المعارضة اليهودية لفكرة "العودة":

كان من الطبيعي أن تواجه الصهيونية في المراحل المبكرة عداءً سافراً من فئات وتيارات يهودية متعددة شملت المتدينين والليبراليين والثوريين والاشتراكيين وقطاعات كبيرة من الجماهير اليهودية الفقيرة، حيث لم يقتنع هؤلاء بأن الخرافات التوراتية كفيلة بأن تشكل أساساً للوطن القومي أو أن ذلك الوطن المنشود سينهي الاضطهاد ويوفر لهم الأمن والاستقرار.

لقد ألمحنا إلى أن الكثيرين من اليهود الأرثوذكس عارضوا (وما زالوا يعارضون) فكرة الصهيونية ومشروعها لأنهم رأوا فيها تحدياً للإرادة الإلهية وتدخلاً بشرياً بغية التعجيل بقدوم النبوءة. إضافة إلى أن الكثير من الباحثين والحاخامات أكدوا أنه لا وجود لأية إشارة "لمبدأ أو عقيدة العودة إلى فلسطين"، في "كافة المحاولات التي تمت في العصور الوسطى لصياغة عقيدة يهودية" [1].

اشتبك أصحاب الحركات الاندماجية والتنويرية اليهودية، في معارضتهم للصهيونية، ورأوا في "العودة إلى صهيون" مجرد فكرة روحية دينية لا رغبة حرفية، ونادوا بأن إزالة "واقع المنفى المؤلم والمؤقت" يجب أن تكون من خلال الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود [2].

أما فقراء اليهود فقد رأوا مهمتهم في الانخراط في النضال الثوري والاشتراكي من أجل تحقيق العدالة ومحو الاستغلال سوية مع القوى الثورية الساعية إلى التغيير في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها.

(3)
العودة:
من مشيئة ربانية إلى مشروع "استيطاني":

ظهرت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر في سياق اجتماعي وتاريخي أوروبي اتسم بالصفات الرئيسية التالية:

1) صهينة فكرة "العودة": ذكرنا سابقاً أن فكرة "العودة" بتفسيرها المتصهين أصبحت تعني العودة إلى "أرض الميعاد" أي فلسطين، وأنها لم تكن يهودية في الأصل بل مسيحية بروتستانتية، ولم تولد في ألمانيا أو بولاندا أو روسيا حيث كانت تقيم أغلبية يهود أوروبا والعالم [3]، بل كانت قد نمت أولاً في إنجلترا والتي لم يكن فيها آنذاك سكان يهود [4]، ثم ارتحلت عبر الأطلسي مع الحركات البيوريتانية والبروتستانتية إلى المستوطنة الأوروبية البيضاء حديثة العهد آنذاك: الولايات المتحدة الأميركية والتي لم يكن فيها يهود أيضاً.
انتقل تفسير "العودة"، بفضل تسييس المعتقدات الدينية الذي بشرت بها ودعت إليها الحركات المسيحية البروتستانتية، من فكرة يرتهن تحقيقها بالمشيئة الإلهية إلى مشروع بشري (سياسي) مرهون بالإرادة والفعل البشريين، وبهذا يكون الإصلاح البروتستانتي قد كرس التأسيس الديني ومهد السبيل للمشروع الصهيوني "الاستيطاني" في فلسطين.

2) أوضاع الجماعات اليهودية في أوروبا: شهدت الجماعات اليهودية المقيمة في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر العديد من المخاضات والمتغيرات العميقة كان أهمها:
ـ تحالف البرجوازية اليهودية واندماجها وتلاقي مصالحها مع البرجوازيات الأوروبية الحاكمة والمهيمنة؛
ـ صعود الحركات الاندماجية اليهودية وحركات الإصلاح الديني اليهودية الداعيتين إلى رفض فكرة المنفى؛
ـ انخراط فقراء اليهود في نشاط الحركات الثورية والاشتراكية في المجتمعات التي كانوا يقيمون فيها.

3) المعارضة اليهودية للصهيونية: رفض دعاة حركة التنوير اليهودية (الهاسكالا) التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر والحركات اليهودية الاندماجية فكرة القبول "بالمنفى" ونادوا بالكف عن الانتظار السلبي "للماشيح" [5]، وحثوا اليهود على أن يحصلوا على الخلاص بأنفسهم. ومع الإرهاصات الأولى للحركة الصهيونية كانت مسألة "العودة" في التجمعات اليهودية الأوروبية قد حسمت بين:
ـ اليهود "الاندماجيين" الذين نادوا بانصهار اليهود في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها واعتبروا العودة فكرة لاهوتية مثالية؛
ـ "والانفصاليين" الذين دعوا إلى أن يعمل اليهودي بنفسه للعودة إلى أرض الميعاد دون انتظار الأمر الإلهي.

4) الأوضاع الأوروبية: اتسمت الأوضاع الاجتماعية والسياسية في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، باحتدام المعارك الطبقية للحركة البروليتارية العالمية وتحول الفكر القومي الأوروبي إلى حركات عنصرية واستعمارية وشوفينية، وانتقال النظام الرأسمالي إلى حقبة الإمبريالية. ففي خضم هذه الإرهاصات، ولدت الفكرة الصهيونية السياسية واتخذت من التراث الديني اليهودي ما يتفق وغاياتها السياسية وأوَّلت المفاهيم اللاهوتية والدينية المجازية إلى مفاهيم حَرْفية تستدعي التنفيذ الفعلي هادفة إلى ترسيخ الادعاءات التالية:

أ ـ ترسيخ الأفضلية والاستثنائية اليهودية ("استثنائية الشعب اليهودي") كشعب مختار على السكان الأصليين للمستوطنة الموعودة في فلسطين.
ب ـ ترسيخ كذبة أخرى كامنة في كذبة العودة، إن اليهود أينما كانوا وبالرغم من تعدد خلفياتهم الثقافية والحضارية والعرقية، هم شعب واحد تشتت وابتلي بأمراض المنفى. وعليه فحل مشكلته، تقول الكذبة، يكون في إقامة وطن قومي يهودي، يعيد لهذا الشعب وحدته المهدورة ويشفي اليهود من أمراض وتشوهات المنفى.

في هذا السياق جاء ثيودور هرتسل، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ليأخذ معنى العودة بدلالاتها السياسية البراغماتية ويوظفها في خدمة الحركة الصهيونية. وبالرغم من هيمنة الأثرياء اليهود على المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية (بازل، سويسرا عام 1897)، واعتماد هرتسل على دعم البرجوازية اليهودية، فإنه كان يدرك أن إقامة "الدولة اليهودية" المزعومة كان يتطلب أكثر من مجرد أموال روتشيلد وغيره من أثرياء اليهود (والتي بلغت ما يكفي لبناء عشرات الدول مثل فلسطين). فقد تطلب مشروع "استيطان" فلسطين، بالإضافة إلى أموال البرجوازية اليهودية، استعداد ولو قسم من اليهود للانتقال إلى هذا البلد، ناهيك عن الدعم العسكري الذي سعى هرتسل لتأمينه من الدول الإمبريالية.

لقي هذا التوجه ارتياحاً لدى البرجوازية اليهودية، وتحقيقاً لمصالحها، فقد أدركت هي الأخرى أن النجاح لن يكتب للمشروع الصهيوني إلا إذا انتشرت الدعوة بين فقراء اليهود ولقيت دعمهم لأنهم يشكلون موضوعياً مادة الهجرة اليهودية والوقود البشري للمشروع الصهيوني "الاستيطاني".

كان لابد لهرتسل ومنظمته الناشئة المتحالفة مع البرجوازية اليهودية، أن يقدموا مشروعاً لحل المسألة اليهودية وإقامة الدولة اليهودية الموعودة يجمع بشكل متكامل كلاً من المكونات الدينية/ التراثية اليهودية من جهة، والأهداف السياسية من جهة أخرى. هكذا كانت ولادة الصهيونية الهرتسلية التي جمعت "المشترك" الديني/ التراثي والسياسي في تنظيم ومشروع سياسي واحد:

* فعلى المستوى الدين/ التراثي ادعت الصهيونية بأنها جاءت لتجديد العقيدة والتراث اليهوديين وإحياء الحلم اليهودي في العودة إلى الأرض الموعودة؛
* وعلى المستوى السياسي بلورت برنامجاً سياسياً وظف الادعاءات الدينية والتراثية، مما ضمن للبرنامج الصهيوني القبول والدعم الواسعين بين الجاليات اليهودية في أوروبا وخاصة الشرقية منها.

mail@kanaanonline.org
موقع كنعان: http://kanaanonline.org/ebulletin-ar

الهوامش:


1- د. عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق، 96.
2- يذكر أن بعض القوى اليهودية الإصلاحية قامت بإلغاء الصلوات اليهودية التي كانت تذكر اليهود بصهيون.
3- كان قد مرّ ما يقارب مائة عام منذ عهد أوليفر كرومول حتى بلغ تعداد اليهود في إنكلترا اثني عشر ألفاً، كما مرت مائة عام أخرى حتى بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفاً. بينما يبين الإحصاء السكاني للإمبراطورية الروسية لعام 1897 أن عدد اليهود قد بلغ في تلك السنة 5،189،401 يهودي (أي ما يعادل 4.13 % من مجموع سكان الإمبراطورية). راجع محمد ولد ألمى ألياسينى، الأصل غير اليهودي للصهيونية، ترجمة مسعد عربيد، مجلة "كنعان"، العدد 113، نيسان 2003، ص 45.
4- كانت إنجلترا في منتصف القرن السابع عشر (عام 1649) خالية من اليهود. ومع ازدياد اهتمامها باليهود ذوي الأصول الأندلسية والذين فروا من الأندلس بعد سقوط غرناطة (1492) وبسبب تنامي تطلعاتها الاستعمارية ومنافستها مع الدول الاستعمارية الأوروبية الأخرى، صدر إعلان إنكليزي جاء فيه أن أمة إنكلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم، إبراهيم واسحق ويعقوب، لتكون ميراثاً لهم إلى الأبد!
5- عقيدة الماشيح هي من أهم العقائد اليهودية. والماشيح عند اليهود "ملك من نسل داود سيأتي في نهاية التاريخ ليجمع شتات اليهود المنفيين ويعدو بهم إلى الأرض المقدسة ويحطم أعداء إسرائيل ويتخذ أوراشليم عاصمة له ويعيد بناء الهيكل". انظر يوسف أيّوب حداد، "هل لليهود حق ديني أو تاريخي في فلسطين"، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، يناير 2004، الجزء الأول، ص 287.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك