديني في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في إطار تطور حياة وأوضاع الجماعات اليهودية عبر العصور وعبر المجتمعات. ومن هنا، وللسبب ذاته، فإنه يفشل في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في نشوء الدعوة الصهيونية وتبلورها كحركة سياسية تدّعي تمثيل المصالح اليهودية وتعمل على حل المسألة اليهودية بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين، من جهة، وتحالف الصهيونية مع الرأسمالية العالمية كوليدة وأداة لها، من جهة أخرى.
3) بالإضافة إلى أن الخطاب أو التفسير الديني لا يلتقط ولا يعير الأهمية لتلاقي المصالح وتحالف الصهيونية مع الرأسمالية العالمية.
لهذا الأسباب وغيرها، يعجز الرد الديني عن تفسير جذور وأسباب الصراع العربي ـ الصهيوني وحلوله تفسيراً موضوعياً بل نراه ينسج من حوله الأوهام والغيبيات.
مخاطر نهج الخطاب الديني:
أ ـ تديين الصراع وتسييس الدين: للأسباب المذكورة، فإن الرد الديني يقدم فهماً مشوهاً لأسباب وجذور الصراع ويتوه في مطلقات غيبية تؤدي إلى الانزلاق في تديين الصراع أي التأسيس لفهم الصراع في بلادنا على أنه صراع ديني، فيتحول صراعنا مع الصهيونية وكيانها إلى صراع مع اليهودية واليهود، أما صراعنا مع الإمبريالية الأميركية والرأسمالية العالمية فيصبح حرباً ضد النصارى والصليبيين والكفّار. إن السقوط في فخ تديين الصراع في بلادنا لهو كارثة، بل هو أكبر المخاطر التي تحيق بنضالنا ومستقبلنا، ناهيك عن أن الصهيونية والغرب الرأسمالي دأبا لعقود طويلة على تغذيه وتسعير مثل هذه المفاهيم.
ما نود أن نخلص إليه هو أن مثل هذا النهج يؤدي إلى طمس وتشويه طبيعة الصراع ومعسكر الأعداء؛ وإلى تشخيص العدو على أساس مكوناته الدينية. ويفضي هذا بدوره إلى اعتبار أن صراعنا هو مع اليهودية (كديانة) واليهود (كأتباع لهذه الديانة) مما يحرف بوصلة نضالنا عن العدو الرئيسي: الصهيوني. كما أن مثل هذا الوهم يفرش الأرضية للتمييز على أساس الدين وتسعير النزعات والأحقاد الطائفية. وعليه، فإنه في أجله البعيد وفي رده الديني على "يهودية" الدولة الصهيونية، يفضي إلى طرح الحلول الدينية والطائفية البديلة في بلادنا والدعوة إلى إقامة كيانات "دينية" كنقيض للكيان الصهيوني، تقوم هي أيضاً على حوامل دينية ونزعات طائفية. ولا يخفى أن مثل هذه الدعوات تلقى الكثير من "الترحيب" والصدى من العديد من القوى والنزعات كما أنها تجد في واقعنا الراهن تربة خصبة لها.
ب ـ عبثية السجال الديني: دون الانتقاص من الجوانب الدينية واللاهوتية والفكرية التي تهم المعنيين والباحثين بهذا الشأن، إلا أن الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية والدحض اللاهوتي للنبوءات التوراتية من منظور توظيفاتها السياسية، يجرنا، بحكم كونه جدلاً دينياً، إلى المحاججة الدينية المعاكسة ويوقعنا في فخ السجال الديني العقيم وتصوير صراعنا مع الصهيونية والغرب الرأسمالي على أنه صراع ديني.
وتتجلى عبثية مثل هذا النهج في أنه يحرمنا من فرصة تقديم نقد موضوعي تاريخي يستند إلى وقائع التاريخ وحقائقه، إضافة إلى أنه يخلق الانطباع بأننا نعادي اليهودية كعقيدة دينية مهما حاولنا تفادي هذا الانطباع الذي تحرص الدعاية الصهيونية دوماً على تعزيزه. ونكون بذلك قد قدمنا للصهيونية سلاحاً مجانياً وإضافياً لإلصاق تهم العنصرية والشوفينية والتعصب الديني بنا وبنضالنا وبقضايانا العادلة. فالعدو الصهيوني غير معني بمثل هذا الجدل الذي مرّ عليه أكثر من قرن، بل لعله معني بالمزيد من إلهائنا وحرفنا عن المعارك الرئيسية.
بالرغم من أن العديد من مفكري الحركة الصهيونية وقادتها السياسيين، بما فيهم مؤسسها ثيودور هرتسل، كانوا من العلمانيين والملحدين، فقد أتقن الصهاينة توظيف الدين ومقولاته في خدمة مشروعهم منذ بداية الفكرة الصهيونية، ولاحقاً في تغذية الهجرة و"الاستيطان" الصهيوني لفلسطين [4]. ولم يتوقف هذا التوظيف يوماً حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وما زلنا نشهده يومياً في نهب الأرض العربية وبناء "المستوطنات" الصهيونية في مرتفعات الضفة الغربية المحتلة. ولم يتوانَ الصهاينة وحاخاماتهم يوماً عن استحضار كل ما أوتوا به من أساطير توراتية لتبرير جرائمهم.
أما دحضنا ومحاججاتنا لمقولاتهم الدينية على مدى قرن من الزمان، فقد ذهبت أدراج الرياح، لأنهم لم يأبهوا يوماً بها. ولعل ما قاله الحاخام ياكوف سافير ونقلته وكالات الأنباء (30 مايو 2009) يعبر عن هذا بجلاء: "إن الانتقادات الدولية "للاستيطان الإسرائيلي" في الضفة الغربية سخيفة لأن الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب أن يرحلوا إلى مكان آخر"، ثم أضاف: "إن هذه الأرض هي أرض يهودية - إنها ديارنا".
أما السجال الديني مع الغرب المسيحي فهو هدر للطاقات لا جدوى منه، بالرغم من الترويج الذي نشهده منذ سنوات لـ"حوار" الأديان والثقافات. فرأس المال لا دين له ولا ثقافة سوى الربح والربح الأقصى. أما السياسة، فهي مصالح اقتصادية وسياسية وإستراتيجية لا تجدي فيها جلسات الحوار الصوفية. وبعد هذا فانه لا يهمنا الكلام المعسول من مفردات الحوار والتسامح... إلى آخر تلك المعزوفة الممجوجة.
الغرب الرأسمالي في مستواه الرسمي، مستوى قواه المهيمنة وطبقاته الحاكمة، معني فقط بمصالحه الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية: نهب ثروات الشعوب والهيمنة على مقدراتها. أما على المستوى الشعبي، مستوى الثقافة الشعبية المسيحية الغربية، فإن الغرب يصدق ما يقوله الصهاينة وحاخاماتهم. وإلى أن نعود إلى هذه المسألة لاحقاً، نكتفي الآن بالقول بأن الغرب قد استدخل المقولات الدينية اليهودية في معتقداته الإيمانية وشعائر عبادته كما في ثقافته ومنظومة قيمه فأصبحت هذه المقولات إحدى المكونات الهامة لهويته الثقافية.
mail@kanaanonline.org
موقع كنعان: http://kanaanonline.org/ebulletin-ar
الهوامش:
1- هي يهودية من حيث مصدرها كمكونات للعقيدة اليهودية، ولكنها أيضاً صهيونية من حيث توظيفها في خدمة الأهداف السياسية للحركة الصهيونية.
2- نقصد بالخرافات، في سياق هذه المقالة، جملة الأساطير والخزعبلات التي تنبع من النبوءات التوراتية اليهودية وتأويلاتها البروتستانتية التي يتمحور حولها السرد اليهودي ـ الصهيوني، وأهم هذه الأساطير: أن اليهود "شعب الله المختار"، وأنه وفقاً "للوعد الإلهي" يتوجب عودة هذا الشعب إلى موطنه الذي وعده الله به، "أرض الميعاد"/ فلسطين، إلا أن هذه العودة لا تتأتى إلا بمشيئة إلهية. وتشكل هذه العقيدة شرطاً ومقدمة ضرورية "لمجيء المسيح الثاني".
3- لا يتسع المجال في هذه المقالة لمناقشة كافة أبعاد الخطاب العربي بجوانبه الإعلامية والسياسية والأخلاقية والقانونية. وعليه، سيقتصر نقاشنا على الخطاب الديني في رده على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية.
4- لعلها مفارقة أليمة أنه في حين أتقن القادة الصهاينة العلمانيون توظيف الادعاءات الدينية، وحذقوا في الجمع بين العلماني والملحد والمتدين المتشدد على خدمة مشروعهم ببراجماتية غير معهودة، نرى أن قادتنا ومفكرينا ومثقفينا يتعثرون في إقامة تحالف قوى المقاومة بمختلف منابعها القومية والإسلامية والاشتراكية.