الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
التوظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (2)
|
15 - 12 - 2009
د. مسعد عربيد |
ملاحظة في مصطلح "الغرب الرأسمالي":
لا ينطلق مفهومنا "للغرب الرأسمالي" من مفهوم عرقي أو عنصري أو إثني أو شوفيني. بل إننا نستخدم مفردة "الغرب الرأسمالي" كمصطلح سياسي من منطلق فهمنا للتناقض الرئيسي في بلادنا على أنه تناقض بين مشروعين متناحرين: (1) المشروع التحرري ـ التنموي ـ القومي العربي، و(2) والمشروع الرأسمالي ـ الإمبريالي ـ الصهيوني الذي يسعى منذ ما ينوف على قرنين من الزمن إلى الهيمنة على بلادنا وشعوبنا بمقدراتها وثرواتها. وعليه، فإن استخدامنا لمفردة الغرب الرأسمالي يدلل على مستويين:
أ ـ الغرب الرسمي: بطبقاته الحاكمة وقواه المهيمنة التي تقود مشروع الهيمنة على بلادنا وشعوب العالم الثالث والعالم بأسره.
ب ـ الغرب الشعبي: ولا نقصد الإنسان والفرد الغربي، بل ما يتضمنه ذلك من ثقافة شعبية ودينية ونظم قيمية وتاريخ وتراث... إلخ. وهذا التحديد لا يعني معاداة الآخر الغربي المسيحي ولا يلغي وجود فئات وقوى سياسية واجتماعية مؤيدة لنضالنا وقضايانا، بل هو يبقي الباب مفتوحاً كي نلتقي مع هذه القوى ونحاورها ونناضل معها ولكن على أرضية برنامج مشترك يقوم على مبادئنا وثوابتنا الوطنية والقومية ويخدم قضايانا العادلة.
تحديات التعامل مع الغرب الرأسمالي:
مركزية اليهود واليهودية في الثقافة الغربية
بدءاً، تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين المقولات التوراتية لدى اليهود كما وردت في الديانة اليهودية، والمقولات الإنجيلية (المسيحية) أي تلك التي تشمل التأويلات والتفسيرات (الحَرْفية) للمقولات التوراتية لدي المسيحيين وعلى وجه الخصوص أتباع الحركات والطوائف البروتستانتية.
وتنبع أهمية المقولات الإنجيلية هذه من أنها تُعتبر أحد المنابع الرئيسية للثقافة السائدة في الغرب. وقد تغلغلت هذه المقولات، على مدى قرون طويلة، إلى الوجدان الغربي ووعيه وثقافته الشعبية السائدة وأصبحت، في نظر الأغلبية الشعبية من المواطنين، "مسلمات" لا يرقى إليها الشك والتشكيك وليست قابلة للجدل أو التساؤل. ومن أهم تجليات هذه المقولات في العقلية والوعي الغربي هو تفرد اليهود وخصوصياتهم كشعب الله المختار وحقهم في العودة إلى الأرض التي وعدهم الله بها.
من هنا ندرك أن "مركزية" الموقع الذي يحظى بها اليهود والادعاءات اليهودية في الخطاب والثقافة الغربيين، تعود في جزءٍ هامٍ منها، إلى العقيدة المسحية في المجيء الثاني للمسيح من أجل الخلاص البشري واشتراط مجيئه هذا بعودة اليهود إلى "أرض الميعاد" وفق المشيئة الربانية لتحقيق هذه النبوءة [1]. بهذا المعنى، فإن خرافة العودة توضح أهمية هذه المقولة ودورها المركزي الذي يحظى به اليهود في الوجدان الغربي، وسيظل اليهود يحتلون هذا الموقع في الثقافة الغربية إلى أمدٍ طويل، حيث أن المجيء الثاني للمسيح مرتبط بعودتهم إلى فلسطين.
من هذا المنطلق فإن الغرب يرى الصهيونية كحركة يهودية جاءت لإحياء الدين والتراث اليهوديين، وكآلية ووسيلة لتحقيق النبوءات التوراتية وتجسيد الحلم اليهودي في العودة. ومن هنا فإن الغرب يرى أن الصهيونية فكرة وحركة قديمة قدم التاريخ.
هذا هو باختصار تفسير المسيحية وخصوصاً البروتستانتية لمقولات جاءت في التوراة ثم تكررت بمجملها في العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين.
خطابنا وخطابهم:
أين نجحوا وأين أخفقنا؟
لقد أتقن الخطاب الصهيوني استخدام وتجيير المفاهيم الغيبية والأساطير التوراتية لتحقيق مشروعه فأدخلها إلى وعي اليهودي واستدخلها هذا الأخير كوسيلة للخلاص اليهودي (الفردي والجماعي)، وتحقيق "الحلم اليهودي" في إقامة "الوطن القومي" في فلسطين، والتخلص من الاضطهاد "الأزلي" لليهود. ولم تنجُ من هذا الوعي المشوه سوى القلة القليلة التي تعارض الصهيونية على خلفيات متعددة من لاهوتية إلى علمانية وسياسية وأيديولوجية. أما الكثرة فقد ابتليت بهذا الوعي المشوه وتجسيده المادي في الكيان الصهيوني ومقولة "حق إسرائيل في الوجود"، فعجزت دون استثناء عن تجاوز هذا "الخط الأحمر" بغض النظر عما أتت به من تبريرات وفذلكات تقدمية ويسارية واشتراكية وماركسية وتروتسكية وغيرها.
لقد فرشت الدعوة والدعاية الصهيونية في ذهن ووعي اليهودي، وإلى حد ما وعي المسيحي الغربي؛ (1) الأرضية لفهم براجماتي لمصالحهم استدخله كل من اليهودي والغربي المسيحي، كل في سياقه، حتى بلغ مواطن الوعي والوجدان (سواء كانت هذه المصالح شخصية أو جمعية، طبقية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو تلبية لرغباتهم أو قناعاتهم العقائدية والدينية، أو دغدغة لمشاعر النفي والمنفى والحنين إلى صهيون... إلخ)، (2) كما أن الصهيونية قدمت لهم مشروعاً وبرنامجاً (سياسياً وتنظيمياً وعملياً) لتجسيد هذه المصالح.
نخلص من هذا إن الصهيونية نجحت عبر سنوات "الاستيطان" وبناء الكيان الصهيوني، في المقاربة المستديمة بين الفكرة والمشروع الصهيونيين من جهة، ووعي اليهود من جهة أخرى (من حيث أنها رأت فيهم مادة "الاستيطان" ووقود المشروع الصهيوني)، وخلقت الآليات لتضليل أتباعها وصهرهم في تنظيمات وجمعيات شحذت جهودهم في خدمة المشروع وأفكاره "ومثله" (نموذج الكيبوتس والهستدروت وغيرهما من آليات التلقين والعمل التنظيمي والدعاوي).
ولعله من نافلة القول تكرار مقولة أن المشروع الصهيوني لم يكن ليحظى بالنجاح دون توظيف العوامل المحلية والإقليمية (في أوروبا الشرقية والغربية) والدولية، ودون التحالف والتلاقي المصلحي (الطبقي والاقتصادي والسياسي) بين القوى البرجوازية اليهودية والحركة الصهيونية من جهة، ومثيلاتها من القوى الاستعمارية والحاكمة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة من جهة أخرى. إلا أن هذا لا ينفي، وينبغي ألا يقلل من أهمية الحقيقة الملازمة للصهيونية وهي أنها قدمت نفسها كممثلة "للمصالح القومية اليهودية" (الفردية والجمعية)، وهكذا استدخلها الوعي اليهودي والمسيحي الغربي، ودأبت منذ بداية فكرتها على مقاربة هذه المصالح مع المشروع الصهيوني عبر:
1) تحقيق مصالح البرجوازية اليهودية (المندمجة والمتحالفة مع البرجوازية الأوروبية)؛
2) الإدعاء بالعمل على تحقيق مصالح فقراء اليهود (البروليتارية اليهودية) في إنقاذهم من الاضطهاد والتمييز وإيصالهم إلى شاطئ الأمان في الدولة الموعودة "وطنهم القومي"؛
3) وأخيراً، وهو ما يهمنا، الولوج إلى وعي اليهودي عبر توظيف الدين والتراث اليهوديين، ومن ثم استدخاله للصهيونية، فكرة ومشروعاً، كمشروع خلاص من الاضطهاد و"كحركة تحرر وطني يهودية" و"كحل" نهائي للمسألة اليهودية عن طريق بناء "الوطن القومي لليهود"، وكذلك استدخال المشروع الصهيوني كتجسيد للنبوءات التوراتية والمشيئة الربانية وتحقيق الحلم الذي طال انتظاره.
الآن يمكننا الانتقال إلى السؤال التالي، وإن لم نكن في معرض المقارنة مع الصهيونية:
إذا كان الخطاب الصهيوني (من حيث توظيفه للدين) قد نجح في تضليل وكسب الجماعات اليهودية والمجتمعات الغربية لأكثر من قرن من الزمان، فهل استطاع ردنا الديني، وهل يقوى، على مقارعة الخطاب الصهيوني؟
وهل تمكن هذا الخطاب من إدخال مشروع تحرير فلسطين إلى الوعي العربي صاحب الأرض والقضية، على غرار ما فعل الخطاب الصهيوني في وعي اليهودي "المستوطن" القادم من بولندا أو روسيا، على سبيل المثال، في مطلع القرن المنصرم؟
هل توفرت لدينا آليات النضال وعوامل الإنجاز (التنظيم السياسي والبرنامج السياسي والعملي والقيادة والرؤية والقدرة على استخدام الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية)؟ وهل بوسع الخطاب الديني أن يخلق الوعي العربي بالمشروع الرأسمالي ـ الإمبريالي ـ الصهيوني وفهم مراميه ومخاطره فهماً مادياً وموضوعياً؟
وبالمحصلة، هل يستطيع الخطاب الديني أن يحرض الجماهير وينظم فعلها؟
لقد جاء خطابنا الديني في مجمله، (والعلماني في بعض الأحيان)، كرد فعل على الخطاب الصهيوني وغرق في استنباط الآيات والأقوال القرآنية والإنجيلية لدحض الخطاب اليهودي ـ الصهيوني. وبالرغم من الأهمية البحثية لمثل هذه الشؤون الدينية، فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن جلَّ ما قيل وكُتبَ في معرض هذا الدحض الديني وما شق طريقه إلى وعي المواطن العربي (في مرحلة يكسوها استدخال الهزيمة وهيمنة الفكر الغيبي)، لم يتجسد في فهم موضوعي للخطاب الصهيوني المعادي ولم يترجم إلى آليات عملية نضالية لمكافحته والرد عليه، ولم يخرج عن آفاق الطروحات الدينية الميتافيزيقية الملقنة. لقد جاء هذا الرد في مجمله، كما أسلفنا، من قبيل السجال الديني والمحاججة واللاهوتية واستخراج الاقتباسات والاستشهادات القرآنية والإنجيلية. وكثيراً ما تم هذا السجال في فضاءِ مشحون بالتعصب الديني وخلط الأوراق والمفاهيم ومعاداة اليهودية والمسيحية أو اليهود والمسيحيين الغربيين كأتباع لهذا الديانات، بدلاً من إدارة الصراع مع القوى والمشاريع والمخططات الاقتصادية والسياسية الرأسمالية الغربية والصهيونية.
رب قائل بأن للدين والمحاججة الدينية دوراً فعالاً في مجتمعاتنا وفي التأثير على المواطن والرأي العام، وهو ما يجيز استخدامهما كأدوات تثقيف للمواطنين وتوعيتهم وتحريضهم على النضال ضد العدو المحتل. ويتابع أصحاب هذه الحجة، إذا كان الصهاينة والغرب الرأسمالي قد سخروا الدين في خدمة أهدافهم على مدى عقود من الزمن، فما الذي يعيب علينا أن نستخدم الأدوات ذاتها؟
لا شك في أن استخدام الدين، كعاملٍ وفاعلٍ وأحد مكونات الهوية الثقافية، يلعب دوراً هاماً وفعالاً في المجتمعات والتقليدية منها على وجه الخصوص، وفي عملية خلق وتكوين الوعي والوجدان، إلا أنه لا يؤسس لمشروع تحرير وطني ابتلى بهذا المعسكر من الأعداء وبعوامل التعقيد والتعثر ما لم تواجهه حركة تحرير وطنية في التاريخ. كما أن توظيف الدين لا يؤسس لفهم موضوعي لطبيعة ومكونات الصراع القائم بين مشروعنا العربي (التحريري ـ النهضوي ـ التنموي) من جهة، والمشروع الرأسمالي ـ الإمبريالي ـ الصهيوني من جهة أخرى. إذ إننا نقف أمام صراع، احتدم على أرضنا لما ينوف على قرنين من الزمن، وكان من أهم عبره ودروسه أنه ليس صراعاً دينياً، وإن اتخذ لبوس الدين واحتقن بالكثير من المظاهر والتجليات الدينية، بل هو مشروع هيمنة رأسمالية ـ إمبريالية يقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين في القلب منه بهدف تجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه، ومن هنا كانت الصهيونية وكيانها وليدة رأس المال العالمي وأداة وظيفية في خدمته.
ما نريد أن نخلص إليه هو أنه ما لم يتوفر لدينا الفهم الموضوعي للنبوءات التوراتية ولتوظيفاتها السياسية، فإن ردنا الديني الداحض، ومجمل خطابنا الدعاوي والإعلامي، لن يعدو كونه جدلاً لاهوتياًً عقيماً لا طائل تحته. وفي هذا، فهو يخدم الدعاية الصهيونية ويغريها إلى المزيد من إلهائنا وهدر جهودنا، ناهيك عن مخاطر الانزلاق في الصراع والتعصب الديني والتأسيس لأصولية دينية أضحت منفلتة في مجتمعاتنا. لن يكتب لنا النصر في نضالنا العادل إذا قام هذا النضال على عكازات دينية دون التأسيس لوعي نقدي جذري وثوري.
لذا نرى أن البحث في حقيقة الصهيونية وتعرية أكاذيبها والرد على النبوءات التوراتية، التي استغلتها أفضل استغلال، لا يتسنى بالرد الديني، بل يجب أن يتجه نحو فضح الصهيونية في مفاهيمها السياسية والاستعمارية و"الاستيطانية" وتحالفها مع رأس المال العالمي، وتجليسها بدقة في الثالوث المعادي: الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية. أما الخرافات الدينية والتوراتية فيجب فهمها من خلال توظيفها لخدمة الأغراض السياسية للصهيونية والإمبريالية الغربية.
ولعل المحك التاريخي الأكثر مصداقية يكمن في السؤال التالي: فماذا حقق الرد الديني حتى يومنا هذا وما هي إنجازاته؟
mail@kanaanonline.org
موقع كنعان: http://kanaanonline.org/ebulletin-ar
الهامش:
1- تجدر الإشارة إلى تشابه الهدف في هذه الدعوة، دعوة خلاص البشر، بين: (1) العقيدة المسيحية في "المجيء الثاني للمسيح"، (2) والعقيدة اليهودية في "مجيء الماشيح"، و(3) العقيدة الإسلامية في المهدي المنتظر وحتمية ظهوره في آخر الزمان "ليملأ الدنيا عدلاً".