بدأت الاستعداد لامتحانات آخر العام الدراسي الذي لم نداوم فيه أكثر من ثلاثة أشهر بفعل المظاهرات وثورة الحجارة التي شملت جميع أنحاء الجزء الأوسط من فلسطين ومع ذلك كان لا بد لنا من الحصول على مجموع عال واجتياز السنة بنجاح منقطع النظير لعدة أسباب منها الإثبات لسلطات الاغتصاب أننا أقوى من الظروف وثانيها كذلك الإثبات لبعض الآباء الذين يخافون على أولادهم من الرسوب في مدارسهم أن هذه الأعمال إنما تكون شاحذة لهمم الشباب الملتزمين وليست عائقاً أمامهم.

وذات يوم وعندما كنا نحمل كتب التاريخ استعداداً لامتحان اليوم التالي ونتمشى على الخط العام الذي يزدان جانباه بأشجار الزيتون العتيدة التي تمثل شاهداً على عظمة الأرض والارتباط بها وكذلك أشجار اللوز التي تحمل أثمارها إضافة إلى حقول القمح التي أثقلت رؤوسها بفعل السنابل الكثيفة التي كانت تنتظر مناجل الحصادين و(حداديهم) التي كانت تزداد حدة بفضل زغاريد النسوة الحصادات..
وبينما كنا نراجع الدروس مررنا على الفتوحات الإسلامية التي كانت قد وصلت إلى حدود الصين ودخلت حدود فرنسا... عندها توقفت أنا وصاحبي قليلاً نتناقش ليس في الفتح الإسلامي أو في الشهامة العربية أو في الرجل العربي الذي كان يجلس في سوق عكاظ ويمد رجليه قائلاً (من كان منكم رجلاً فليتخطني لأضربه بهذا السيف) بل أخذنا نتناقش – رغم صغر سننا – بأبشع عملية بيع بالمزاد تمت في التاريخ وهي بيع شعب بأكمله وبلاد بأكملها.

استعرضنا ولكننا لم نصل إلى نتيجة لأن النتيجة أصبحت عند جيل ثورة الحجارة – ألا وهو نحن – لا نستطيع فعل شيء سوى استعمال الحجارة التي لا تمنع عنا ولا تصلنا بقرار بل هي بين أيدينا، وعند ذلك حضرت إلينا فكرة وهي أن نمارس لعبة شعبية مشهورة عندنا اسمها (الكازة) وهي عبارة عن بلاطتين كبيرتين توضعان متقابلتين متباعدتين بعد أن تحدد المسافة بينهما ويبدأ الفريقان كل حسب دوره يقذف الحجارة على هدف الخصم وعند الإصابة يسمح له بأن يضيف ضربة أخرى وهكذا دواليك وفي الحقيقة أننا وعندما بدأنا ممارسة تلك اللعبة لم تكن في أذهاننا إصابة البلاطات بل كنا نتخيل أن البلاطة هي رأس جندي صهيوني سنشجه بحجرنا الذي أصبح فاعلاً أكثر من جميع المخازن.. وقبل كل ضربة حجر كنا نصرخ:
- هذا الجندي شلومو (ملعون أبوك يا ابن الكلب).
- هذا الجندي عيزرا (يا ابن...)
- هذا الجندي الياهو (....)

وهكذا في كل ضربة حجر نستحضر اسم جندي صهيوني، وكانت النشوة وأي نشوة تلك التي كنا نمارس فيها شخصيتنا ولو في الخيال لأننا بالتأكيد سنكمل المسيرة ونشج رؤوسهم بحجارتنا.
وبينما كنا كذلك وصراخنا يعلو وضحكاتنا تجلجل الجبال وتحرك السنابل في الحقول لم نشعر بأي حركة حولنا وكنا متيقنين بأننا وحدنا الذين نعكر صفو الطبيعة وعلى هذا الأساس كنا نتصرف.
ولكن ما هي إلا لحظات حتى توقفت بجانبنا سيارة بيضاء صغيرة بدون زامور وضجة على الفور نزل منها ضابط المخابرات المعروف في منطقتنا يحمل معه بيده اليمنى مسدسه الجاهز لإطلاق النار..

ذهلنا.. وقفنا والحجارة لم تزل بأيدينا ومسدسه في يده.. نظرنا إلى بعضنا البعض.. متى جاء؟ ومن أين؟ ولماذا جاء؟ أسئلة كثيرة دارت في رؤوسنا وبعدها ساد صمت قطعه حين قال:
- يا كلاب أنتما مخربان هيا معي إلى قسم الشرطة سأكسر رأسيكما هناك وسأضعكما في السجن وأحرمكما من الامتحان.
- امتحان! طز يا امتحان... قلتها في سري إني أذاكر هذه اللعبة ليس لامتحان الغد الذي سأقدمه مكتوباً على الورق أكتب فيه عن بطولات أكل الدهر عليها وشرب، إن امتحاننا سيكون عسيراً عليكم وسنشبع رؤوسكم بهذه الحجارة المباركة ونقلب الدنيا كلها عليكم – ثم أردفت لنفسي:
- لن نذهب معك ولو أحضرت كل الأسلحة التي يحملها جنودكم.

- هيا يا كلاب ماذا تنتظران؟ ادخلا السيارة وإلا أطلقت النار عليكما وسوف لن يحاسبني أحد.
خرجنا عن صمتنا لأنه معروف بشراسته وقررنا أن نواجه بنفس الشراسة التي يواجهنا بها وقلنا له بصوت واحد:
- ماذا تريد منا؟ ولماذا نذهب معك إلى الشرطة؟ هل نحن لصوص؟ أم هل تعرضنا لك في الطريق؟
- لستما لصين ولكنكما مخربان وقد ضبتكما تتدربان على الرماية بالأحجار لتشاركا في المظاهرات، قالها وهو يرتجف.
- وماذا في ذلك؟ نحن نمارس هوايتنا في أوقات فراغنا ولم نؤذ أحداً.
- لقد آذيتمونا، بالأمس جرح صديقي في نابلس بفعل حجر رماه عليه شاب في سنكما.
- وما ذنبنا نحن؟ اذهب إلى نابلس وضع أهلها في السجن إن استطعت.

لم يحتمل النقاش لأن أعصابه – على ما يبدو – قد انهارت وصرخ في وجهينا قائلاً:
- يا أولاد الكلب ستذهبان معي وإلا قتلتكما الآن.
- لن نذهب معك فهذه الأرض أرضنا والحجارة حجارتنا وأنت الدخيل علينا ويجب أن نحاكمك نحن لا أن تحاكمنا أنت.

سمع هذه الكلمات... طار عقله من رأسه... خرج عن طوره وفقد كل أعصابه إن بقيت لديه أعصاب، وأطلق النار على صديقي الذي كان قريباً منه وجرحه في فخذه الأيمن وقبل أن يوجه مسدسه ناحيتي رأيته وقد طرح أرضاً بفعل حجر شج رأسه ولم أدر من أين جاءه استغربت من أين جاء ذلك الحجر حيث لم يكن أحد غيرنا في تلك البقعة، أدرت رأسي هنا وهناك وفجأة رأيت امرأة خلف حاجز حجري تجمع الحشائش لأبقارها.

asadalazooni@gmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك