أعتقد أن ملايين القراء العرب من المحيط إلى الخليج كانوا يجهلون أن أبا خلدون صاحب عمود "فنجان قهوة" اليومي في جريدة الخليج الإماراتية هو صالح الخريبي، الإعلامي الفلسطيني الكبير، الجندي المجهول، ابن قرية المنشية قضاء عكا في فلسطين المحتلة سنة 1948 وابن مخيم عين الحلوة قلعة اللجوء في الشتات الفلسطيني في لبنان وبلاد العرب.

ولد صالح الخريبي في فلسطين وتشرد منها مع عائلته وهو لم يبلغ من العمر سوى سبع سنوات فقط لا غير،عاش طفولته وسنوات مراهقته الأولى في الخيام والشوادر وبين الأشواك في محيط صعب وغير إنساني. له شقيقان شهيدان (كامل وسهيل) وشقيقة شهيدة (هدى) استشهدوا على درب تحرير فلسطين، التي أحبها صالح وعاش يكتب لأجلها.. بالرغم من كل الآلام والعوائق التي واجهته في المخيم إلا أنه شق طريقه نحو المدرسة، فتعلم ودرس وتخرج وسافر إلى الكويت ليبدأ هناك مشوار حياته مع الصحافة والإعلام والكتابة.

فليسمح لي القرء الكرام أن أشرح قليلاً عن حياة هذا الراحل المبدع، الذي رحل فجأة وبصمت.. وسوف أستعين ببعض المعلومات التي جمعتها من الشبكة العنكبوتية ونشر بعضها زملاء لأبي خلدون..

تعلم الكتابة على الآلة الطابعة، وأتقن اللغة الإنجليزية اتقاناً جيداً بمجهوده الخاص، وبدأ يعمل في مجال الصحافة، فكان من أوائل الإعلاميين الذين عملوا في منتصف الستينات ومنتصف السبعينات في عدة مجلات وجرائد وصحف كويتية. ويعتبر من أوائل الصحافيين الفلسطينيين والعرب الذين واكبوا انطلاقة صحيفة الخليج حيث كانت في تلك الفترة تطبع في الكويت.. وفي الفترة الممتدة من أعوام 1973 إلى 1990 عمل محرراً صحافياً في جريدة "القبس" الكويتية، وفي الأعوام من 1992 إلى 1995 محرراً في وكالة أورينت برس للخدمات الصحافية في بيروت، وعمل في "الخليج" منذ عام 1995 وحتى تاريخ وفاته يوم 29/ 01/ 2010 في إمارة الشارقة إثر وعكة صحية ألمت به. وأثناء عمله في "القبس" شارك في إنشاء مركز التدريب الصحافي بإشراف الدكتور بشير العريضي، رئيس قسم الإعلام السابق في الجامعة اللبنانية، وساهم في تدريب بعض طلاب المركز وتأهيلهم.

له مقابلات صحافية مميزة مع قادة تاريخيين مثل رئيس وزراء تركيا الذي عينه قادة الانقلاب سنة 1980. ومع ليخ فاليسا قائد ثورة التضامن في بولندا 1989. وفي عام 1972 نشر كتاباً بعنوان "الدولة الفلسطينية ومشروع الملك حسين"، كما ترجم بعض الكتب، ونشرت مسلسلة في "القبس" من بينها: "نشوء وسقوط القوى الكبرى" لبول كنيدي، و"ضفادع وعقارب السادات والسلام وأجهزة الإعلام" لدورين قيس، و"الحجاب" لبوب وودواردز، و"بين ذراعي الحبيب" لصحافية فرنسية كانت صديقة لقطب زاده، وكان عن عودة الخميني إلى إيران والأحداث التي تلتها، و"نحو سلام شامل في الشرق الأوسط" لزيف شيف، كما أعد عدداً من الدراسات نشرت مسلسلة في "القبس" من بينها: "حرب الأشباح" (1984) عن المنظمات الفدائية الإيرانية، و"النار على حدود الماء" (1985) عن أزمة المياه المقبلة في العالم، وفي الدول العربية بشكل خاص..

كان صالح الخريبي عاشقاً مخلصاً لعمله الصحفي والإعلامي، وفضل البقاء في الظل بعيداً عن الضوضاء والمقابلات المرئية في الفضائيات العربية. عرف ككاتب موسوعي يستحضر الخبر ويصنع الكلام الجميل.. قارئ نهم، عاشق للمعرفة اتضح ذلك من خلال كتاباته في زاويته اليومية في الخليج " فنجان قهوة" حيث كانت من أهم الزوايا في الجريدة.. كان دائماً ويومياً بإمكان القارئ أن يقرأ مقالة ممتازة ودسمة، تحتوي على كم هائل ورفيع من المعلومات الجديدة. وسوف تظل مقالاته تنطوي على نفس اللذة وعلى كل من يريد معرفة المزيد عنه أن يبحث عن مقالاته وكتاباته ليتعرف عليه أكثر.

بالرغم من أنه جمعتني ولا زالت تجمعني علاقات صداقة قوية ومتينة مع عائلة الراحل أبو خلدون، ولا زلت أقوم بزيارة والدته في أوسلو، نعم في أوسلو لأن ظلم ذوي القربى أوصلها إلى النرويج هي وآلاف اللاجئين الفلسطينيين.. ما زلت أزورها في بعض المناسبات وأطمئن عليها هاتفياً من حين لآخر.. بالرغم من أننا أيضا جيران في مخيمنا عين الحلوة مع فارق السن بيني وبين الأخ صالح خريبي، فيوم بدأ هو يعمل في الصحافة كنت أنا لا زلت ابن ثلاث سنوات. لم ألتق بالزميل صالح سوى مرة واحدة على ما أعتقد كانت سنة 1990 أو 1991 في منزل عائلته بمخيم عين الحلوة؟ يومها قالت له والدته هذا هو نضال حمد صديق ورفيق شقيقك كمال.. تبادلنا السلام والكلام وعبرت له عن شكري لمساعدته في نشر بعض نتاجي الأدبي سنة 1986 في جريدة القبس الكويتية. وكنت يومها لا زلت طالباً في الجامعة. وما زلت أحتفظ بالصفحة تلك من جريدة القبس التي تعود لأحد الأعداد في شهر مايو/ أيار سنة 1986. لم تتوقف العلاقة عن بعد مع أبي خلدون عند هذا الحد. فقد نشر لي عدة مقالات في صحيفة الخليج الإماراتية. ثم في مقالة له نشرت في زاويته " فنجان قهوة" يوم 22- 01- 2008 وحملت عنوان " العجوز الفرنسية وأطفال النرويج" تحدث عن مقاطعة الصهاينة في النرويج وفرنسا ودول أوروبية أخرى، وقارن بين الأوروبيين والعرب بطريقة جميلة وراقية..

واستعان بمقالة لي تحدثت عن هذا الموضوع بالذات نقتطف منها المقطع التالي وهو الختامي:

"وأضافت السيدة سيسيل موزا: "إنني أعارض سياسة "إسرائيل"، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي أستطيع بها الإعراب عن معارضتي"، والفرنسيون ليسوا الوحيدين في أوروبا الذين لا يرحبون بـ"الإسرائيليين"، إذ أن ما يزيد على 68 % من الأوروبيين يرون أن هذه الدولة المارقة خطر على السلام العالمي، وهذا الرأي تجري ترجمته إلى سلوك. ويذكر الكاتب الفلسطيني نضال حمد رئيس جمعية الصداقة العربية النرويجية في أوسلو أن أطفال النرويج يقاطعون البضائع "الإسرائيلية"، ويرفضون شراء حتى البرتقال الذي تصدره "إسرائيل"، احتجاجاً على سياستها الفاشية.
والمضحك المبكي أنه في الوقت الذي ترفض فيه سيسيل استقبال "الإسرائيليين" في فندقها، ويقاطع أطفال النرويج البضائع "الإسرائيلية" احتجاجاً على حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" في غزة، تلتزم الدول العربية الصمت، وكأن الأمر لا يعنيها، أو لا يعني شيئاً.

ويا سيدة سيسيل، ويا أيها النرويجيون الصغار، ليس بينكم من كان ينشد في طابور الصباح في المدرسة: بلاد العرب أوطاني، أما نحن الذين كنا نردد هذا النشيد كل صباح.. فسامحونا".

بغياب صالح الخريبي تفقد فلسطين ومعها أمة العرب واحداً من ألمع الصحافيين على الإطلاق.. فقد كان هذا الرجل نهراً إعلامياً تجري أخباره في كل مكان. وكنت شخصياً من المعجبين بكتاباته ومن متابعيه يوماً بيوم.. وكم كنت أتمنى أن يفعل ذلك أيضاً كل شخص يريد أن يتعلم فن الكتابة الصحفية، فن الحصول على المعلومة وتقديمها كقطع حلوى لذيذة مع فنجان قهوة القارئ كل صباح... لقد كنا دائماً ننتظر فنجان قهوة الصباح لنرتشفه مع أبي خلدون. أما الآن فلم يعد للقهوة طعمها الأول..

sofsafi@gmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
أسعد العزوني:
أخي صالح الخريبي المحترم جدا
تحياتي لك أين تواجدت
أسعد العزوني
حسن سلامة:
بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزي الأستاذ نضال

تحية صادقة ، لقد كان الفقيد من المقربين جداً مني ، كانت جوانيته معبأة بالوجع الفلسطيني ..
لكنني أيها العزيز ، أعجز ، بطبعي ، عن الكتابة حول من أحبهم ، وهذا الرجل المقهور كان ضمن الذين أحبهم واحفظ في القلب دفء مواجعهم ..
فقد كان زميلاً في صحيفة الخليج ، له نكهة خاصة ، ونمط خاص ، وعلاقة خاصة بالآخرين ، كان يواجه الألم والأحقاد بسخرية ..
ظنه البعض بسيطاً ، لكنه كان يتسامى عن الصغار والصغائر ..
صالح الخريبي ، ما كتبت عنه ، ولن أفعل في الوقت القريب .. لأنني أحتفظ به في داخلي وبين ركامات المعاناة وبيئة الوجع ..
كتبت هنا ، لأنك أثرت في نفسي بعض شجن ..

أشكرك مرة أخرى