(2)

النبوءات التوراتية:
عقيدة "العودة" نموذجاً
"العودة": كذبة تفرخ مسلسلاً من الأكاذيب

الكذب والتزوير ضرورة وسمة أساسية ملازمة لكافة الأيديولوجيات العنصرية والفاشية والاستعمارية، وخاصة "الاستيطانية" والصهيونية. والكذب في هذه الأيديولوجيات يتعدى كونه مجرد وسيلة بل يصبح جزءاً من طبيعتها وبنيتها، وهو لا يعني لوي عنق الحقيقة فحسب، بل اختلاق وفبركة الحقائق والوقائع وابتداع المزاعم وتكرارها إلى أن تتحول إلى مسلمات.

في البدء، كما يوافينا السرد الصهيوني، كان "شعب الله المختار"، ثم كان "المنفى" الذي ولّد حنين اليهود ورغبتهم الأزلية في "العودة" إلى فلسطين. كانت تلك أولى أكاذيب التلفيق والتزوير، التي أضحت إحدى المسلمات التي يكاد يصدقها العالم بأسره، كما يصدق الأكاذيب التي تفرعت عنها. فطالما أن الله قد اختار اليهود ليكونوا "شعبه المختار"؛ فلا بد، أن يكون لهذا الشعب "بلداً"، فكان أن وعد الله هذا الشعب بالعودة إلى وطنه ـ "أرض الميعاد" ـ والتي ستبقى بانتظاره. ويسهل بعد ذلك الاسترسال في مسلسل الأكاذيب لتصب في غاية واحدة: استدامة وتأبيد "الحلم الصهيوني".

ولم تتوقف الخرافات عند هذا الحد من "النبوءات" التوراتية بل تعدته إلى بث التلفيقات التي ادعت أن اليهود سعوا خلال آلاف السنين للعودة إلى فلسطين. وفي أحشاء هذه الأكاذيب ولدت كذبة أخرى مؤداها أنه بفضل الحلم اليهودي القديم والأزلي في العودة فإن حلم إنشاء الدولة اليهودية قديم أيضاً، وأن الصهيونية ـ حاملة فكرة العودة وممثلة تلك الرغبة اليهودية، هي قديمة قدم التاريخ [1].

هكذا، بإيجاز شديد، توالت مشاهد الأكاذيب الصهيونية واحدة تلو الأخرى.

نشأة فكرة "العودة" في العقيدة اليهودية
التزامن بين العودة والصهيونية:

يدعي المؤلفون والمؤرخون الصهاينة أنه من أجل فهم "العودة" (التي جاءت الصهيونية لتعبر عنها) ينبغي الرجوع إلى قديم التاريخ، إلى القرن الثامن ق. م. حين سقطت "إسرائيل" أمام هجوم قوات الملك الآشوري سرجون الثاني، في حين يذهب بعضهم إلى أن "العودة" رأت النور في مرحلة سبي اليهود بعد هدم الهيكل من قبل نبوخذ نصر أي في القرن السادس قبل الميلاد [2]. ومهما تنوعت الاجتهادات، فليس لهذه الأكذوبة سوى غاية واحدة: عقد التزامن والتطابق بين "فكرة العودة" من جهة، والصهيونية من جهة ثانية، من حيث أن هذه الأخيرة جسدت فكرة ومشروع عودة اليهود إلى أرضهم الموعودة، فلسطين. وعلى الرغم من سخافة هذا الافتراض، إلا أنه نجح في تكريس وتصديق الزعم القائل بقدم رغبة اليهود في العودة إلى فلسطين وولادة الصهيونية كفكرة تجسد هذه الرغبة. بعبارة أخرى، فإن ما يريد أن يؤكده لنا السرد الصهيوني هو تزامن نشوء "العودة" و"الصهيونية" عبر التاريخ، وهو ما يؤسس لابتداع "تاريخ يهودي في النضال نحو تحقيق الحلم". والأدلة على هذا الابتداع كثيرة عبر تاريخ الصهيونية، نورد فيما يلي بعضاً منها:

- يقول ناحوم سوكولوف: "إنها حقيقة بسيطة.... بدأ تاريخ إسرائيل بالصهيونية. ويبين هذا التاريخ في الأزمنة السحيقة طريق تحقيق الصهيونية... فالخروج من مصر كان مثلاً للجمع بين الهجرة والكولونيالية [أي استعمار الأرض ]... والعودة من بابل كانت حدثاً صهيونياً عظيماً" [3].

- أما بن غوريون، فيقول يوم إعلانه تأسيس الكيان الصهيوني، 15 أيار 1948، ما يسميه "الإسرائيليون" "إعلان الاستقلال": (لقد كانت أرض "إسرائيل"، "أريتس إسرائيل"، مسقط رأس الشعب اليهودي. هنا صاغ اليهود هويتهم الروحية والدينية والسياسية. وهنا أقاموا دولتهم للمرة الأولى، وشكلوا القيم الثقافية ذات الأهمية الوطنية والإنسانية ومنحوا العالم كتاب الكتب الأزلي).
ويتابع بن غوريون قائلاً: (وعليه، فنحن أعضاء مجلس الشعب وممثلو اليهود في "أريتس إسرائيل" والحركة الصهيونية، الملتئمين في هذا اليوم، يوم جلاء الانتداب البريطاني عن "أريتس إسرائيل"، واستناداً إلى حقنا الطبيعي والتاريخي، وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، نعلن هنا تأسيس الدولة اليهودية في "أريتس إسرائيل" لتعرف باسم دولة "إسرائيل").

- أما نتنياهو فيعود ليؤكد على المقولة اليهودية- الصهيونية، قائلاً: "لكن حقنا بإقامة دولتنا هنا، في أرض "إسرائيل"، ينبع من الحقيقة البسيطة: هذا وطن الشعب اليهودي، وهنا تَشكَلّ وعيه" [4].

معنى "العودة" في العقيدة اليهودية:

لم تكن "أرض الميعاد"، حسب المعتقدات الدينية اليهودية، تعني جغرافية فلسطين، بل كانت مفهوماً يعبر، من منظور تلك العقيدة، عن أرض لاهوتية افتراضية لا جغرافية. وعليه، فإن العودة في اليهودية لا تعني العودة إلى فلسطين. ناهيك عن أن اليهود يؤمنون بأن العودة إلى "أرض الميعاد" ستتحقق عند "مجيء المسايا" (المسيح المخلص) وبمشيئة ربانية.

صحيح أن الأنبياء تحدثوا عن تجميع بقايا اليهود من شتى بقاع الأرض، وادعوا بأن الرب سيعيد شعبه إلى أرضهم في جبل صهيون، إلا أن ذلك ارتبط عبر الأجيال بالمعنى الديني بقدوم المسيح وحلول الآخرة. إلا أنه "بمرور الأجيال وإخفاق حسابات المتدينين لتحديد موعد "اليوم الآخر" ساد اقتناع الطوائف اليهودية أن معجزة قدوم المسيح المرتقب ستحل في موعدها بإرادة الرب ولذلك فمن التطاول والتجديف السعي للإسراع بها، ولم يتخل المتدينون عن هذا الرأي وقاوموا الصهيونية حتى وقت متأخر جداً" [5].
وجدير بالذكر، في هذا المقام، أن الراب منشي بن إسرائيل الذي سافر إلى إنجلترا في القرن السابع عشر ليسترحم حاكمها كرومويل كي يسمح باستيطان اليهود في تلك البلاد، كان يعلن أن على اليهود أن ينتشروا في أربعة أطراف المعمورة قبل أن يعيدهم الرب الإله إلى "ارض الميعاد" [6].

واعتماداً على تراث القرن التاسع عشر، لاحظ الباحثون "أن الوعد بقدوم المسيح افترض ألا يقوم اليهود بأي عمل لإعادة سيادتهم (القومية)، فعليهم أن يواصلوا رسالتهم بين الأمم على اعتبار أن الخلاص سيأتي من جرّاء تدخل إلهي". ويرى د. إميل توما أن التدقيق التاريخي يكشف "أن ترقب المسيح بين الطوائف اليهودية، الذي كان يقترن طبيعياً بالعودة إلى صهيون، كان يشيع في أقطار عينية وفي تواريخ محددة (في سورية في القرنين السابع والثامن، وفي إسبانيا في القرن الحادي عشر). في حين كانت الطائفة اليهودية في ذلك القطر أو ذاك وفي التاريخ المعين، تعيش في ظروف صعبة، تتوق إلى الخلاص فتتشبث بالمسيحية [أي فكرة قدوم المسيح المخلص ـ م. ع] وفكرة العودة إلى صهيون". ويتابع توما: "ولكن هذه الفكرة كانت دينية ولذلك لم تتجسم تنظيمياً إلا في حالات قليلة جداً وفي أقاليم عينية. وهكذا تجسمت في سورية تنظيماً في القرنين السابع والثامن، وكانت اشتياقاً دينياً شائعاً في إسبانيا في القرن الحادي عشر، وهذا الشكل التنظيمي لم يتجاوز بضع حالات اندثرت عبر القرون وانتهت في القرن السابع عشر" [7].

أما المرحوم د. عبد الوهاب المسيري فيخلص إلى أنه رغم الاختلافات في وجهات النظر والتأويلات اليهودية والحاخامية لعقيدة العودة، "على وجه العموم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية قد قبلوا وجودهم في الأوطان التي كانوا يعيشون فيها، وأن الحديث عن المنفى أصبح جزءاً من الخطاب الديني، وأصبحت العودة تطلعاً دينياً وتعبيراً عن حب صهيون أي تعبيراً عن التعلق الديني بالأرض المقدسة وهو تعلق ذو طبيعة مجازية، لا يترجم نفسه إلى عودة حرفية إلى فلسطين، حتى وإن خلق استعداداً كامناً لذلك" [8].

يتضح من هذا، وهو ما نود الإشارة إليه، الفرق بين الشوق والحنين الديني إلى صهيون، من جهة والصهيونية كأيديولوجية وحركة سياسية تسعى إلى إقامة "مستوطنة" يهودية في فلسطين، من جهة ثانية [9]. ولا يغير في الأمر شيئاً أن الصهيونية السياسية اقتبست هذا الشوق أو الحنين، بل يؤكد أنها استخدمت الدين اليهودي والنبوءات التوراتية في أغراضها السياسية وسخرتها في ابتداعها لفكرة "الشعب اليهودي" وعودته.

التأويل البروتستانتي "للعودة":

ظل مفهوم العودة في العقيدة اليهودية، كما رأينا، مقتصراً على "الحنين إلى أوراشليم" و"الشوق إلى صهيون" "وإلى مجيء المسايا" بدلالاته الإيمانية واللاهوتية، حتى مجيء الجماعات الإنكليزية البيوريتانية والحركات البروتستانتية، التي شاعت في أوروبا وخاصة في إنكلترا ثم هاجرت لاحقاً إلى أميركا الشمالية، والتي ابتدعت تأويلات الخرافات والأساطير التوراتية واستدعت التفسيرات الحرفية لها، فتحولت فكرة العودة من "تطلع ديني روحاني" إلى عودة فعلية أي "استيطانية" إلى فلسطين تبلورت لاحقاً، بعد ما ينوف على ثلاثة قرون، في المشروع الصهيوني "الاستيطاني" في فلسطين.

ومع أن الصهيونية السياسية فكرة غير يهودية [10] في جذورها ونشأتها، إلاّ أن هذا لا ينفي أن الديانة اليهودية قد زودتها (الصهيونية) بالعودة كعقيدة دينية إيمانية، ثم قامت الصهيونية بنسج حبال الأكاذيب والأوهام حول هذه الكذبة فابتدعت "القومية اليهودية" على أسس دينية خرافية، بغية إيقاظ الحنين لصهيون وأرض الميعاد واجتذاب اليهود الفقراء وتهجيرهم إلى فلسطين، مستغلة أوضاعهم البائسة في بناء القاعدة "الاستيطانية" هناك.

أما المفارقة التاريخية اللافتة فهي أنه فيما غرق مسيحيو الحركات البيوريتانية والبروتستانتية في هذه الخرافات والخزعبلات، كانت الجماعات اليهودية تجهد في البحث عن الاستقرار والاندماج في المجتمعات التي تواجدت فيها، ولم يشهد تاريخهم، حتى ولادة الصهيونية الهرتسلية (1897)، أن قامت بينهم حركات سياسية تطالب بالعودة إلى فلسطين. وحتى عبر فترات الاضطهاد الذي عانت منه الطوائف اليهودية، لم تنشأ أيديولوجيا صهيونية ولا حركة تدافع عن اليهود أو تدعو إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أو في غيرها، بل ظلت فكرة العودة إلى أرض الميعاد محصورة في إطارها "الإلهي" اللاهوتي واقتصرت على مشاعر الحنين الدينية.

وعليه، فبالإضافة إلى انتفاء الدعوة الدينية اليهودية (التي كانت تنتظر قدوم المسايا حسب المشيئة الربانية) وغياب المطالبة السياسية (التنظيم السياسي والبرنامج الذي يضطلع بإنجازها)، فإن اليهود لم يسعوا، عبر محطات تشردهم للعودة إلى فلسطين، ولم يقصدوها عبر موجات ترحلهم وهجراتهم على مدى القرون المديدة.

mail@kanaanonline.org
موقع كنعان: http://kanaanonline.org/ebulletin-ar

الهوامش:


1- يقول جاستيس ل. برانديس، أحد كبار قادة ورواد الصهيونية في الولايات المتحدة، "منذ هدم الهيكل، قبل حوالي ألفي سنة، ظل اليهودي يحن أبداً إلى فلسطين". انظر يوري إيفانوف، "احذروا الصهيونية"، منشورات وكالة أنباء نوفوستي، موسكو، 1969، ص 11.
2- حسبما يدعيه نورمان بنفيتش. انظر يوري ايفانوف، المرجع السابق، ص 13.
3- ناحوم سوكولوف: "تاريخ الصهيونية"، الجزء الأول، ص 15. ورد في كتاب "جذور القضية الفلسطينية"، د. إميل توما، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1973، ص 17.
4- يعقب الباحث الفلسطيني في الدراسات اللاهوتية أحمد أشقر على قول نتيناهو هذا: "ولا يذكر أن الدراسات والأبحاث المعاصرة تنفي وجود الآباء! فـ"نتنياهو" يتخيّل التاريخ ليصبح واقعاً. والأخطر هو، إنكار تاريخ الآخرين: نحن العرب، التي تزال تحفظه حجارة هذا الوطن وذاكرته الحيّة. أقواله تعتبر جوهر اليهودية والصهيونية ودولة "إسرائيل"، فهُم واحد في كل ما يخصّ أوجه العدوان علينا".
انظر أحمد أشقر: "نتنياهو للعرب: حربُنا ضدّكم أبدية!"، نشرة كنعان الإلكترونية عدد 1949، الموقع الإلكتروني لـ"كنعان":
www.kanaanonline.org
5- إدجار دوغديل، "وعد بلفور: أصوله وخلفيته"، ص 8، ورد في كتاب "جذور القضية الفلسطينية"، د. إميل توما، المرجع السابق، ص 19.
6- ناحوم سوكولوف، المرجع السابق، ص 17 ـ 18. ورد في مرجع د. توما ص 27.
7- د. إميل توما، المرجع السابق، ص 18 ـ 21.
8- د. عبد الوهاب المسيري، "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، مجلد 2، الجزء الثاني، "يهود أم جماعات يهودية؟"، دار الشروق، القاهرة، 1999، ص 96.
9- تشكل عقيدة العودة جزءاً من العقيدة الإيمانية اليهودية مثلما هي عودة المسيح لدى المسيحيين أو قدوم المهدي المنتظر لدى المسلمين.
10- للاستفاضة راجع مقالة "الأصل غير اليهودي للصهيونية"، محمد ولد المى ألياسينى، ترجمة مسعد عربيد، مجلة "كنعان"، العدد 113، نيسان 2003.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك