لا شك أن المشاهد لطقوس الاعتراف الإنجيلي للسيد طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا سابقاً حليف بوش في حربه ضد "الإرهاب الإسلامي" في العراق سيجد فرقاً واضحاً بين محاكمة الزعيم العربي صدام حسين المرحوم الذي تم إذلاله بالقبض عليه وشنقه علناً، وهو رئيس لدولة عربية ذات سيادة هي العراق أو ما يعرف ببلاد الرافدين وطن أول أبراج في التاريخ أبراج بابل الحضارية.

وكما يعلم الجميع فإن حرب بوش على "الإرهاب الإسلامي" اقترن بخطابات نارية و"زلة لسان" عن الحرب الصليبية؟ ضد صداد حسين والعراق زعيم دولة عرفت وعلمت الإنسانية جمعاء أول التشريعات في تاريخ الإنسانية والتطور العمراني والفكري.

ويأتي اليوم جهابذة سياسة "فرق تسد" الإنكليزية ليظهروا علينا في فضائية الجزيرة التي تبث "مباشرة" كل خطابات ومؤتمرات رسل الحرب الكونية الأمريكية الإنكليزية وتظهر لنا بشكل مستمر بوارج الحرب في الخليج العربي والسفن الحاملة للطائرات وكأنها حمامات سلام تدخل إلى بيوت كل عربي من المحيط للخليج "لنتعظ ونفهم" القوة الخارقة للعدو الأطلسي الإنكليزي الأمريكي وكأنهم يقولون لنا لا طائل من محاربتهم.

وبعد ارتكاب الجريمة الفضيحة في حرب بوش بلير في العراق يأتينا بلير بربطة عنقه وشعره المصبوغ، ويأتي برلمان وحكومة إنكلترا بديكور وإنتاج إعلامي هوليودي جميل ويعترف أمام "قساوسة" ورجال دين السياسة الإنكليزية ببعض الأخطاء في حربهم ضد العراق، الذي تم تجريده من السلاح خلال أكثر من خمس عشرة سنة من الحصار الوحشي الإنكليزي الأمريكي الأطلسي.
لقد اخطأ معد سيناريو هذه المسرحية الهزيلة الإنكليزية لأصحاب أكثر نظريات الساسة همجية وحربية سياسة "فرق تسد" في العصر الحديث حين ابتعد في إخراجه لهذه المسرحية عن جلب محقق عربي من ضحايا العراق من أبناء المليون شهيد عراقي الذين رأينا على شاشات التلفزيون كيف يتم اغتصابهم ونهش لحومهم بكلاب بوش بلير المدربة في لندن وواشنطن. وإلقاء القنابل الحارقة فوق رؤوس الأبرياء وقتل الناس بالجملة في شوارع بغداد. ونهب وسرقة متاحف العراق وتحويل أقدم المدن في التاريخ وأكثرها أهمية لحضارة الإنسانية ثكنات عسكرية ومراكز تدريب لرجال الموساد وجنود أمريكا وإنكلترا لقتل العرب دون تمييز بين سني وشيعي وكردي أو تركماني..

لكن لجنة التحقيق هذه التي أراد بها زعماء السياسة الإنكليزية أن يظهروا للعالم مدى ديمقراطيتهم لم تشكل إلا للبحث في مقتل بضعة جنود مرتزقة من الإنكليز. أي لأن الدم الإنكليزي قد سال أيضاً في ساحات القتال بفعل المقاومة الشرسة لشعب العراق لهذا الغزو، فيما وعد بلير شعبه أنه سيستقبل بالورود من قبل الشيعة والسنة، وأن حربهم ستكون نزهة على دجلة والفرات!

لكن حسابات بوش بلير وكل جوقة المحافظين الجدد فشلت، بل إن هذه الحرب أوصلت أمريكا وإنكلترا والأطلسي إلى الإفلاس الاقتصادي والعسكري والأخلاقي، وتغيرت المعادلة الدولية وأصبح سعر النفط في ميزان الأمة العربية والروسية والصينية، واستيقظ العالم على عالم جديد متعدد الأقطاب باقتصاد روسي صيني وصحوة عربية كبيرة وتحالفات جديدة تهدد كل مستقبل "الدول الاستعمارية المارقة" منذ سنوات عبد الناصر وتيتو وسقوط أمريكا في فيتنام وهزيمتها الكبرى في العراق الآن، إلى حد مجيء "رجل أسود" ليحكم أمريكا الأمر الذي لم يكن في أسوأ أحلام بوش ومحافظيه الجدد واضطرار هذا القائد الجديد لأمريكا ولو بهدف التضليل فقط طلب الصفح عن أمريكا بوش وفتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي، والتنازل عن محاصرة روسيا برادارات وأجهزة تجسس في بولونيا وأوروبا الشرقية.

إن هذا الفشل الذريع لسياسة الهيمنة الأمريكية الإنكليزية واتهام بلير بتهديد الأمن القومي الإنكليزي نتيجة هذا الفشل هو السبب من وراء هذه اللجان، وليس الأعمال الإجرامية وجريمة الحرب هذه في العراق وضد الشعوب الإسلامية في العراق وغير الإسلامية في جورجيا وفنزويلا وكل الشعوب المناضلة من أجل الحرية والاستقلال والسيادة.

dr_mahameed@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك