"بغداد بالأمس" بالعبرية
إصدار الكيبوتس الموحد الطبعة الأولى ديسمبر/ كانون أول 2003 - الطبعة الثانية فبراير/ شباط 2004 - الطبعة الثالثة مارس/ آذار 2004.
159 صفحة وملحق بالصور.

لقد أثارت انتباهي مقالة أو مراجعة كتاب ساسون سوميخ "بغداد بالأمس" الذي كتبه أمل الشرقي الذي لم نتعرف على هويته والمنشور في موقع "فلسطيني" نقلاً عن صحيفة "العرب اليوم" لكنه تناول أيضاً إلى جانب سوميخ كاتبة يهودية عراقية الأصل هي فيوليبت شماش وهي أيضاً تكتب عن بغداد وعن عروبتها ويهوديتها في كتاب تحت عنوان "رحلة عبر عدن رحلة عبر بغداد اليهودية" وخلال المراجعة فهمنا أن أمل الشرقي هو أيضاً من ترجم الكتب الصادرة في لندن أعوام 2007 بغداد بالأمس وكتاب شماش 2008. لكن الكاتب لا يشير عن أية لغة ترجم الكتابين.

أما عنوان المراجعة وهي الفكرة الرئيسية التي أراد المراجع والمترجم والمقدم أمل الشرقي أن يعرفها للقارئ وأن ترسخ في دماغه فكرة مفادها "كان الرحيل من جنة بغداد إلى بؤس الكيبوتسات هي آخر ما كان يخطر في بال يهود بغداد"، وهذا أمر يخالف ما جاء في كتاب سوميخ الذي قال بصريح العبارة ودون أي خجل أو لف ودوران وبلغة عبرية موثقة ومكتوبة ومنشورة في كتاب اطلعنا عليه لأغراض البحث العلمي جاء على شكل جملة في صفحة 156 عندما وصلت البلاد (فلسطين ع. م) ذقت لأول مرة طعم الحرية والاستقلال الكاملتين، ويضيف سوميخ: "بعد وصولي بيوم واحد اقترضت ليرة "إسرائيلية" واحدة (ولا تستعينوا بليرة ذلك الوقت) وسافرت من حيفا إلى القدس لرؤية الجامعة العبرية التي سمعت بها كثيراً، وكنت أحلم أن أستطيع من التسجيل كطالب".

لقد كان اطلاعي على الكثير من نماذج المذكرات واليوميات التي كتبها المهاجرون الجدد إلى فلسطين من الروس اليهود الذين قدموا فلسطين إما كمهاجرين أو كرحالة في بداية القرن التاسع عشر أو كصهاينة مسيحيين أيضاً لا تربطهم أية رابطة بالديانة اليهودية. لكن كتاب فيوليت شماش التي رحلت "عبر بغداد اليهودية" إلى فلسطين فلم نطلع عليه لذا سأناقش في مراجعتي هذه كتاب سوميخ "بغداد بالأمس "لأهمية وخطورة الموضوع، ولإلقاء الضوء على الوجه الحقيقي الواقعي وليس العاطفي كيلا نقع في حب الكاتب والعطف عليهم والوقوع في فخ أن هؤلاء تم ظلمهم بل وترحيلهم بالقوة من بغداد لكيلا ندفع ثمن مضاعفاً نحن أبناء الشعب الفلسطيني لقاء النشاط الواسع والكبير للحركة الصهيونية في بغداد ومصر وبيروت والقدس منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر أي قبل وعد بلفور أي منذ تأسيس الحركة الصهيونية في أوروبا ومؤتمرات هرتسل وكتابه "دولة اليهود" ولا بد أن الشرقي قد سمع ما يتردد من مقولات مؤخراً حول سن قوانين لتعويض "اليهود المهجرين"!! من بغداد وروسيا ودمشق إلى فلسطين"!!!

وهذا ما ورد في السموم التي جاءت على شكل مذكرات لمستشرقين يهود معذبين ومهانين ومحتقرين قادمين من العراق أو مصر أو روسيا أو أمريكا من بينهم عراقي اسمه ساسون سوميخ جاء نتيجة ضغوط ونشاط محموم للحركة الصهيونية في العالم العربي يعترف هو بنفسه بهذا النشاط من خلال صفحة كاملة تشير بكل وضوح إلى أن انتماء اليهود ليهوديتهم كان أكبر من انتمائهم لوطنهم العراق بل قاموا بأكبر الخدمات لاستعمار الوطن العربي من خلال خدمتهم في بنوك إنكلترا وجيوش إنكلترا الاستعمارية وتحولهم بعد احتلال الإنكليز والفرنسيين إلى مرتزقة لجيوش هذا الاحتلال يساهمون بكل ما استطاعوا عبر مدارس الحركة الصهيونية إليانس وغيرها من منشورات وصحف وأموال سرية وعلنية صهيونية لتقويض النظام العربي ونضال هذه الأمة للوحدة.
ويعرف التاريخ العربي عن هؤلاء المهاجرين الكثير من القصص التي وصلت بأحد الجواسيس الشرقيين إلى إقامة صداقات حميمية مع الحكومة في سوريا واسمه إيلي كوهين الذي تم شنقه بعد أن صدر حكم الإعدام بحقه بعد أن كشف أمره.

إن يهودية هؤلاء في بغداد قبل وصولهم إلى فلسطين وارتكاب أكبر جريمة دولية بحق شعب كامل وتشريد مواطنين آمنين في بلدهم لتحقيق حلم الصهيونية والتباكي على ماضيهم في بلدانهم الأصلية واتهامهم سكان وأنظمة بلدانهم الأصلية لا يمكن تفسيره إلا بالنفاق ومحاولة الكسب الحرام حتى بعد هجرتهم وشتيمة بلدانهم وأوطانهم بأفظع الشتائم وتقديم لوائح اتهام خطيرة ضد بلدانهم وهي ما يعرفه قادة الحركة الصهيونية ومنظروها اليهود "بمعاداة السامية".

فعند قراءة أي يوميات من هؤلاء الكتاب ومذكرات جنرالات الحرب "الإسرائيليين" أمثال شارون ورابين وبراك وغيرهم فستجد أنهم يتحدثون عن اليهودية ليس كطائفة بل كقومية وأمة وكيان بل فوق الأمة والقومية أي الكوزموبليتية. اليهودي الخارق والعابر للقوميات والديانات والقوميات والقارات. أما التباكي على بغداد وعدن وموسكو فهي لكسب الفائدة القصوى من وضع يحلمون به هؤلاء الذين خانوا أوطانهم فقط للعيش على حساب شعب آخر هو الشعب الفلسطيني وابتزاز جميع شعوب الكرة الأرضية. فهو بغدادي عربي تارة يحن إلى الفرات وأرض الفرات وتارة أخرى هو يهودي وصهيوني وعسكري "إسرائيلي" يشارك في حروب (إسرائيل) وجاء للمساهمة مع اليهود العراقيين في حروب (إسرائيل) كما قال في كتابه "بغداد بالأمس" والذي تجاهله الشرقي أمل في مراجعته لهذا الكتاب الذي جاء فيه "في عام 1952 قبل أن أذهب للخدمة العسكرية (في الجيش الإسرائيلي)" - ص 154.

ونحن لا نعلم في أية وحدة خدم ساسون وكم عملية نفذ ضد أبناء قريتي أو قرية أبناء باقة الغربية وهل ساهم في قوات شدمي في مجزرة كفر قاسم، عندما كان على كل جندي يحارب في جيش (إسرائيل) وأن يشارك في معاركها كما يقول "سوميخ" معظمهم وصل إلى "البلاد" (فلسطين ع. م) للمشاركة معها في معاركها! "ص 11". وكما هو معروف فإن حروب (إسرائيل) لم تنته ولن تنتهيَ لأنها وبكل بساطة بدون حروب لن يكون لها مصدر للدخل أو الوجود فقد قامت (إسرائيل) وفق مخطط عسكري استعماري إنكليزي فرنسي عالمي مدعوم بأبشع النظم وأكثرها وحشية في التاريخ الحديث نظام إنكلترا الذي ارتكز على نظرية "فرق تسد" للسيطرة على العالم العربي والإسلامي وتحقيق ذلك عن طريق الطوائف والأقليات الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها من أحابيل وأساليب الاستعمار الحديث ومنها "استيطان" البلاد كما حدث في الجزائر.

وكتاب سوميخ "بغداد بالأمس" الذي كان أحد مراجعي الهامة لكتابة دراستي حول الاستشراق "الإسرائيلي" وكتابة تاريخ فلسطين وتاريخ أدبنا الفلسطيني، نموذج لهذه الأدبيات التي تؤكد مقولتنا وسنأتي - ولأهمية المسألة- بالتفصيل على ما في الكتاب الذي يمكن القول إنه صورة عن الصراع القائم في الوطن العربي منذ احتلال الاستعمار وسياسة سايكس بيكو وما خلفته هذه المؤامرات ضد العالم العربي التي كانت الصهيونية ومن سار خلفها من اليهود جنوداً لهذا الاستعمار البشع.

فسوميخ الذي يبدو من مراجعة أمل الشرقي لكتابه "بغداد أمس" قد تناول جانباً واحداً هو حنين الرجل سوميخ لبغداد هذه المدينة التي ولد فيها وهاجر منها إلى فلسطين عام 1951 نتيجة اضطهاد العرب المسلمين والمسيحيين لأبناء الديانة اليهودية الذي ارتبط بالصراع حول فلسطين وقيام "إسرائيل".

في دعايته الانتخابية الأخيرة كان شعار أفيغدور ليبرمان الصهيوني القادم من مولدافيا حديثاً لكسب أصوات اليهود الروس "إنني أفهم العربية". وهو بالكاد يعرف العبرية، لكنه أراد بهذا أن يقول للشارع المتطرف إنه يفهم عقلية العرب وسيتعامل معنا كما يفهمنا، كعنصري يحتقر الثقافة العربية والتاريخ العربي وينكر وجود شعب فلسطيني.

ولا أدري إن كان ليبرمان وغيره من الكتاب اليهود أمثال سوميخ وشماش، ولو كان أمل الشرقي مطلعاً على ما كتبه العملاق الروسي الأديب العظيم فيدور ميخايلوفيتش دوستويفسكي عام 1878 في يومياته حول المسالة اليهودية لاستطاع تفسير أسباب الحقيقية لهجرة سوميخ وغيره من أبناء الديانة اليهودية إلى فلسطين؛ يذكر الكاتب الروسي العظيم في يومياته أن أحد القراء اليهود كتب إلى دوستويفسكي رسالة يتهمه فيها "بكره الكاتب لليهود" ودلل على ذلك استعمال الكاتب في رواياته كلمة "جيد" أي يهودي مفسراً ذلك أن الكاتب يحتقر اليهودي باستعماله هذه الكلمة وكان رد دوستويفسكي وهو مهندس النفس البشرية وأعظم الروائيين الذين دخلوا إلى أعماق النفس البشرية من خلال تصوير أعماق روح أبطاله كمحلل نفسي خبير وعظيم فكتب يرد على هذا اليهودي عام 1878: "لكن لنعتبر أن كل ذلك من جانبي بلا حجة نبرة جوفاء وكلام فارغ وأسلم لهم بذلك إلا أنني على أية حال لا أستطيع أبداً تصديق صراخ اليهود وصياحهم بأنهم إلى هذا الحد مظلومون ومعذبون ومهانون وفي رأيي أن الفلاح الروسي، بل الإنسان الروسي البسيط عموماً يتحمل أعباء أكثر من اليهودي.
لنفترض أنه من الصعب تماماً معرفة تاريخ الأربعين قرناً لهذا الشعب كيهود إلا أنني للوهلة الأولى أعرف شيئاً واحداً وهو أنه ربما لا يوجد في العالم ككل ذلك الشعب الآخر الذي في كل دقيقة، وفي كل خطة وفي كل كلماته قد تشكى وتظلم من مصيره ومن ذله وعذاباته وآلامه حتى أنك لا تتصور أنهم هم الذين يسودون في أوروبا، وهم الذين يتحكمون في سياسة الدول وشئونها الداخلية وقيمها".

فهل يصيح سوميخ وغيره في كتاب بغداد بالأمس من عذاباته وآلامه وذله لأنه يهودي "ليس في سانت بطرسبورغ وطن وبلد فيدور دوستويفسكي بل بلد شاكر السياب والجواهري في بغداد الملك فيصل وعبد الكريم قاسم وصدام حسين وكل العهود؟؟ والجواب نعم هكذا الأمر تماماً. وإلا ما سبب هجرة الرجل إلى الجامعة العبرية التي حلم بالدراسة فيها وهو ما زال طفلاً وتلميذاً في مدارس بغداد ومنها مدارس الحركة الصهيونية إليانس "كل إسرائيل أصدقاء" التي درست فيها أمه التي بصعوبة كانت تكتب العربية حسب اعترافات سوميخ في كتابه "بغداد بالأمس" المنشور بالعبرية عن دار الكيبوتس الموحد في "تل أبيب".

إن المسألة اليهودية حسب نظرية الحركة الصهيونية لا تختلف في بغداد أو موسكو أو باريس فالعداء لليهودي هو الذي دفع هرتسل أبو الحركة الصهيونية لكتابة كتابه "دولة اليهود" "فاليهودي مطارد وهو دائم البكاء وشعور الاضطهاد والاحتقار تلاحقه أينما كان حتى لو كان رئيساً للوزراء كما يكتب دوستويفسكي عن دزرائيلي الإنكليزي اليهودي أو حتى لو كان اليهودي أو اليهود رؤساء أكبر بنوك أوروبا يتحكمون بأمور الخلق والعباد ولقمة خبزهم بل ويتحكمون بسياسة الدول العظمى يظل صياحهم وعويلهم على حاله، ذريعة للسيطرة ولإحكام السيطرة وسلب حقوق الآخرين حسب دوستويفسكي، وهذا جزء من التركيبة النفسية أو أداة وأسلوب للتعامل مع الأمور، وسلاح سري يستعمله اليهودي لاختراق حدود الغيتو الذي يعيش فيه أبناء شعب الله المختار للسيطرة على الغوييم. كما يفسر الروسي فيدور دوستويفسكي (راجع مذكراته بالروسية).

ساسون سوميخ وزاويته في صحيفة هآرتس اختراق الحدود
(اسم فلسطين غير موجود في "بغداد الأمس")

لقد هاجر سوميخ إلى فلسطين وما يمكن قوله إن القارئ لكتاب سوميخ "بغداد بالأمس" لا يمكن أن يجد كلمة فلسطين في كل صفحات الكتاب بل يستبدلها بكلمة "البلاد" للدلالة على اسم فلسطين. لأنه يؤمن إيماناً قاطعاً بنظرية الحركة الصهيونية التي تنفي في أدبياتها وجود فلسطين ككيان وشعب وقومية وبلاد وجغرافية وتاريخ. وفي كل صفحات الكتاب لا يجد القارئ هذا الاسم بل يستبدله بكلمة البلاد وهذا سر طباعة الكتاب لثلاث مرات متتالية وانتشاره بين المهاجرين اليهود العراقيين وغيرهم من المهاجرين لأنه يعطي تبريراً لوجود المهاجرين وسلبهم لحقوق الشعب الأصلي الشعب الفلسطيني، وهو بهذا لا يختلف عن ليبرمان أو عوفاديا يوسف المهاجر أيضاً من بغداد الذي يصرح ليل نهار أن العرب أفاعي وصراصير وكفار وما إلى ذلك، أو وزير الحرب سابقاً فؤاد بن اليعزر المتهم في مصر بارتكاب جرائم ضد جنود مصريين أثناء الحرب.

dr_mahameed@hotmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك