1- بغداد الأمس.. (2007)، لمؤلفه: ساسون صوميخ.
2- ذكريات من عدن: رحلة عبر بغداد اليهودية (2008)، لمؤلفته: فيوليت شماش.
ترجمة وتقديم: أمل الشرقي.

في السابع والعشرين من شهر نيسان 1950 وصل إلى بغداد من أمستردام رجل يحمل جواز سفر باسم ريتشارد آرمسترونغ وقدم نفسه بصفة ممثل لشركة أمريكية تدعى شركة الشرق الأدنى للنقل الجوي (نيات) تسعى إلى الحصول على عقد مع الحكومة العراقية لنقل اليهود العراقيين إلى قبرص. وكانت الحكومة العراقية قد أقرت قبل ذلك بستة أسابيع قانون إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود الراغبين بالهجرة والسماح لهم بمغادرة البلاد، وفي التاسع من شهر أيار 1950 وقعت (نيات) عقداً مع الحكومة العراقية ينظم تلك المغادرة.

لم يكن تهجير أقدم الجاليات اليهودية في "الشرق الأوسط" من العراق مجرد عملية تجارية بالنسبة لآرمسترونغ و(نيات)، إنما كان رسالة، فآرمسترونغ لم يكن في الواقع سوى شلومو هيليل، رجل الموساد المولود في العراق، ونيات لم تكن سوى إحدى الواجهات التي تمتلكها الوكالة اليهودية. أما الوجهة التي يقصدها اليهود المهاجرون فكانت (إسرائيل) وليست قبرص، وبحلول نهاية عام 1952 كانت غالبية اليهود العراقيين قد غادرت البلاد في هذه العملية التي أطلق عليها الموساد اسم عملية عزرا ونحميا.

هذه الواقعة التاريخية كانت موضوع كتابين صدرا في العاصمة البريطانية لكاتبين يهوديين من أصل عراقي. الأول حمل عنوان ذكريات من عدن: رحلة عبر بغداد اليهودية (2008) لمؤلفته فيوليت شماش المولودة في بغداد والتي هاجرت أسرتها الثرية إلى الهند، أنفقت شماش السنوات العشرين الأخيرة من عمرها في تسجيل ذكرياتها عن المدينة التي كانت تدعوها بغدادي، أرض موطني. أما الكتاب الثاني فهو كتاب بغداد الأمس.. (2007)، لمؤلفه ساسون صوميخ اليهودي العراقي الذي هاجر إلى (إسرائيل).

تبالغ الدعاية الموالية (لإسرائيل) في تضخيم بعض المتاعب التي تعرض لها اليهود في العالم العربي وتسعى إلى تكذيب ما عرفه العالم عن التسامح الإسلامي مع أصحاب الديانات الأخرى، لكن مذكرات الكاتبين اليهوديين العراقيين تروي حكاية أخرى. فشماش المولودة عام 1912 تصف حياة أسرتها في بغداد قبل دخول القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى بأنها كانت جنة. عاشت شماش في قصر مطل على نهر دجلة تقاسم الأعمام وزوجاتهم أجنحته المتعددة، ودرجت في حدائقه الواسعة التي تفوح بروائح البرتقال والمشمش، وأكلت الخبز طازجاً من التنور المنزلي قبل أن تلتحق بمدرسة الإليانس البغدادية التي كانت واحدة من شبكة من المدارس اليهودية عبر "الشرق الأوسط". تقول شماش كانت كل الطوائف تعيش بسلام، وتتبادل فيما بينها الدعابات حول ديانات بعضها البعض بحسن نية وبدون قيود لكنها تستدرك أن ذلك كله يبدو الآن بعيداً عن التصديق أشعر كما لو أنني أسرد حلماً من الأحلام يصعب الربط بين أجزائه المتباينة.

عندما أعلن بلفور عن دعم بريطانيا إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، كانت مغادرة العراق إلى الكيبوتزات الصهيونية آخر ما يخطر في بال يهود بغداد. بعد لقائه مجموعة من وجهاء اليهود العراقيين، كتب أرنولد ويلسون، المندوب السامي البريطاني في بغداد إلى وزارة الخارجية البريطانية أن إعلان بلفور لم يثر أي اهتمام في العراق. وأضاف يقول إن اليهود الذين اجتمع بهم قالوا له إن فلسطين بلد فقير والقدس مدينة لا تصلح للمعيشة. وبالمقارنة مع فلسطين، فإن العراق هي الجنة، كما قال له أحدهم إنها جنة عدن، وبالنسبة لنا فإن العراق هو الوطن.

في البدء، لم يستجب اليهود العراقيون للخطاب الصهيوني. بل إن البعض منهم كان معادياً للصهيونية، وبغض النظر عما يمكن أن تثيره فكرة إقامة وطن قومي لليهود في نفوس البعض من نوازع، فإن الغالبية كان تخشى من أن يعرض المشروع الصهيوني حياتهم في العراق إلى الخطر.

في كتابه بغداد الأمس يستذكر ساسون صوميخ المولود في بغداد عام 1933 سنوات الأربعينيات من القرن العشرين التي يصفها بأنها العصر الذهبي للأمن والتلاحم.

يقول صوميخ إن اليهود العراقيين في تلك السنوات كانوا يشيدون المساكن الجديدة ويفتحون المدارس والمستشفيات ولا تبدو عليهم مطلقاً أية رغبة في الرحيل عن البلاد. وكانوا ينعمون بالرخاء العام الذي ساد العراق في السنوات ما بين 1941 و1948 حيث كان اليهود الذين لا تزيد نسبتهم عن 2 بالمئة من مجموع السكان يديرون 75 بالمئة من تجارة الاستيراد. نشأ صوميخ في حي بغدادي مختلط يعرف باسم بستان الحسن وبدأ بكتابة الشعر العربي في سنوات مراهقته وهو يدين بالفضل لأساتذته الذين رعوا موهبته الأدبية وكلهم من العرب المسلمين.

اختار صوميخ عنواناً ثانياً لكتابه بغداد الأمس هو تكوين العربي اليهودي. والكتاب عبارة عن مرثية لتجربة التعايش التي عرفها في بغداد، يستذكر فيه الكاتب الأيام التي كان الأدباء العرب واليهود يلتقون معاً في المقاهي المنتشرة في شارع الرشيد ببغداد، يقرأون الكتب نفسها، ويحلمون بدولة مستقلة وحديثة وعلمانية يستطيع فيها شاب مثل صوميخ أن يعتبر نفسه يهودياً وعربياً في الوقت نفسه.

كانت غالبية الكتاب الذين عرفهم صوميخ في العراق تدور في فلك الحزب الشيوعي، ويقول صوميخ إن الشيوعيين نجحوا حتى عام 1948 في توجيه الغضب الجماهيري ضد الإمبريالية والصهيونية. في عام 1946 شكل عدد من الشيوعيين اليهود عصبة مكافحة الصهيونية التي واجهت التهديد من الحركة الصهيونية السرية آنذاك ومن الزعيم السياسي نوري السعيد الذي أسخطه انخراط اليهود في صفوف المعارضة الشيوعية.

لكن اندماج اليهود في المجتمع العراقي تزعزع بشدة إثر اندلاع الحرب في فلسطين عام 1948. كان الموساد قد ضاعف نشاطه في العراق بعد مجيء الملك غازي - المعروف بمعاداته للبريطانيين- إلى الحكم وبعد ثورة مايس/ أيار 1941 التي قادها ضباط قوميون حصلوا على تأييد الألمان. وقد دخل عدد من ضباط الموساد إلى العراق بصفة متطوعين في القوات البريطانية التي أخمدت تلك الثورة.

لم يكن هدف الموساد تحسين أوضاع اليهود في العراق إنما العمل على ترحيلهم عنه. وقد ظهرت منشورات تدعو اليهود إلى عدم الاختلاط بالعرب وتهدد من يتعامل معهم بأن ذلك التعامل يقود إلى المذابح.

في الوقت نفسه روجت الحكومة "الإسرائيلية" حديثة العهد روايات ملفقة عن مذابح ومعسكرات اعتقال لليهود في العراق وأصدرت بياناً يدين قيام الحكومة العراقية بإعدام سبعة يهود بتهمة الانتماء إلى الحركة الصهيونية وهو ادعاء اعترف كبير عملاء الموساد في بغداد بأنه عار عن الصحة. وحذرت (إسرائيل) من أنها سوف تدعم المقاومة المسلحة ضد حكومة نوري السعيد في بغداد إذا لم يسمح لليهود العراقيين بالهجرة، كما بدأ "الإسرائيليون" في ذلك الوقت، بترويج فكرة مبادلة اليهود العراقيين بأعداد مساوية لهم من اللاجئين الفلسطينيين وهي فكرة تحمست لها وزارة الخارجية البريطانية التي جاء في مذكرة لها أن التخلص من الأقليات غير المتجانسة يهدئ النيران بدلاً من أن يذكيها.

من جانبها، أقنعت السفارة الأمريكية في بغداد رئيس الوزراء العراقي آنذاك توفيق السويدي بأن تمرير قانون إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود الراغبين بالهجرة من العراق لن يؤدي إلى هجرة جماعية ما دامت (إسرائيل) تلتزم بسياسة معتدلة وتوافق على تسوية سلمية لا تبدو غير مقبولة جداً من قبل العرب.

لكن هدف (إسرائيل) كان تجميع المنفيين وليس التوصل إلى تسوية سلمية. كانت (إسرائيل) قد استولت على أراض تزيد مساحتها بنسبة 20 بالمئة عن مساحة الأرض التي منحت لها بموجب قرار التقسيم. وكانت بحاجة إلى المزيد من اليهود "ليستوطنوا" في تلك الأراضي، وبحلول أيار عام 1950 كانت الصفقة قد أبرمت بين ريتشارد آرمسترونغ من الموساد "الإسرائيلي" وتوفيق السويدي رئيس وزراء العراق لترحيل اليهود العراقيين إلى (إسرائيل).

يتساءل ساسون خضوري، كبير حاخامي بغداد: لماذا لم يأت أحد إلينا بدل التفاوض مع (إسرائيل) حول ترحيل اليهود العراقيين؟ لماذا لم يشر أحد إلى أن زعامة اليهود العراقيين الراسخة والمسؤولة تعتقد بأن العراق هو موطنهم، في أوقات الشدة والرخاء، وقد كنا واثقين من أن الشدة ستزول؟

هنا، ظهرت الحاجة إلى أمر يحمل اليهود العراقيين، الميالين إلى الصبر لحين زوال الشدة، على الرحيل، فكانت سلسلة التفجيرات التي استهدفت أحياء يهودية في بغداد وابتدأت في نيسان 1950 ثم استؤنفت عام 1951 مع اقتراب انتهاء مهلة العام التي منحت لليهود العراقيين ليختاروا بين المكوث في البلاد أو الهجرة منها. ويعتقد الكثير من اليهود العراقيين اليوم أن الذين نفذوا تلك التفجيرات كانوا عملاء "إسرائيليين" هدفهم دفع اليهود إلى الهجرة.

يقول صوميخ إنه طار إلى (إسرائيل) يوم 21 آذار 1951 مع مئتي يهودي عراقي يفترض أن تكون تلك الرحلة نهاية شتاتهم لكني لم أر أياً منهم يقبل الأرض التي نزلها.

فقبل مغادرتهم الطائرة استقبلوا بتحية ما كان لهم أن ينسوها أبداً. إذ صعد إلى الطائرة رجل راح يرشهم بمادة دي. دي. تي. المطهرة. وكان نزولهم في اللد التي طرد منها في يوم 13 تموز 1948 أكثر من ثلاثين ألف فلسطيني على أيدي قوات "إسرائيلية" قادها إسحاق رابين.

يقول صوميخ إنه احتجز مؤقتاً في معسكر ساحلي بالقرب من حيفا ريثما يقرر ضباط الهجرة الوجهة التي سوف يرسل إليها. وكانت تلك الإجراءات تدعى الصدور بالعبرية أو التصدير بالعربية. اعترضنا بغضب على تحويلنا بين يوم وليلة من أشخاص إلى بضاعة تستورد وتصدر من قبل موظفين يتكلمون الييديش.

قبل صوميخ كان سمير نقاش الروائي اليهودي القادم من العراق قد كتب في روايته أنس بغداد يقول كنا نعيش في قصور ها هم يضعوننا في خيام لكن ظروف المعسكر السيئة لم تكن السبب الرئيس وراء امتعاض اليهود العراقيين بقدر ما كان الازدراء الذي عوملت به حضارتهم في (إسرائيل) التي يسيطر عليها الأشكيناز.

تقول فيوليت شماش بلاد النهرين هي (موطن أبينا إبراهيم) وفيها كتب التلمود ووضعت الشريعة اليهودية.

لكن هذه الحقائق ما كانت لتعني شيئاً لدى بن غوريون الذي قال لا نريد "للإسرائيليين" أن يتحولوا إلى عرب وقد كان اليهود العراقيون قريبين جداً من أن يكونوا العرب في (إسرائيل). وقد وجدوا أنفسهم، وهم النخبة في البلاد التي جاءوا منها، يعاملون كأقوام بدائية في حاجة إلى الترويض على يد الأشكيناز المصممين على محو أي معلم من معالم الشرق. يقول صوميخ إن العنصرية التي قوبل بها اليهود العراقيون جعلت من المستحيل عليهم التماهي مع الحركة التي جاءت بهم إلى ما تسميه الوطن.

في مقالها الذي استعرضت فيه كتابي شماش وصوميخ، ذكرت مجلة لندن ريفيو أوف بوكس أن ساسون صوميخ قدم في مطلع تسعينيات القرن الماضي طلباً لإنشاء جمعية للتضامن مع الشعب العراقي هدفها توثيق التعاون والجيرة الطيبة بين اليهود والعراقيين، بما يسمح للأجيال القادمة بالاطلاع على هذه الرابطة الرائعة التي ميزت الحياة اليهودية في العالم العربي على مدى 1500 عام، لكن طلبه رفض من قبل مسجل الجمعيات غير الربحية في القدس المحتلة الذي وجد أن من غير المناسب إحياء مثل هذه الذكريات واعتبرها مصدراً للتخريب الصدامي (نسبة إلى صدام حسين).

عن "العرب اليوم".

mail@kanaanonline.org



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك