6) العودة وفبركة "قاعدة الإنتاج":

كيف أصبح الاستيطان الاستعماري "مهمة بروليتارية"؟

جهد الصهاينة في تحريف الماركسية وفكرها لخدمة أهداف الحركة الصهيونية [1]. فنظَّروا أن ظروف الإنتاج (والمقصود هنا البيئة الجغرافية التي تعمل عليها مجموعة من الناس) تشكل أساساً لتطوير "نظرية مادية بحتة حول المسألة القومية"، وأن هدف الصراع الطبقي هو انتزاع الممتلكات والسيطرة على وسائل الإنتاج المادية. وكي يتم تسخير فقراء اليهود في خدمة المشروع الاستيطاني ـ الإمبريالي وإجهاض الصراع الطبقي وتزييف طبيعته وأطرافه المتصارعة، كانت المزاوجة بين مصالح الطبقتين، البرجوازية والبروليتاريا اليهوديتين، بطرح الأوهام والادعاء بأن إقامة "المستوطنات" في فلسطين تضمن مصلحة كل من هاتين الطبقتين كما توفر الفرصة للنمو الطبيعي للصراع الطبقي بين اليهود وتأمين الظروف المناسبة للإنتاج. كان لا بد، إذن، من البحث عن قاعدة ما، عن أرض ما، يجري عليها هذا الإنتاج [2]. هكذا تمت فبركة "قاعدة الإنتاج" بتوظيف مقولة "العودة".

وفي رحاب هذا التنظير "الماركسي" التقت: (1) المصالح الصهيونية في خلق الأرض ـ قاعدة الإنتاج ـ وإقامة "الوطن اليهودي القومي" في فلسطين، و(2) مصلحة البرجوازية اليهودية التي تمثلت في تهجير البروليتاريا اليهودية إلى خارج أوروبا وإبعادها عن الحركات الثورية والاشتراكية التي كانت تناضل ضد مصالح البرجوازية اليهودية والأوربية، و(3) المصلحة الاستعمارية في الوطن العربي. وعليه، أضحى الهدف في "استيطان" أرض فلسطين، كمنظور المحرفين الصهاينة، "واجباً بروليتارياً" تُرجم في الهجرة الصهيونية لبناء "قاعدة الإنتاج" التي تمثل مصلحة البروليتاريا اليهودية، ناهيك عن أن هذه القاعدة/ الأرض المستعمَرة توفر الظروف المناسبة لعملية الإنتاج واستثمار الرأسمال اليهودي والغربي في فلسطين والتوسع إلى كافة أرجاء الوطن العربي مستقبلاً.

7) جدلية "العودة" والاندماج:

ضرب الحركة الاندماجية بين اليهود:
وقفت الصهيونية ضد اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، ونظرّت لاستحالة هذا الاندماج نظرياً وتاريخياً وعملياً:

1) فهي لم ترَ في الاندماج خلاصاً من الاضطهاد ولا حلاً للمسألة اليهودية لأنه (الاندماج) لا يعدو كونه إحراز بعض الحقوق المدنية والحريات الديمقراطية ومساواة اليهود مع كافة المواطنين الأوروبيين، بل نظّرت لكون المسألة اليهودية في جوهرها مسألة قومية ولذا فإن الحل لا يقوم إلا بإنشاء وطن قومي لليهود.

2) ادعت الصهيونية أن المجتمعات الأوروبية، على الرغم مما يبدو من مظاهر الاندماج، ستعود إلى اضطهاد اليهود والتمييز ضدهم لأن "معاداة السامية أزلية"، لذا فليس هناك حل أمام اليهود سوى فصلهم جغرافياً واجتماعياً في دولة يهودية خاصة بهم ولهم فقط. وفي سبيل هذا المسعى، التخلص من "الاضطهاد الأزلي"، جاءت ضرورة "العودة" كركيزة أيديولوجية ولاهوتية في المشروع الصهيوني.

أما اليهود الاندماجيون فقد عارضوا الصهيونية، كما أسلفنا، منذ مراحلها المبكرة ورأوا في دعوتها لتهجير اليهود تنازلاً عن حقوقهم وتخلياً بل هدراً لإنجازاتهم في المجتمعات التي عاشوا فيها لقرون، كما وجدوا في تلك الدعوة رضوخاً للا سامية لأن هجرة اليهود بمدلولها العملي كانت تعني استجابة الصهيونية لشرعية ومصداقية دعوة اللا سامية للتخلص من اليهود وطردهم. وعليه، ولضمان نجاح الفكرة والمشروع الصهيونيين بين الجماعات اليهودية في أوروبا، كان لا بد من إعاقة الاندماج والقضاء على كافة أشكاله وتسعير حملات القمع والاضطهاد المعادية لليهود وتسخيرها (خاصة في أوروبا الشرقية وروسيا) لإثبات فشل واستحالة الاندماج وتعزيز مشروعها في تهجير اليهود إلى فلسطين.

خاتمة:

الهجرة اليهودية: تحقيق للنبوءات التوراتية أم بحث عن لقمة العيش؟

منذ أخذ اليهود بالهجرات إلى أوروبا ومروراً باضطهاد اليهود في الأندلس وطردهم منها بعد انهيار الدولة الإسلامية وسقوط غرناطة عام 1492، وصولاً إلى سنوات الاضطهاد والقمع في القرن التاسع عشر في أوروبا، فإن وقائع التاريخ تشهد بأن اليهود ترحلوا بدوافع اقتصادية واجتماعية أوضاعهم وبسبب مواقعهم الاقتصادية والمزاحمة بين القوى المتنافسة في المجتمعات الأوروبية. فاليهود لم يواجهوا الاضطهاد لدوافع دينية، وإن لم تخلُ حملات الاضطهاد والتمييز هذه كغيرها من الأزمات التي تمر بها المجتمعات البشرية، من دوافع التمييز الديني والشوفينية والعنصرية والعرقية. فقد كانت العوامل الاقتصادية (الحرف التي تعاطتها أغلبية اليهود كالتجارة والربا والصيرفة)، والبحث عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من الأسباب الرئيسية في موجات هجرة اليهود المتلاحقة إلى عواصم الإمبراطوريات القديمة. ويشهد التاريخ بأن "أرض الميعاد" لم تكن قبلة ملايين اليهود المتطلعين للهجرة، بل نراهم قد اتجهوا نحو أميركا المزدهرة حيث توفرت عوامل الاستقرار الاقتصادي والأمن الاجتماعي.

هاجر اليهود، إذن، عبر العصور، كما كافة الشر طلباً للرزق وبحثاً عن لقمة العيش والأمن الاجتماعي والاقتصادي. وللتدليل على ما نقول، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نقدم مقارنة موجزة بين حالتين: هجرة اليهود إلى فلسطين بعد ظهور الدعوة الصهيونية، من جهة، وهجرتهم إلى الولايات المتحدة في فترة تاريخية مشابه، من جهة أخرى.

الهجرة إلى فلسطين:
بلغ عدد اليهود في فلسطين عام 1880، قبل الغزوة الصهيونية لفلسطين، (23) ألفاً، إلا أنه ارتفع بعد موجتي الهجرة الأولى (1882 ـ 1903) والثانية (1903 ـ 1913) حتى وصل في عام 1914، عام اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلى (85) ألفاً. وما إن حلّت الحرب العالمية الأولى وما تسببت به من تدهور الحالة الاقتصادية في البلاد حتى انخفض عدد اليهود في فلسطين من 85 ألفاً عام 1913 إلى 66 ألفاً عام 1918 [3]. وحتى بعد صدور وعد بلفور عام 1917 أخفقت الصهيونية في إقناع اليهود بالهجرة إلى فلسطين حيث "وطنهم القومي" الموعود، بل اتجهت الهجرة اليهودية وخاصة الروس منهم نحو الأميركيتين وأستراليا وكندا وجنوب إفريقيا بدل الهجرة إلى فلسطين [4].

الهجرة إلى الولايات المتحدة:
مقابل معطيات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، نرى أن الولايات المتحدة استقبلت في فترة مشابهة (بين عامي 1880 ـ 1924) ما يقارب 2 و2 مليون يهودي، أغلبيتهم من فقراء الريف الروسي، من أصل 24 مليون مهاجر دخلوا الولايات المتحدة في تلك الفترة قادمين من كافة أنحاء العالم. ولا يخفي ما بين هاتين الحالتين من فارق كبير:

- ففي حين كانت فلسطين آنذاك تحت الاحتلال العثماني وتعاني من مخلفات قرون من الفقر والتخلف وويلات الحرب العالمية الأولى؛
- كانت الولايات المتحدة الأميركية تشهد ازدهاراً اقتصادياً وصناعياً لا يضاهى [5].

وبعد، فأين هي "عودة" اليهود إلى أرض الميعاد في واحدة من أكبر موجات الهجرة في التاريخ؟ وهل كانت الهجرة اليهودية تنفيذاً لعقيدة "العودة" وتحقيقاً للنبوءات التوراتية، أم بحثاً عن لقمة العيش؟

mail@kanaanonline.org

الهوامش:


1- للاستفاضة في أطروحات موسس هس وبور بوروشوف وغيرهما من دعاة ما يسمى "الصهيونية الاشتراكية"، راجع أديب ديمتري: "العرقية الصهيونية وتيار القومية الرجعية"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 94، سبتمبر 1979، ص 44 ـ 58.
2- أما حقيقة أن هذه الأرض تنتمي لشعب آخر، وأن البروليتاريا اليهودية المزعومة كان عليها أن تهاجر إلى تلك الأرض لتستوطنها وتصبح قوة مستعمِرة مضطهِدة لشعب آخر، فهي أسئلة لم تقلق "الماركسيين" الصهاينة.
3- إلياس سعد: الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969، ص 15 ـ 19.
The estimated Jewish population of Palestine between 1882 and 1922 was:
24,000 (1882), 47,000 (1895), 50,000 (1900), 81,000 (1910, 85,000 (1914), 56,000 (1916 – 1918), 83,794 (1922). See Hadawi, S., John, R., The Palestinian Diary - Volume One 1914-1945, The Palestine Research Center, Beirut, Lebanon. 1970, P. 15.
ويكاد يتفق معه في هذه المعطيات مصدر يهودي أميركي:
The Jewish Virtual Library is a division of the American-Israeli Cooperative Enterprise. URL location: http://www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/Immigration/Second_Aliyah.html
4- بديعة أمين، المرجع السابق، ص 56.
5- أوجز أحدهم أسباب هجرة اليهود الروس إلى أميركا في: البحث عن مستقبل أفضل وحياة أسعد، جني ثمار التقدم الصناعي والتكنولوجي في أميركا، تحقيق الحلم الأميركي في الحرية والذهب والثروة، والهروب من حملة العداء للسامية وحملات القمع في روسيا القيصرية. انظر:
Jerry Klinger: “The Russians are Coming, in America Jewish History 1880 – 1924, The Jewish magazine.
URL: http://www.jewishmag.com/85mag/usa8/usa8.htm
The author is the President of the Jewish American Society for Historic Preservation.

بعض المراجع الهامة:


كتب:

1- يوسف أيّوب حداد، "هل لليهود حق ديني أو تاريخي في فلسطين"، في جزئين، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، يناير 2004.
2- عبد الوهاب المسيري: "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، دار الشروق، القاهرة، 1999:
مجلد 2، الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟ ص 125 ـ 130، والخزر 149 ـ 153.
3- آرثر كوستلر: "إمبراطورية الخزر وميراثها: القبيلة الثالثة عشرة"، ترجمة حمدي متولي مصطفى صالح، منشورات "فلسطين المحتلة"، بيروت، 1978.
4- يوري إيفانوف، "احذروا الصهيونية"، منشورات وكالة أنباء نوفوستي، موسكو، 1969.
5- مجموعة من الكتاب السوفييت، "الصهيونية: نظرية وممارسة"، ترجمة يوسف سلمان، دار الطليعة، بيروت، 1974.
6- هاني الهندي، "حول الصهيونية وإسرائيل"، دار الطليعة، بيروت، 1971.
7- د. أمين عبد الله محمود، "مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، شباط 1984.
8- بديعة أمين، المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية، دار الطليعة، بيروت، 1974.
9- د. إميل توما، جذور القضية الفلسطينية، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1973.
10- د. يوسف هيكل، فلسطين: قبل وبعد، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1971.
11- إلياس سعد، الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969.

دراسات:

1- محمد ولد ألمى ألياسينى: "الأصل غير اليهودي للصهيونية"، ترجمة مسعد عربيد، مجلة "كنعان"، العدد 113، نيسان 2003.
2- عادل سمارة: "علاقة الصهيونية بالإمبريالية والنظام العالمي الجديد"، في موقع "كنعان":
http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1220
3- أديب ديمتري: "العرقية الصهيونية وتيار القومية الرجعية"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 94، سبتمبر 1979.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك