(إهداء: إلى كل شامخي القامات رغم الظروف. ولا عزاء للمتوسلين).

تكاثرت الخطوب، وتنوعت الكروب، التي هبطت على قبائل وعشائر "بني فارط" دون أن تظهر في الأفق أي بارقة أمل للتحرك من أجل وضع حد للتدهور الحاصل في هذه المضارب المترامية الأطراف والتي لو اجتمع رجالها على كلمة رجل واحد، لتغير الوضع، وأصبح لهذه القبائل شأن وقيمة بل وكرامة.

كانت الضباع والأفاعي والجرذان، وحتى الديدان تسرح وتمرح في الأطراف، وبدأت المعاناة والخراب وخسارة الخرفان، بل والولدان أيضاً تتسع شيئاً فشيئاً فيهان وكثرت الشكاوى، لكن أحداً من الشيوخ لم يتحرك لحماية أبناء قبيلته أو عشيرته، ووصل الأمر بالأفاعي والضباع والجرذان إلى التكاثر والتواجد في قلب المضارب، دون أن يحرك شيخ ساكناً وكأن الأمر لا يعنيهم، وخاصة بعد أن أمر شيوخ القبائل بتثبيت سياج من الأسلاك الشائكة حول خيامهم، وذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ عينوا حراساً ومرافقين لهم ولأبنائهم ونسائهم لحمايتهم من الأفاعي والجرذان والضباع.

ساد أفراد القبائل والعشائر، وضع يصعب وصفه، وذلك بسبب عدم مقدرتهم على حماية أنفسهم وأولادهم ومزروعاتهم وماشيتهم، خاصة بعد إصدار مشايخهم أمراً بعدم التعرض للأفاعي والضباع والجرذان وأن من يخالف الأمر، سيكون مصيره النفي خارج القبائل.

بدأ أفراد القبائل يتهامسون في مجالسهم الخاصة، وكان بعضهم يحرض على الخروج على أمر المشايخ، والغريب في الأمر أن هؤلاء المحرضين، كانوا ينفون في اليوم التالي، الأمر الذي جعل الناس تأوي إلى فراشها مبكراً، غير آبهين بالخطر الداهم الذي أخذ يعيش بينهم، دون أن يستطيعوا فعل شيء.

لم يقف الأمر عند الضباع والجرذان والأفاعي بل تعداه إلى الغربان والبوم التي أصبحت تبني أعشاشها، في أطراف الخيام، آمنة مطمئنة.
زاد الأمر عن حده، وأخذت الضباع والجرذان والأفاعي تبني ممالك مستقلة لها، بعد طرد الناس، الذين اشتكوا الأمر لمشايخهم فلم يحركوا ساكناً بل شجعوا الغربان والبوم على ذلك أيضاً.

تزايدت الخسائر، وفقد الولدان، وجف الزرع، وعم القحط، وشاع في النفوس الخوف، كونهم أيقنوا أن في الأمر سراً، ولا بد من التحرك فالخسارة واقعة إن لم تكن على أيدي الضيوف غير المرغوب فيهم، فهي واقعة على أيدي المشايخ أنفسهم، تجمع الناس محتجين يطالبون المشايخ بفعل شيء يضع حداً للتدهور الحاصل وجاء بعض المشايخ لتهدئة روع أبناء القبائل، غير أنهم طلبوا منهم عدم التجمهر لأن ذلك يثير الأفاعي والجرذان والضباع، وتتعاظم الخسائر، كما أن ذلك، يثير الغربان والبوم، التي ستحدث ضوضاء تزعج المشايخ وأولادهم ونساءهم.

لم يعجب أبناء القبائل ما سمعوه، إذ لم يقتنعوا به، وأخذوا يصرخون مطالبين باجتماع لكافة مشايخ القبائل، وتبين أنهم جادون في موقفهم، الأمر الذي اضطر المشايخ الموجودين للنزول عند رغبتهم، والتظاهر ببحث الأمر لإيجاد حل له.
جلس المشايخ على بسط ممددة في خيمة أحدهم، كانت الأوداج منتفخة والعيون حمراء، والأصوات مبحوحة، والتفكير مشتت، لكن شيئاً ما جمعهم وهو تحذير رئيس جمعية الرفق بالحيوان (إياكم أن تسمحوا للقارب أن يسير).
وبعد أن دخلت إليهم عشرات المناسف الملبدة بالرز الأميركي واللحم البلدي اتفقوا على تلاوة بيان سياسي لتهدئة خواطر أبناء القبائل جاء فيه:
نحن مشايخ قبائل، وعشائر بني فارط المؤمنين بقضاء الله وقدره، وبالقسمة والنصيب، والمتسامحين مع من يلحق الضرر بنا، نطالب أبناء عشائرنا وقبائلنا بضبط النفس، وعدم اللجوء إلى العنف وإسالة الدماء، ونطالبهم أيضاً بالإيثار والاتصاف بالتسامح مع الضباع والجرذان والأفاعي والغربان والبوم، لأنها من مخلوقات الله، وإن إطعامها واجب وحمايتها حق.

asadalazooni@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك