الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مختارات لتأسيس الوعي
حجم الخط: + -
تصحيح تاريخ فلسطين القديم منهجياً
|
جميل خرطبيل |
اهتم الغرب الاستعماري بآثار تاريخ فلسطين القديم منذ القرن التاسع عشر.. وكان هدفه إبراز الحق التاريخي المزعوم لليهود استناداً إلى الرواية التوراتية، وقد كتب منذ ذلك الوقت آلاف الكتب والدراسات عن تاريخ إسرائيل القديم ووظف علم الآثار لتلك الغاية (المعول بيد والكتاب المقدس باليد الأخرى)!
والمؤرخون العرب القدماء والحديثون إلا بعضهم، أخذوا يكررون مدونات الغرب الاستعمارية القائمة على التوراة، أو استندوا إلى ما رواه المؤرخون العرب القدماء وهو أيضاً قائم على اليهوديات/ الإسرائيليات التي غزت تراثنا القديم!
وتطور مناهج البحث التاريخي وآليات التنقيب الآثاري في النصف الثاني من القرن العشرين واتسامها بالموضوعية إلى حد كبير له الفضل في تصحيح الكثير من الصورة القديمة التقليدية.
إن سورية (الاسم القديم المعادل لمفهوم بلاد الشام) لها طابع واحد سكاني وحضاري. وقد ظهرت الحضارة فيها تباعاً. ولا خلاف عند المؤرخين جميعاً حول التاريخ السحيق الذي يعود إلى ما يزيد عن 700000 سنة (1) وحتى القرن الثالث عشر ق.م.
لكن لا بد هنا من الإشارة إلى أن المؤرخين الغربيين التوراتيين أسقطوا أسطورة سفر التكوين على شعوب المنطقة والهجرات العربية؛ فأطلقوا تسمية "الشعوب السامية"، وهذا ليس علمياً فهؤلاء شعوب عربية ولهجاتهم عربية وما السلالات المتفرعة عن نوح إلا خرافات، ومنها الحديث عن الكنعانيين واليبوسيين، وما ذكرته الآثارية كاثلين كِنيون عن قضية اليبوسيين والقدس اليبوسية إنما هو استناد إلى التوراة. وما ورد من نصوص متقاطعة حول تلك التسميات إنما هي أكاذيب في القراءة أو التفسير.
كما أن إسقاطات المؤرخين التوراتيين ومن يدور في فلكهم لقصة النبي إبراهيم (تقريباً منذ عام 1850 ق.م) وسلالته على فلسطين، ثم هجرة يعقوب وأسباطه إلى مصر، ومنها وبعد انقطاع تاريخي مدة أربعة قرون ما بين النبي يوسف وموسى، حكاية الخروج من مصر.. لا دليل عليه سوى رواية التوراة، التي أسست دينياً أسطورة الوعد!
في القرن الثالث عشر ق.م تقريباً (أواخر العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي) بدأت خرافة غزو بني إسرائيل القادمين من مصر لفلسطين، ثم إقامة مملكة داود وسليمان في فلسطين (1000 - 923 ق.م)، ثم انشقاق المملكة من بعد سليمان إلى مملكة إسرائيل "السامرة" (923 - 722 ق.م) التي انتهت بالسبي الآشوري، ومملكة يهوذا (923 - 586 ق.م) التي انتهت بالسبي البابلي، ثم العودة منه مع الاحتلال الفارسي. ثم يُستكمل التاريخ المزيف ليغطي فترة الاحتلال الإغريقي فالروماني بالاستناد إلى أسفار المكابيين وتاريخ يوسيفوس، فيُصور تاريخ فلسطين في تلك الفترة كأنه حروب بين اليهود واليونان ثم بين اليهود والرومان.
إن تصحيح كتابة تاريخ تلك الفترة هي أولاً نفي للتاريخ المتداول (نقد ونقض)، والكتابة التصحيحية لا تصل إلى الرؤية التفصيلية الدقيقة، لأن مصادر تلك الحقبة الآثارية والنصية بيد الصهاينة والمسيحية الغربية المتصهينة، فهؤلاء بعد استعمار فلسطين استعمروا آثارها وصادروا حقها التاريخي والحضاري، ولن يفكوا أسرها لأنها ستنسف المشروع الصهيوني/ المسيحي المتصهين، وتقوض رواية التوراة وما سيعكسه ذلك من الطعن في قدسية العهد القديم (المُوحى به من الله كما يزعمون) والذي ضُم إلى الكتاب المقدس عند المسيحيين، ولا ندري الكم الذي أُتلف!
هناك أربعة مناهج درست تاريخ فلسطين القديم:
1- المنهج التوراتي التقليدي: ونستخدم تسمية التوراة هنا ونعني العهد القديم كله من الكتاب المقدس عند المسيحيين وليس الأسفار الخمسة الأولى. ويتمسك بهذا المنهج لاهوتيون ومؤرخون وباحثون غربيون (يهود ومسيحيون)، وكذلك باحثون عرب (مسلمون ومسيحيون).
والصهاينة والمستعمرون الغربيون يتمسكون بهذا المنهج ولن يغيروا رأيهم مهما كانت المستجدات لأن القضية تتعلق بمشروع وظيفي في خدمة الإمبريالية الغربية، وهذا يعني أن المشروع الصهيوني لن يتأثر بتحطم الخرافة التوراتية سواء أكان بكشف كذبها أم بنقل أحداثها إلى مكان آخر لأنه ليس مبنياً عليها، ولكنه يزعزع المؤمنين بالرواية التوراتية إن فكروا بعقولهم فيها.
2- منهج تصحيح جغرافية التوراة: وهو ينقل مكان الرواية التوراتية إلى جنوب غربي الجزيرة العربية، بناء على قراءة أعلام التوراة الشخصية والأماكن، بالعودة إلى "التوراة العبرية" بعد إلغاء الحركات التي أدخلها الماسوريون بدءاً من القرن الثامن الميلادي.. والتوراة العبرية إنما هي توراة باللهجة الكنعانية الفلسطينية، وبالخط المربع (الكنعاني أو الآشوري أو البابلي).
لقد تحدث مستشرقون ومؤرخون غربيون قديماً عن تلك الجغرافيا مثل كيتاني في الربع الأول من القرن العشرين ومرجيليوث وفيلبي وإسرائيل ولفنستون وجيرالد دي غوري.. ولكن لم يلتفت إليهم أحد. وأعيد إحياء تلك الفكرة بعد فشل التنقيبات الآثارية في العثور على الرواية التوراتية على أرض فلسطين. ومن الباحثين العرب المعاصرين نذكر:
(د. كمال الصليبي، د. أحمد داود، د. زياد منى، فرج الله صالح ديب، أحمد عيد، د. فاضل الربيعي..) (3).
وهذا المنهج يعمل على إنقاذ التوراة من مأزقها بعد انكشاف زيفها. وخطورته هي التسليم بصحة التوراة الحدث والتاريخ عند معظم أتباعه مع أنها أكاذيب وخرافات.
3- منهج تصحيح الزمن: وهذا المنهج يقوم على تصحيح الزمن التوراتي وهو يتراوح بين تقديم أو تأخير لـ 600 سنة عند بعضهم و300 سنة قد تزيد أو تنقص عند آخرين، ليطابق أحداثاً تاريخية صحيحة تقارب تاريخ الهكسوس أو تاريخ رمسيس الثاني.. وآخرون حذفوا 400 سنة وهي التي غيبتها التوراة بين النبي يوسف وموسى. و د. أحمد داود أعاد ميلاد المسيح 300 سنة إلى الوراء.
والباحث عبد الرحمن غنيم يختلف بأرقامه عن كل هؤلاء حيث أعاد أخبار الآباء وقصة الخروج 1700 سنة إلى الوراء بالاستناد إلى تفسيره لنصوص أساطير مصرية. ورؤيته التاريخية تؤكداً قسماً من الرواية التوراتية في فلسطين وهو عصر الآباء لكن بتأخير الزمن، ثم تؤكد وجود مملكتي إسرائيل ويهوذا لكن بالعودة إلى الزمن التاريخي التقليدي (4)، وهذا يعني وجود فارق زمني بحوالي 1700 سنة بين زمن المملكة الواحدة (مملكة داود وسليمان) والمملكتين (مملكة إسرائيل ويهوذا) مما يعني عدم ارتباطهما مع بعض في تسلسل زمني. وخلافه الآخر مع الرواية التوراتية هو المكان الذي ذهب إليه موسى مع بني إسرائيل عند خروجه من مصر ومكان مملكة داود وسليمان، حيث لم يحسم المكان مع تقبله أن يكون الخروج إلى عسير وأيضاً قيام المملكة الواحدة.
4- المنهج الآثاري: وهو يعتمد على علم الآثار وتقاطعات نصوص دول المنطقة مع أحداث فلسطين. وعلى الرغم من أن هذا المنهج قدم أطروحات هامة نسفت الكثير من التاريخ التقليدي، لكن أصحابه ادعوا أن تاريخ دولة إسرائيل بدأ على أرض فلسطين في القرن التاسع ق.م!
إن اعتماد المنهج على علم الآثار وعدم التأثر بالأطروحات الدينية مهم جداً لأن التاريخ الديني ليس هو التاريخ الحقيقي. ومهمة المؤرخ هي الانطلاق من قراءة المعطيات العلمية ليدون التاريخ، وليست إسقاط التاريخ الديني على الأرض وقسراً!
ومع أن مدرسة المؤرخين الجدد (المدرسة الراديكالية في البحث الآثاري) فرضت نفسها على ساحة العلم الآثاري، وأثبتت أن التوراة وثيقة لاهوتية وليست مصدراً تاريخياً (5)، إلا أن ذلك لا يعني أن أفكار (مدرسة علم الآثار التوراتية) مدرسة وليم أولبرايت الأمريكية المتعصبة لم تعد مسيطرة على آلية علم الآثار على الرغم من اعتراف بعض المحافظين من الآثاريين اليهود والمسيحيين أنهم لا يمتلكون أيّ دليل آثاري أو نصي يثبت صحة نص التوراة عن عصر الآباء أو خروج بني إسرائيل من مصر، ودخول يشوع بالقوة إلى فلسطين عبر أريحا، وكذلك مملكة داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد!
من المؤرخين الجدد كيث وايتلام (6)، توماس طومسون (7)، فنكلشتاين ونيل إشر سيلبرمان (8). وقد ذكر فنكلشتاين أن الاكتشافات الأثرية الحديثة: (ألقت شكوكاً جديةً على الأساس التاريخي لمثل تلك القصص التوراتية المشهورة؛ كرحلات الآباء، والخروج الجماعي من مصر، وغزو كنعان، والإمبراطورية المجيدة لداود وسليمان) (9).. (العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان، ولا بالطريقة والأوصاف التي رُويت في "الكتاب المقدس العبري"، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري لم تحدث مطلقاً أصلاً) (10).
وقد أثار فنكلشتاين قضية تدوين التوراة إذ يرى أن قصة ولادة التوراة تبدأ من عهد يوشيا/ جوشيا في القدس في نهاية القرن السابع ق.م (639 – 609 ق.م)، بينما هناك نظرية لاهوتية تدعي أن الأسفار الخمسة الأولى (التوراة) كتبت في عهد المملكة في القرن العاشر قبل الميلاد. وهناك رأي ثالث يؤمن به معظم المؤرخين اللاهوتيين ومن يدور في فلكهم وهو أن بداية تدوين التوراة تمت في فترة السبي وبعده وحتى الاحتلال الإغريقي من عام (539 – 64 ق.م).
يقول فنكلشتاين: (كان مسقط رأس تلك القصة مملكة "يهوذا"، التي كانت عبارة عن منطقة حلت فيها - بشكل متناثر- مجموعات من الرعاة والمزارعين، يخضعون لحكم مدينة ملكية خارج الطريق، توطنت - بدون ثبات- في قلب منطقة التلال، على الحوافي الضيقة لوديان صخرية حادة) (11).
فكل شيء عن التاريخ المبكر لبني إسرائيل كما يرى كُتب في نهاية القرن السابع ق.م، ويوشيا فرض العبادة في الهيكل في أورشليم وألغى كل العبادات الأخرى، وتمحور الأمر حول فكرة هيكل سليمان الأسطورية: (ارتفعت طموحات زعماء يهوذا السياسية، الذين طمحوا لجعل هيكل "معبد" أورشليم والقصر الملكي فيها، مركز مملكة إسرائيلية واسعة، كتحقيق لإسرائيل الأسطورية لداود وسليمان) (12).
كما أن معارك "يشوع" إنما هي حروب يوشيا لتوسيع مملكة يهوذا (13).
وقد أثار عالم الآثار الإسرائيلي زئيف هيرتسوغ في مقالته التي نُشرت في صحيفة هآرتس في 28/ 11/ 1999، عاصفة في قلب الكيان الصهيوني وخارجه لأنه قال فيها بأن الحفريات في القرن العشرين كلها لم تثبت رواية التوراة فقصص الآباء أساطير، والإسرائيليون لم يأتوا من مصر ولم يخرجوا منها ولم يدخلوا فلسطين. وأنه لا وجود لمملكة داود وسليمان الموحدة، وأن يهوه (إله إسرائيل) كانت له زوجة وهي الإلهة (عشيرة) الكنعانية. وعقيدة بني إسرائيل لم تتم في جبل سيناء، وإنما في أواخر عهد ملوك يهوذا.
إن تلك التعديلات الجذرية انعكست على بعض الباحثين العرب المعاصرين، فمشوا وراءها فرفضوا ما رفضه فنكلشتاين وزملاؤه وقبلوا بما قبل به أولئك، فكتاباتهم عن فلسطين أو القدس صدى لمدرسة المؤرخين الجدد ولتعديل فنكلشتاين التاريخي، فمنهجهم رفض رواية التوراة عن الآباء والخروج من مصر والدخول إلى فلسطين ومملكة سليمان والهيكل، ولكنه قبل البدء من المملكة المنشقة كما فعل فراس سواح مع مرونة في منهجه لم يحسمها حول سليمان ومملكته وهيكله الذي يعتقد بوجوده في مكان ما في القدس مما يثير شكاً في منهجيته وتأريخه للقدس الذي تم تحت عنوان أورشليم، وهذا يناقض رأيه في مملكة الشمال (إسرائيل) ذات الصبغة الكنعانية في كل شيء والتي كما يرى لا تمت لتراث اليهودية بشيء (14)!
ونجد حسم البدء مع دولة يهوذا عند الباحثين قاسم الشواف في كتابه (فلسطين، التاريخ القديم الحقيقي)، وخزعل الماجدي في كتابه (تاريخ القدس القديم).
و د. سهيل زكار ينفي قسماً من الرواية التوراتية حيث يقول: (كل المعطيات تبين أنه لم يكن هناك لا موسى ولا داود ولا يوسف ولا يعقوب، لهم علاقة بفلسطين)، لكنه يلمح بالمملكة في مكان وزمن آخرين كالعراق زمن الآشوريين (15).
إن الباحثين العرب الجدد لم يحاولوا مناقشة مدى صحة تلك المملكة المنشقة وفترة الاحتلال الفارسي، وفي الوقت نفسه قبلوا بأسفار المكابيين وتاريخ يوسيفوس كمصادر لتأريخ فلسطين في فترة الاحتلال الإغريقية ثم الرومانية، على الرغم من عدم مصداقية المكابيين ويوسيفوس، والسبب أن هناك ثغرة تاريخية لا بد في نظرهم من ملئها! ولو رفض فنكلشتاين أسفار المكابيين ويوسيفوس لرفضوها، فما يقبله أولئك يقبلونه وما يرفضه أولئك يرفضونه، وكل ذلك تحت شعار علم الآثار الحديث!
إن المنطقة كانت مليئة بالمعطيات النصية التي تتحدث عن التاريخ الحقيقي للمنطقة وحقيقة اليهود بل والمسيحية، ولكن التعصب الديني الأعمى لليهود أدى إلى إتلاف وحرق كل الكتابات التي تخالف المعطيات اليهودية أو تنتقد أو تذكر معلومات مناقضة لمعطياتها. والأمر نفسه تكرر مع المسيحيين المتعصبين الأوائل فقاموا بإتلاف وحرق كل ما يتناقض مع رؤيتهم الدينية والتاريخية.
وكمثال على ذلك نذكر فيلون الجبيلي الذي عاش عام (64 – 141 م)، حيث ذكر أنه ترجم كتاباً بعنوان (التاريخ الفينيقي) من الفينيقية إلى الإغريقية، لمؤلفه سنخو نياتون (ربما عاش في الألف الأولى قبل الميلاد)، وقد أتلف الكتاب وبقيت مقتطفات منه ذكرها مؤرخ لاهوتي بيزنطي (260 – 340 م) اسمه يوزيبيوس القيصري في كتابه (التاريخ الكنسي).
يقول يوزيبيوس عن ذاك الكتاب: (يعطي أكثر التقارير وثوقاً عن اليهود والتي تتوافق بشكل جيد مع أسماء أماكنهم وأسمائهم..) (16). والسؤال: لماذا أُتلف الكتاب لو لم تكن معلوماته مناقضة لمعلومات التوراة!
استناداً إلى تلك المعطيات كلها لا بد من رؤية جديدة ومنهج جديد لكتابة تاريخ فلسطين القديم يستفيد من إيجابيات ما وصلت إليه الدراسات الحديثة ويتجاوز أخطاءها ومسلماتها، ويمكن أن يقوم على الأسس التالية:
1- الاستناد إلى فنكلشتاين والمؤرخين الجدد لنقض قسم من التاريخ المزيف:
وهذا يفيدنا في نقض تاريخ وجغرافية التوراة من أولها وحتى مملكة يهوذا.
2- الاعتماد على تاريخ هيرودوت (484 - 425 ق.م):
الاعتماد على هيرودوت يدعم أولاً قسماً من موقف المؤرخين الجدد، وثانياً ينفي تاريخ المملكتين (مملكة إسرائيل ويهوذا) والسبي والعودة منه إلى فلسطين.
فتاريخ هيرودوت هو المصدر الأول، لأنه يغطي التاريخ القديم في المنطقة (سورية وبابل ومصر إضافةً إلى فارس..) حتى القرن الخامس قبل الميلاد. وقد زار المؤرخ المنطقة، وهو صادق وحيادي في تأريخه لمنطقتنا العربية، وإيمانه ببعض الخرافات السببية لا يؤثر على أحداث تاريخه.
لقد تحدث بالتفاصيل عن وصف مصر وأحداثها، وعن العراق حيث وصف لنا مدينة بابل فذكر الأسوار والطرقات والمزروعات.. وعادات الناس وتقاليدهم كاللباس والزواج والجنس والطب والمعبد وطقوس دفن الموتى..
كما تحدث عن الفرس وقورش الكبير (557 - 530 ق.م)، وحملة قمبيز على مصر وحكمه لها في القرن السادس (530 - 521 ق.م)، ومن ثم الحديث عن دارا الأول "داريوس" (521 - 480 ق.م) وحملته على الإغريق.
وحروب أحشويرش بن داريوس ومن وقف إلى جانبه ضد الإغريق من العرب الفينيقيين والمصريين والليبيين... (17).
فأين صدى تلك الأحداث والحروب في التوراة؟
كما تحدث هيرودوت عن حاميات المصريين وذكر أن المصريين أقاموا ثلاث حاميات على الحدود مع سورية (فلسطين)، ومع ليبيا ومع أثيوبيا وهي المقامة في جزيرة إلفنتين (Elephantine) مقابل أسوان/ مصر (18)، وكذلك فعل الفرس، فأين اليهود؟
وقد أكد أن المصريين: (يشتغلون في حفظ سجلات الماضي، أكثر من أي شعب آخر في العالم، وهم من أشد من عرفت من الناس انكباباً على دراسة التاريخ) (19).
إذاً كيف لا يتحدث المصريون عن تاريخ بني إسرائيل والخروج إن كان قد جرى على أرضهم، وعن أخبار اليهود فيما بعد؟!
ونجد أن تسمية سورية في عصره كانت تضم المنطقة المعروفة قديماً ببلاد الشام، ففي الفقرة الخامسة عندما يتحدث عن المناطق التي كانت تدفع الضرائب لداريوس يذكر: (باستثناء المنطقة العربية التي لم تكن تدفع أية ضريبة على الإطلاق، وهذا الإقليم كان يضم الأراضي الفينيقية والقسم من سورية الذي يُطلق عليه فلسطين وقبرص) (20).
ويذكر تسمية فلسطين: (وتُعرف هذه المنطقة من سورية وما يليها جنوباً حتى مصر بفلسطين..) (21).
إن هيرودوت لم يأت في تاريخه على ذكر بني إسرائيل واليهود، وهذا يعني أنهم لم يكونوا موجودين، وكذلك الأمر يُقال عن المملكتين والسبي والعودة وبناء الهيكل..
3- نصوص قمران:
النصوص التوراتية التي اُكتشفت في مغاور قمران قرب البحر الميت وحدّد العلم زمنها ما بين القرن الثاني ق.م والقرن الأول الميلادي، يمكن أن نبني عليها أن اليهود ظهروا في تلك الفترة وكتبوا أسفار التوراة على امتدادها، مع قبول أن تكون البدايات التمهيدية قبلها ببضعة عقود، لكن مع رفض خرافة الترجمة السبعونية في القرن الثالث ق.م في عهد بطليموس!
تلك هي الكتابة الأولى للتوراة بعد أن قام الكتبة بسرقة المعلومات من تراث المنطقة وتوظيفها لخدمة مشروع اليهود الاستعماري لفلسطين، فالكتابة ليست قبل داود ولا في زمنه، وليست في زمن يوشيا ولا في السبي أو بعد العودة منه، حيث لا يستطيع أحد أن يثبت ذلك!
4- أسفار المكابيين وتاريخ يوسيفوس:
لا توجد ثقة بأسفار المكابيين وتاريخ يوسيفوس لما فيها من أكاذيب وخيال جامح، مع العلم أن أسفار المكابيين غير قانونية وتُعد من الأبوكريفا عند المذاهب المسيحية كلها. واليهود لم يضموها إلى توراتهم (الكنعانية الفلسطينية)، وعلى الرغم من ذلك استند إليها الجميع لتغطية أخبار فلسطين في فترة الاحتلال الإغريقي والروماني وحتى تدمير معبد هيرود!
لذلك يجب رفضها كمصدر تاريخي، ولكن يمكن قبول بعض منها - وبحذر شديد- إن تقاطع مع مُعطى آثاري أو توافق مع التحليل العقلاني لمسار التاريخ، كما في شخصية هيرود.. أو النقود المكتشفة والتي تعود إلى زمن هيركانوس (140- 135 ق.م).
5- إعادة قراءة آثار المنطقة:
إن الصهاينة واللاهوتيين الغربيين والآثاريين التوراتيين وضعوا أيديهم مباشرةً على التنقيبات الآثارية وصادروا المعطيات الآثارية التي تنقض الرواية التوراتية فأتلفوا أو زوروا قراءة النقوش، لأنهم لا يريدون رؤية غير نص التوراة على أرض فلسطين وما يتقاطع معها من نصوص المنطقة!
وهناك عدة أمثلة على التزوير منها ما ذكره د. زياد منى حول فضيحة نقوشِ إيبلا التي اُكتشفت عام 1965 في تل مريدخ، حيث قُرئت فيها الأسماء: يهوه، إبراهيم، داود، إسرائيل، ولكن بعد اكتشاف التزوير قامت سورية بطرد الدكتور الأمريكي فريدمان والآثاري بتيناتو، وشكلت لجنة جديدة فانقلبت القراءة كلها ولم تعد تُقرأ تلك الأسماء كما قُرئت سابقاً، وعلى سبيل المثال تبين أن إبرم تعني سيداً في اللهجة الحورية وليس النبي إبراهيم (22).
وفي مصر ظهر الباحث طارق عبد المعطي الذي ادعى أن فك رموز اللغة المصرية القديمة التي بدأها شامبليون ومن جاء بعده غير صحيحة!
وفي محاضرة د. محمد بهجت القبيسي أمام مؤتمر الآثاريين العرب عام 2001 بين زيف قراءة اسم أورشليم في نصوص اللعنة بينما هي أوشام م أي الشام وهي تدل على المكان (23)، وكذلك زيف تسمية إسرائيل في نقش مرنبتاح الذي يتحدث عن أخبار انتصاراته على الأقواس التسعة "الشعوب". وإلى ذلك ذهب د. سهيل زكار في محاضرته عام 2003 في المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر في ليبيا، حيث ذكر أن أشام م قرئت تزويراً أورشليم، وكذلك بين زيف قراءة نقش مرنبتاح السابق (24).
وهناك فضيحة نقش يهوآش الذي ادعى مركز المسح الجيولوجي في الكيان الصهيوني اكتشافه عام 2003، ويعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهو يتحدث عن ترميم هيكل سليمان في زمن ملك يهوذا (أورشليم)، الذي عاش بحسب المؤرخين التوراتيين ما بين 836 - 798 ق.م (25).
وبعد إثارة ضجة حوله واحتجاجات وتشكيل لجان دراسات وتحقيقات، أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية رسمياً زيف النقش!
وتزوير أو تفسير القراءة لا حدود له، وقد ذكر د. كمال الصليبي أن (ءر سلم) التي قرئت أورشليم أو يروشليم أو أورسالم، هي آل شريم الحالية قرب النماص في عسير!
وبناء على تلك المعطيات نوضح التسميات التالية:
1- فلسطين:
هو الاسم الوحيد الصحيح استناداً إلى هيرودوت وغيره، وهو يعني بها سورية الفلسطينية المجاورة لفينيقيا وتبدأ من الجزء الجنوبي من سورية وحتى حدود مصر. وكان أحياناً يقول فلسطين السورية أو سورية الفلسطينية..
وتحدث د. زياد منى عن كتاب (التقدم) للمؤرخ الروماني (فلافيوس أريان) الذي اعتمد فيه على كتاب المؤرخ الإغريقي كُزنوفون الذي عاش (430 - 354 ق.م)، إضافة إلى تقارير عسكرية لأحد قادة الإسكندر المقدوني.. وقد ورد في كتاب (التقدم) قول أريان: (لكن الإسكندر قرر الاستمرار في التقدم نحو مصر. وهنا انضمت إليه باقي أقسام سورية التي تُعرف باسم فلسطين..) (26). كما ذكر خطاباً للإسكندر ورد فيه: (وكل سورية وفلسطين وما بين النهرين هي ملككم تماماً مثل بابل وبكتيريا وسوسة...) ويعطي د. زياد شواهد أخرى لمؤرخين عاشوا في القرون التالية ولم يشر أحد منهم إلى السامرة أو إسرائيل أو أورشليم أو اليهود أو مملكة الحشمونيين.. بل لم يذكروا سوى اسم فلسطين أو (سورية الفلسطينية) ويصفون السكان بـ (سوريو فلسطين).
وفيلو الإسكندري عندما تحدث عن أرض كنعان قال (سورية الفلسطينية)، حتى كتب الأبوكريفا تذكر فلسطين!
وقد ذكر المؤرخون أن الجفاف الكبير الذي ضرب شرق أوروبا وساحل البحر المتوسط أواخر القرن الثالث عشر ق.م، أدى إلى هجرة جماعات كثيرة من اليونان وكريت وجزر بحر إيجة وغيرها والتي سميت بشعوب البحر وغزت ساحل المتوسط الشرقي والجنوبي، وقد حدثت تلك الهجرات مرتين: عن الأولى ذكر نقش أن ملك مصر مرنفتاح هزم الذين حاولوا اختراق الدلتا وانتصر عليهم عام 1220 ق.م، ثم تابع خليفته رمسيس الثالث التصدي للمجموعات التي قدمت من الساحل الفلسطيني باتجاه الدلتا فهزمها لكن المجموعة التي قُرئ اسمها (بلست، فليست، فلشت، فلستيا) تمكنت من الاستقرار في الساحل الفلسطيني الجنوبي بموافقة رمسيس، وصارت فلسطين تدعى فليستيا (فلسطينيون في التوراة) وقد انصهروا في السكان المحليين الكنعانيين!
والغريب أن كثيراً من المؤرخين يذكرون بأنها الفترة التي جاء فيها موسى من مصر تقريباً (1260 - 1240 ق.م) خلال حكم رمسيس الثاني، ودخول يشوع أريحا (1220 - 1200 ق.م) والهدف جعل الفلسطينيين غرباء لكن بني إسرائيل أصلاء وهم عائدون إلى أرض أجدادهم التي وُعدوا بها!
والأغرب أنهم ادعوا ذوبان الفلست في الكنعانيين، فكيف يذوبون وتبقى تسمية بلاد الكنعانيين بفلسطين وبعد أكثر من ألف سنة، حيث عُمم اسم فلسطين على جنوبي سورية في القرن الرابع الميلادي زمن قسطنطين كما يقولون؟!
فما قيل عن تسمية الفلسطينيين بشعوب البحر هو خرافات لا أكثر وقد رفضها طومسون، فقبرص وكريت كانتا تابعتين للساحل السوري وسكانهما من السوريين، وكان التنقل والتجارة بينهما مستمراً.
2- كنعان:
المقصود من هذه التسمية خرافة كنعان التوراتية، وفي العصر الحديث أشاعه الآثاريون والمؤرخون الغربيون الذين يدورون في فلك الاستعمار لخدمة الرواية التوراتية. واسم كنعان الذي قرئ في النصوص الآثارية القديمة كما في نص ماري العائد إلى منتصف القرن الخامس عشر ق.م، و"Pekanan" في رسائل تل العمارنة الذي فُسر بأنه يدل عند المصريين على المنطقة الجنوبية من سورية، هو خطأ في القراءة والتفسير لأنه لم يثبت علمياً اسم كنعان كعلم على فلسطين. ولو فرضنا أن قراءة تلك النصوص صحيحة، لكن تفسيرها شيء آخر فقد تكون صفة لفلسطين أو جزء منها أو مكان آخر غير فلسطين، أو اسم لمهنة.. ولكنها حتماً ليست باسم علم على فلسطين. وهذه ليست بمشكلة كما في وصف المصريين لمصر بأنها أم الدنيا أو هبة النيل فهل أم الدنيا اسم علم آخر أو مجرد صفة (27)؟!
3- العابيرو أو الخابيرو:
إن تسمية العبرانيين وربطها بالعابيرو أو الخابيرو اللتين وردتا في النصوص القديمة عملية تزوير. فأساس التسمية يدل على مجرد المرتزقة أو قطاع الطرق لا غير، لكن التوراتيين حاولوا التزوير بالربط بينها وبين كلمة العبريين التوراتية.
4- قضية اليهود واليهودية:
اليهود هم المنتمون إلى الديانة اليهودية ولا علاقة للتسمية بالجنس أو العرق، وهناك خلط كبير بين اليهود والإسرائيليين والعبريين، وهي ليست تسميات لمسمى واحد؛ فلا علاقة لليهود القدماء ببني إسرائيل كما لا توجد علاقة بين بني إسرائيل وسلالة إبراهيم، وكل أولئك انقرضوا وطواهم الزمن. ولا علاقة ليهود اليوم بيهود الأمس مطلقاً.
وتزييف الارتباط نجده عند اليهود والمسيحيين بل وعند العرب المسلمين القدماء وتبعهم في ذلك مؤرخون معاصرون وكتبة لاهوتيون، جاء في الموسوعة الكتابية في مادة يهود: (وفي عصر إرميا أصبحت اسماً عاماً لكل بني إسرائيل فيما قبل السبي "في أواخر القرن السادس قبل الميلاد...).. (وعندما كان الشعب في السبي البابلي، اتسع مرمى الكلمة ليشمل كل أتباع الديانة اليهودية..)..
وتتابع الموسوعة الكلام الخاطئ فتقول: (وتحتفظ كلمة "اليهود" فى أسفار العهد الجديد بمدلولها كشعب ودين)!
لقد نشأت اليهودية مع تأليف الأسفار خلال الاحتلال الإغريقي (الهلنستي) لسورية ومصر، وكان الكتبة من جنسيات مختلفة.
ولعل الفكرة ولدت زمن الإسكندر المقدوني إذ فكر في تأليف ديانة مقتبسة من كل الأديان، لتكون الديانة الوحيدة لكل شعوب إمبراطوريته، وهنا سؤال مشروع: هل الديانة اليهودية هي نتيجة لتلك الفكرة، لذلك اقتبست من كل تراث المنطقة (السومري والبابلي والفينيقي والكنعاني والمصري والفارسي)؟!
ربما كان ذلك ولا سيما أن الذين استوطنوا فلسطين من الغرباء اليونانيين وبقايا الفرس كانوا بحاجة لشرعية تاريخية تثبت استيطانهم فاختلقوا ذاك النسب، إضافة إلى ديانة توحدهم مع الآخرين.
وبعد أن بدأت تتبلور أسفار اليهودية وازداد عدد المتهودين، يمكن أن يكون الطمع قد دفع بعض حكامهم للاستيلاء على السلطة في القدس وما حولها، فتمردوا على السلوقيين، وسيطروا على جزء من القدس وجزء من ضواحيها، وهنا نجد تعليلاً لأكذوبة السلالة التوراتية؛ فقد ادعوا أنهم من سلالة مملكة قديمة هي مملكة سليمان وأن القدس كانت العاصمة واسمها أورشليم، فما مملكة سليمان إلا صورة عن أطماعهم التي أسقطوها على مملكة سليمان المشابهة لإمبراطورية الإغريق!
ولم يكن لليهود (وأعني هنا بالضبط المنتسبين إلى الديانة اليهودية) في أية منطقة من فلسطين وجود مستقل وخاص بهم، فقد كانوا ضمن سكان فلسطين العرب المكونين من فلسطينيين وسوريين ومصريين، إضافة إلى عناصر غير عربية من اليونانيين والرومان وبقايا الفرس.. ولم يسيطر اليهود إلا إدارياً على جزء صغير من القدس وضواحيها مع بقاء تبعيتهم للمحتل، ولم تكن لهم سلطة ثيوقراطية/ دينية إلا على قسم من اليهود حيث انقسم اليهود إلى مجموعات متناقضة ومتناحرة فيما بينها.
وقد قال د. عبد الوهاب المسيري: (أما مصطلح "اليهودية" فيبدو أنه قد ظهر أثناء العصر الهيليني للإشارة إلى ممارسات اليهود الدينية لتمييزها عن عبادات جيرانهم. وقد سك هذا المصطلح يوسيفوس فلافيوس ليشير إلى العقيدة التي يتبعها أولئك الذين يعيشون في مقاطعة يهودا...) (28).
ونجد في المعاجم التراثية الغربية الإنكليزية اختلافاً حول أصل يهوذا؛ فهل هي في اللاتينية جوديا أو لوديا المشتقة من اليونانية لوديا، والتي اشتقت من الآرامية يهوديا (29)!
إن ادعاء المؤرخين التوراتيين بأن الأصل هو منطقة اسمها (يود) أو (يودا) أو (جودا) أو (جوديا) في القدس وجنوبها التي تحولت فيما بعد إلى يهوذا في زمن الاحتلال الفارسي الأخميني، مشكوك فيه تاريخياً كما ذكر د. سهيل زكار، ولا إثبات عليه.
والفيصل في هذه القضية ما ذكره د. زياد منى في كتابه (مقدمة في تاريخ فلسطين القديم) أن الاسم الإداري يهوذا ظهر للمرة الأولى في القرن الثاني قبل الميلاد ليدل على منطقة صغيرة تحيط بالقدس.
إذاً الاسم ظهر مع تأليف الأسفار اليهودية، أما تسمية الديانة التي ألفها أولئك الكتبة، بالديانة اليهودية فهي لم تشتهر إلا في القرن الثاني الميلادي في الوقت الذي سُميت فيه أفكار المسيح وحياته وتعاليمه بالديانة المسيحية.
ويمكن قبول محاولة اليهود - وبحكم سيطرتهم الإدارية- فرض اليهودية على غير اليهود كما في الجليل وآدوم في عهد هيركانوس، وهذه المعلومة تعلل سبب كثرة اليهود في تلك الفترة وهجرتهم إلى مصر مما جعل يهود الإسكندرية أكثر من اليهود في فلسطين. ولها نظيرها في سفر أستير حيث تم التهويد بالقوة أثناء السبي في بابل. ونذكر أيضاً تهويد بعض العرب في اليمن (حكاية ذي نواس مع المسيحيين)، كما أن الكثير من المصادر والمراجع تخبرنا عن تهود الخزر (ككوستلر) وهم الأجداد الأوائل لليهود الأشكناز الذين يشكلون 90 % من يهود العالم في عصرنا.
فالتهويد يدل على أن اليهودية ديانة عامة وليست خاصة، ولكن لقلة المنتسبين إلى الديانة اليهودية ولا سيما عندما سادت الديانة المسيحية عالمياً ومن بعدها الديانة الإسلامية، ادعى علماؤها ومؤرخوها بأنها ديانة خاصة لتبرير قلة العدد الإجمالي ولربط اليهودية بالعرق والجنس!
التاريخ الفلسطيني القديم:
إن بلاد الشام الطبيعية كانت ذا نمط واحد في التطور بشكل عام على الصعيد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي.. وكانت فلسطين جزءاً من سورية وقد قامت فيها ممالك/ دول القرية أو المدينة، لكن موقعها الجغرافي كصلة وصل بين آسيا وإفريقيا وبوابة بينهما كما أنها معبر أوروبا البري إلى مصر وأفريقيا والعكس أيضاً.. جعلها مسرحاً للصراعات بين الإمبراطوريات الكبيرة في العصور القديمة، وهذا الأمر أفقدها الاستقلال التام في فترات من الزمن وجعلها خاضعة وتابعة للإمبراطورية المهيمنة وحرمها من الوحدة الإدارية والسياسية، وكانت التبعية تتجلى في دفع الجزية.
وهذا الخضوع وعدم الصدام كان يمنحها الأمان ويمكنها من متابعة حياتها الطبيعية والتطور الداخلي ثقافياً وفنياً ودينياً، واقتصادياً في الزراعة والصناعة واستمرار العلاقات التجارية مع من حولها..
وما ورد من ذكر بعض حكام فلسطين في النصوص الآشورية وغيرها في القرن التاسع ق.م وما بعد كعمري أو آخاب وغيره.. فأولئك حكام فلسطينيون حكموا ممالك فلسطينية، ولا علاقة للتوراة بهم فالكتبة سرقوا أسماءهم وبعض أخبارهم وأسقطوها على الرواية التوراتية.
والتسلسل التاريخي لفلسطين بشكل تقريبي هو على النحو التالي:
- الفترة الفلسطينية المستقلة منذ أقدم العصور وحتى عام 1468 ق.م تقريباً.
- السيطرة المصريّة الشكلية استمرت 268 سنة، من 1468 – 1200 ق.م، علماً بأن هناك من ينفي ذلك (30).
- عودة للاستقلال الفلسطيني لمدة 500 سنة، من 1200 - 800 ق.م.
- السيطرة الآشوريّة: بدأ الآشوريون غزوهم لسورية بدءاً من منتصف القرن التاسع ق.م وفرضوا سيطرتهم على معظم فلسطين في أواخر القرن الثامن ق.م وحتى عام 612 ق.م. وقام الآشوريون بعمليات سبي محدودة لسكان المناطق التي تمردت عليهم وجلبت سكاناً من مناطق أخرى (تبديل للسكان كعادة متبعة في تلك الأزمان) لتضمن الهدوء وعدم التمرد عليها، وصار حكام الممالك الفلسطينية تابعين سياسياً للآشوريين يقدمون لهم الجزية، ولكن على الأرض استمرت حياة الفلسطينيين الطبيعية.
وهناك نصوص آشوريةٌ تتحدث عن السبي (31)، وقد استغل كتبة التوراة قضية السبي والتبديل السكاني ليجعلوا أنفسهم هم المعنيين بالسبي ليبرروا اختفاء عشرة أسباط ادعوا أنهم أسسوا مملكة السامرة وهم من الأسباط الاثني عشر التي جاءت إلى فلسطين بحسب زعمهم. لقد تحدثوا عن تدمير مملكة السامرة عام 722 ق.م على يد الملك الآشوري سارغون الثاني، وسبيهم إلى بلاد آشور، ونقل سكان آخرين من مناطق أخرى إلى السامرة، وهذا كله لا دليل عليه، فالمملكة فلسطينية عربية وحكامها كذلك ولا علاقة لهم بإسقاطات التوراة الكاذبة.
أما نص أسر حادون الملك الآشوري الذي تحدث عن إخضاعه لملوك في سورية ومنطقة يهوذا وإحضارهم إلى آشور ليعملوا سخرة في بناء قصره وورود اسم منسى بن حزقيا من مملكة يهوذا.. فهذا كله يحتاج إلى إعادة قراءة النصوص والتأكد من كل حرف في النص، مع التأكيد على أن الحديث كله لا علاقة للتوراة به إنما هو إسقاطات من الكتبة.
- السيطرة البابلية: قضى البابليون على مملكة الآشوريين وورثوا امتداد سيطرتها، واستمروا 47 سنة، من سنة 586 – 539 ق.م. وهنا يتحدث المؤرخون التوراتيون عن اجتياح الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني للقدس عام 587 ق.م بعد أن تمردت عليه وسبى أهلها إلى بابل.
وهناك نص ترجم كالتالي: (... قاد ملك آكاد جيوشه نحو بلاد حاتي، فحاصر مدينة يهوذا وفتحها في شهر آذار وأقام عليها ملكاً جديداً اختاره، وأخذ منها جزية كبيرة حملها إلى بابل) وبحسب المؤرخين اللاهوتيين أن هذه الحملة التي حدثت عام 587 ق.م كانت نهاية مملكة يهوذا.
بينما تحدث د. سهيل زكار عنه في محاضرة له بعنوان: (القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات) وقال بأن الملك نبوخذ نصر تحدث عن حملاته، وأهمها الحملة التي قام بها في السنة السابعة من حكمه حيث جاء في النص:
(شهر كسيليمو "كانون أول" حرك ملك أكاد جيشه إلى أرض حتي HATTI، وحاصر مدينة ياحودو IAAHUDU، فاستولى على المدينة في اليوم الثاني من شهر آذارو، وعين فيها ملكاً حسبما ارتضاه، واستولى على غنائم ثقيلة منها وجلبها إلى بابل". وطبعاً لم يكن اسم القدس في يوم من الأيام ياحودو، والدراسة المتآنية لنصوص نبوخذ نصر تظهر أنه لم يستول على القدس، ولم يدخل فلسطين إلا مرة واحدة، جرى صده فيها من قبل الجيوش المصرية، ويقيناً لم يكن هناك سبي ليهود من القدس إلى بابل، لأن اليهود لم يكونوا قد ظهروا على مسرح التاريخ، يضاف إلى هذا أن الحفريات الأثرية أظهرت أن القدس كانت مدينة مزدهرة عامرة في التاريخ الذي قيل أنها تعرضت فيه للخراب على أيدي جيوش نبوخذ نصر، لكن هذه المدينة أخذت تتراجع لتصبح شبه قرية، وكان ذلك بعد أكثر من نصف قرن، أيام الحكم الأخميني، التي قيل بأن فيها أعيد بناء المدينة حسبما جاء في سفري عزرا ونحميا، وتم فيها أيضاً عودة المنفيين).
فكيف في الترجمة الأولى للنص قُرئت يهوذا؟!
الأمر يحتاج إلى إعادة قراءة النصوص دون التأثر بترجمة الآثاريين التوراتيين.
- الاحتلال الفارسي: خضعت فلسطين والمنطقة للاحتلال الفارسي ما يقارب 207 سنوات من 539 – 332 ق.م.
والمعطيات الآثارية والنصية لفترتي الاحتلال الفارسي واليوناني بعده لفلسطين قليلة ولا تغطي تاريخ فلسطين في تلك الفترتين، كما أجمع على ذلك الكثير من المؤرخين نذكر منهم د. معاوية إبراهيم (32). وفي هذه الفترة يحدثنا المؤرخون التوراتيون عن خرافة إعادة السبي وسكناهم في القدس وإعادة بناء الهيكل.. ولا دليل يثبت أياً من مقولاتهم، وتاريخ هيرودوت لا يذكر شيئاً عن ذلك، وهو الصادق.
- الاحتلال الإغريقي: وقد استمر 262 سنة من 332 – 70 ق.م.
بعد أن تمكن الإسكندر المقدوني من هزيمة الجيش الفارسي في آسيا الصغرى عام 333 ق.م، اجتاح سورية إلا أن أهل صور رفضوا الاستسلام له وقاوموا ببسالة حصاره الذي استمر سبعة أشهر، فلما دخلها ارتكب مجازر فظيعة، وكذلك فعل في غزة بعد أن رفضت الاستسلام له وقاومته.
بعد موت الإسكندر وانقسام الإمبراطورية، كانت سورية من حصة السلوقيين بينما مصر وفلسطين من حصة البطالمة، وكان هناك صراع بين الطرفين كانت فلسطين ساحته.
وهذا أول احتلال غيّر نمط الحياة في فلسطين، فقد فرض أغرقة فلسطين بثقافته وأسلوب حياته وعاداته وتقاليده حتى في العمران والملاعب والزي.. ولكنه لم يفرض ديانته لأنه رأى في الديانة الفلسطينية تقاطعات مع ديانته ومعابده..
- الاحتلال الروماني: وقد استمر 700 سنة من 63 ق.م – 637 م، فبعد انتصارات الروم على اليونانيين زحف الروم باتجاه المنطقة العربية، واحتلوا سورية، ثم فلسطين عام 63 ق.م.
وفي عهد يوليوس قيصر صار الزعيم العربي الآدومي أنتباتر (المتهود بالقوة) الحاكم الفعلي لفلسطين لمناصرته لقيصر في حربه ضد التمرد المصري، فقام المكابيون باغتياله بتدبير من هيركانوس الثاني كاهن اليهود.. فاستلم من بعده أولاده ومنهم هيرود.
عام 44 ق.م احتل الفرس فلسطين بتواطؤ المكابيين معهم، فهرب هيرود إلى الإسكندرية ومنها إلى روما لطلب المساعدة، فوافق الإمبراطور أنطونيو، وطلب من المجلس الاستشاري الروماني تعيين هيرود ملكاً على يهودا. فعاد ليقود حرباً ضد الفرس بمساعدة الروم، ونجح في طرد الفرس وصار ملكاً على يهودا ثم على معظم فلسطين فانتقم من قتلة أبيه وقضى على نفوذ المكابيين نهائياً. وخلال النزاع بين أنطونيو وأوكتافيوس (أغسطس)، مال هيرود إلى أوكتافيوس. وبعد أن انتصر أوكتافيوس على أنطونيو في معركة أكتيوم البحرية وآلت إليه إمبراطورية روما، أبقى هيرود ملكاً على فلسطين (33).
ما يهمنا من هذا السرد السريع هو هيرود لأنه اهتم بتطوير فلسطين ثقافياً واقتصادياً وعمرانياً فبنى مدناً جديدة كمدينة قيصرية نسبة إلى القيصر أوكتافيوس، وجعلها عاصمة فلسطين، وحسّن طرق المواصلات وبنى قلاعاً ومسارح وملاعب وأبنية حديثة.. وتقديراً له أضاف أوكتافيوس إليه منطقتين في جنوبي سورية.
وعلى الرغم من أنه كان على دين روما ولكنه كان متسامحاً دينياً تجاه الأديان في فلسطين، ولحبه للبناء بنى ورمم معابد الفلسطينيين وأهمها المعبد المركزي على جبل الموريا، وجدد أيضاً معبد السامريين الذين هم على خلاف وتناقض مع يهود القدس. كما جدد معبد اليهود في القدس والذي لا يعرف مكانه بالضبط ولكنه بالتأكيد ليس على جبل الموريا حيث كان معبد الفلسطينيين. وتجديد هيرود لمعبد يهود القدس جعله المعبد الأول الرسمي لليهود فأسقطوا عليه أسطورة هيكل سليمان القديم. وهنا لا بد من كشف التلفيق الصهيوني فلا يعقل أن يتجرأ هيرود أو غيره على مس معبد فلسطيني رئيسي على جبل الموريا يمثل الديانة الفلسطينية وهي ديانة غالبية الشعب الفلسطيني (34). وما تخمينات كاثلين كِنيون حول مِصطبة زُربابل تحت مصطبة هيرود، إلا خيال توراتي وقد اعترفت أنها لا تمتلك الدليل العلمي على تخميناتها. فتلك مصطبة فلسطينية قديمة للمعبد الفلسطيني الذي جدده هيرود، والذي أُهمل وطواه النسيان مع دخول الفلسطينيين الديانة المسيحية، وقد بني مكانه في العصر الأموي مسجدا الصخرة والأقصى.
وهذه القضية تحتاج إلى توضيح فمعبد اليهود الهيرودي في القدس الذي دخله المسيح كما ذكر في الأناجيل كان مقراً لمجموعة يهودية امتهنت التجارة وقد جاء في إنجيل يوحنا 2: (13 وكان فصح اليهود قريباً فصعد يسوع إلى أورشليم. 14 ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً والصيارف جلوساً. 15 فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم. 16 وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من ههنا. لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة).. وفي متى 21/ 13: (وقال لهم. مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص).
وكنيسة القيامة التي بنيت مكان صلب المسيح كما يروي التاريخ اللاهوتي المسيحي، ربما تكون فوق معبد اليهود الهيرودي المندثر على يد الروم. والذي يجعلنا نقول ذلك هو أنه نتيجة معاناة المسيحيين الأوائل من اليهود سواء في فلسطين أو في غيرها كروما، وإيمانهم بأن المسيحية انتصرت على قتلة المسيح ومضطهدي المسيحيين وبأن الديانة المسيحية حلت مكان الديانة اليهودية.. لذلك من الطبيعي إقامة كنيستهم فوق أنقاض المعبد اليهودي الهيرودي كتعبير عن ذاك الانتصار!
وهذا الكلام لا يعني تحريض الصهاينة ضد كنيسة القيامة للتنقيب تحتها، فهذا لن يكون مطلقاً، لأن المشكلة ليست دينية على الإطلاق ولن تكون، وهي سياسية أولاً وأخيراً، فالكنيسة البابوية في روما تخلت عن سيادة القدس للصهاينة بعد أن كانت تطرح مع قرار بلفور والتقسيم تدويل القدس تحت سيادتها، وبالتالي الصهاينة ليست لديهم مشكلة مع الكنيسة ما دامت قد تنازلت عن فرض سيادتها لهم. وهم لا تعنيهم القضية الدينية ووجود عدد من الكنائس المسيحية ما دامت تحت هيمنتها.
أما استمرار إصرار الصهاينة على أن هيكل سليمان كان على جبل موريا، والتهديد بهدم مسجدي الصخرة والأقصى لإعادة بناء الهيكل، فهذه أكذوبة تافهة لأن الدين ليس هو الدافع عند صهاينة ملحدين ولا سيما أن داود وسليمان ليسا نبيين بل هما ملكان لا أكثر. فالقضية سياسية، وهم يريدون فرض سيادتهم وسيطرتهم على القدس وتهويدها، والعنوان الرمزي لعروبة القدس عند الفلسطينيين والعرب والمسلمين هو المسجد الأقصى والصخرة فالدفاع عنهما إنما هو دفاع عن حقوق وسيادة ضد عملية قرصنة واستعمار.. لذلك يدفع الصهاينة باتجاه ديني للتضليل لا أكثر لتغطية النوازع الاستعمارية (35)!
ولنعد إلى هيرود والسياق التاريخي فبعد وفاته في سنة 4 ق.م، قسم الإمبراطور أوكتافيوس فلسطين بين أبناء هيرود الثّلاثة أرخيلوس وهيرود أنتيباس وفيليب.
وقد وقع صراع بين اليهود المتعصبين واليهود السامريين في جزء من فلسطين، ودبت الفوضى وانعدم الأمن في بعض المدن والقرى، فأرسل نيرون إمبراطور روما (54- 68 م) القائد فاسبسيان إلى فلسطين على رأس جيش فسحق اليهود المتمردين، واستقر في قيصرية. وفي هذه الأثناء مات الإمبراطور نيرون، فخلفه فاسبسيان فعاد إلى روما وسلم قيادة الجيش في قيصرية إلى ابنه تيتوس.
فقام تيتوس عام 70 م بمحاصرة القدس عقب تمرد وفوضى سببها اليهود، وقتل الكثيرين ودمر القدس وأحرق معبد اليهود الذي بناه هيرود، وهرب كثير من اليهود.
وفي عام 130 م قام الإمبراطور هادريان بزيارة إلى فلسطين، وقرر إعادة بناء القدس وتجميلها، وبناء معبد للإله زيوس مكان معبد اليهود. فتمرد اليهود المتعصبون بقيادة بار كوكبا (36)، لكن الإمبراطور هادريان سحق التمرد وطرد اليهود ومنعهم من دخول القدس منذ عام 135 م، وسمى المدينة باسم إيليا كابيتولينا. ونتيجة الطرد الأول والثاني لليهود ازداد انتشارهم في أنحاء العالم العربي والأجنبي كمصر والعراق ويثرب (المدينة) واليمن وأوروبا.. ونقول ازداد لأنهم كانوا في هجرة مستمرة منذ بداياتهم باتجاه مراكز الحركة التجارية والمالية والأعمال والمهن..
أخذ الفلسطينيون يدخلون في الديانة المسيحية تدريجياً إلى أن تبنى الإمبراطور قسطنطين (334 - 324م) المسيحية هو وأمُّه هيلانة في بدايات القرن الرابع، فصارت فلسطين مسيحية الطابع.
- في القرن السادس اجتاح الفرس فلسطين وذبحوا 30000 فلسطيني مسيحي، وباعوا الآلاف رقيقاً. لكن الإمبراطور البيزنطي هرقل شن حملة وهزم الفرس.
- مع الفتوحات العربية الإسلامية تحررت العراق وبلاد الشام ومصر وبدأت عهداً جديداً منذ عام 637 م.
إن تصحيح تاريخ فلسطين القديم واجب وطني علينا جميعاً، لأن الرواية التوراتية ما زالت مسيطرة على العقول وهناك الكثيرون الذين يتحفوننا بين فترة وأخرى بكتاباتهم عن فلسطين القديمة فتجدهم يتحدثون بلغة التوراة وخرافاتها ولا سيما عن دخول داود القدس وسليمان والمملكة والهيكل، في الوقت الذي تخلى عن ذلك المؤرخون الجدد من المسيحيين واليهود!
لقد صار على الباحث ليس فقط أن يفضح الإمبريالية والغرب المتصهين والصهاينة في تزييف التاريخ الفلسطيني القديم وإقناع الشارع الغربي بخرافة رواية التوراة التي يستند إليها الصهاينة في ادعاء حقهم التاريخي، بل عليه أيضاً أن يقنع بذلك الكثيرين من العرب المسلمين والمسيحيين!
ونتساءل متى يشكل العرب وخاصة الفلسطينيين مؤسسات علمية لكتابة التاريخ الصحيح لفلسطين ليقدموه إلى العرب أولاً ثم إلى العالم، ومتى تُعدل الكتب المدرسية والجامعية التي تدرس التاريخ التوراتي المزيف!
***
الهوامش:
(1) لا بد من الإشارة إلى الحضارة الأولى النطوفية في العصر الحجري القديم "الباليوليتي: 12300 – 10000 ق.م" وهي نسبة إلى وادي النطوف غربي القدس، والتي عرفت استقرار التجمعات الكبيرة والسكن في بيوت دائرية القسم الأسفل منها مطمور تحت سطح الأرض كما هو شائع في بلاد الشام. وقد اعتمد السكان على الصيد البري والبحري والتقاط الثمار والحبوب.
ثم تطور سكان فلسطين تدريجياً كغيرهم من شعوب المنطقة في سورية والعراق في الزراعة والصناعة والتجارة والبناء.. وسيطر السوريون "والفلسطينيون جزء منهم" على التجارية في البحر المتوسط، وبنوا المدن العديدة على امتداد شواطئه. إلا أن أهم مدينة بنوها هي قرطاجة في تونس عام 814 ق.م، وقد بناها أهل صور.
كما اشتهر السوريون بصناعة الأقمشة المنسوجة والصباغ الأرجواني، وصياغة الفضة والذهب، الزجاج، الزيوت والخمور. وكانت الزراعة متنوعة ففي فلسطين في تلك الفترة نجد: الزيتون والأعناب، والقمح، الذرة.. وهناك تربية الخراف والأبقار والدواجن..
وعلى الصعيد الحضاري اخترع السوريون الحروف الأبجدية التي قدموها للعالم بدءاً باليونان عام 800 ق.م ومنهم انتقلت إلى اللغات الأوروبية. إضافة إلى الشعر والملاحم والأساطير وآلات الموسيقى كالقيثارة..
(2) تصنيف الأزمنة هي:
- العصر البرونزي المتوسط 2000 - 1550 ق.م
- العصر البرونزي المتأخر 1550 - 1150 ق.م
- العصر الحديدي الأول 1150 - 900 ق.م
- العصر الحديدي الثاني 900 - 586 ق.م
(3) كمال صليبي: "التوراة جاءت من جزيرة العرب، خفايا شعب التوراة، حروب داود".
أحمد داوود: "من تاريخ سورية القديم.. تصحيح وتحرير، تاريخ سوريا الحضاري القديم، العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود".
زياد منى: "مقدمة في تاريخ فلسطين القديم، بلقيس امرأة الألغاز وشيطانة الجنس، جغرافية التوراة - مصر وبنو إسرائيل في عسير".
فرج الله صالح ديب: "حول أطروحات كمال الصليبي- التوراة العربية وأورشليم اليمنية".
أحمد عيد: "جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة".
د. فاضل الربيعي: "فلسطين المتخيلة".
(4) يعلل سبب تزوير التاريخ في كتابه "اليهود بين القرآن والتوراة ومعطيات التاريخ القديم" لكي يربط الكتبة بين التاريخ القديم وحتى المملكة، مع تاريخ المملكتين في فلسطين بادعاء انشقاقهما عن مملكة سليمان ودونما انقطاع في التسلسل التاريخي. فهو يقبل بتاريخ اليهود - هكذا يسميهم- في فلسطين مع تاريخ المملكتين بحسب الرواية التقليدية، ويقول في كتابه المذكور ص 180: "مسرح مملكتي يهوذا وإسرائيل الجغرافي إنما كان على الأرض الفلسطينية، ولم يكن هذا المسرح هو غرب الجزيرة العربية كما يعتقد د. كمال الصليبي وآخرون".
(5) ذكر بيير روسي قبلهم في كتابه "مدينة إيزيس" أنه لا يوجد آثارياً ما يثبت حكاية العاصمة العبرية أو ملوك العبريين أو اسم داود أو سليمان ولا الحديث عن تلك الفتوحات والمملكة الواسعة.
(6) راجع كتابه: تلفيق إسرائيل التوراتية - طمس التاريخ الفلسطيني.
(7) راجع كتابه: التاريخ القديم للإسرائيليين/ للشعب الإسرائيلي.
(8) راجع كتابهما: التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها، أو "التوراة مستخرجة من التربة".
(9) المرجع السابق: ص 26.
(10) المرجع السابق: ص 28.
(11) المرجع السابق: ص 24.
(12) المرجع السابق: ص 25.
(13) المرجع السابق: ص 133. حتى فكرة الانغلاق اليهودية والعزلة وراءها يوشيا، يقول في ص 136: "إنه الملك "يوشيا" الذي يقف وراء قناع "يشوع" في إعلانه بأن شعب إسرائيل يجب أن يبقى منفصلاً - تماماً- عن السكان المحليين للأرض".
(14) راجع كتبه الثلاثة: تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود، والحدث التوراتي – رد على كمال الصليبي، آرام دمشق وإسرائيل - في التاريخ والتاريخ التوراتي.
(15) محاضرة بعنوان "القدس بين حقائق التاريخ وزيف الإسرائيليات"، ألقاها في المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر في ليبيا في 3/ 4/ 2003.
(16) فيلون الجبيلي: ص 25.
(17) الهدف المعلن ضد أثينا هو إخضاع بلاد الإغريق كلها له كما ذكر هيرودوت. وقد قاتل الفينيقيون إلى جانب الفرس لأن مصلحتهم التجارية تقتضي هزيمة المنافس الإغريقي لهم. فالإغريق بعد أن تعلموا من الفينيقيين فن الملاحة والتجارة نافسوهم على سيادة البحر والملاحة والتجارة.
وقد تلقى أسطوله البحري ضربة قاسية في سيلاميس عام 480 ق.م ثم هزيمة جيشه البري عام 479 ق.م، فانسحب إلى فارس وبقي في الحكم نصف قرن حتى مات 465 ق.م. ومن بعده استلم ابنه أرتحششتا.
(18) تاريخ هيرودوت: الكتاب الثاني - ص 145.
(19) المصدر السابق: ص 167.
(20) المصدر السابق: الكتاب الثالث - ص 262.
(21) المصدر السابق: ص 539.
(22) د. زياد منى: مقدمة في تاريخ فلسطين القديم – ص 40.
(23) جاء في محاضرته: (اسم أورشليم الذي ادّعوا وروده في نصوص اللعن: فبعد قراءة الاسم بهدوء وجدنا أن الاسم ليس "أورشليم" كما بينا بل هو "أُشاميم" وتعني الشاميين من الشام، أو تعني الشام نفسها مموّمة "مثل التنوين"، وبعد أن يستعرض النقش يقول:
أ- شام يم = الشاميين.
هي قراءة غير مقبولة حيث المخصص يشير إلى مكان وليس إلى شعب.
ب- أُ "شام" "وم" مثل التنوين = شام.
حيث "أُ" سابقة تفيد التنبيه، حيث أقول "أمهيبة" بمعنى "مهيبة" "اسم علم من نقوش أجاريت" وأقول "أُجاريت" لتعني "جريت = جرية = قرية= مدينة" "نقوش أجاريت".
فإذا كانت أورشليم فأين الراء وأين اللام؟).
(24) جاء في محاضرته: (ومن الأسماء السورية الآشورية التي وردت في نصوص اللعنة: بيبلوس "جبيل" وعسقلان، وأوزو - أمام صور - وأُشام م" .
وأقدم الباحثون الغربيون فوراً على القول بأن "أُشام م" هي مدينة "أورشليم" وفي هذا تدليس مكشوف، لأن المعطيات الأثرية بينت أن مدينة القدس لم تكن قد تأسست بعد، لأنها تأسست في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، وهي حملت اسم "أورشليم" بعد ليس أقل من ألف وخمسمائة سنة من تاريخ نصوص اللعنة، وطبعاً من الواضح أن الذي قصد بـ "أُشام م" هو بلاد الشام، التي غزيت مصر دوماً من خلالها، متذكرين أن تاريخ نصوص اللعنة يتزامن مع بدايات ظهور الهكسوس في مصر).
كما يقول د. زكار عن نقش مرنبتاح "1224 - 1214 ق.م" الذي يتحدث عن انتصاراته: (وانبطح كل الزعماء طالبين السلام، ولم يعد أحد يرفع رأسه من بين التسعة، وأمسكت التحنو، وخاتي هدأت، وأصيبت كنعان بكل أذى، استسلمت عسقلون وأخذت جزر، وينعم أصبحت كأن لم تكن "ويزريل" أقفر، ولم يعد له بذور، وخارو أصبحت أرملة).
(لدى التمعن في هذا النص، نجد أن الذين جاء ذكرهم في الترجمة هم ثمانية، وليسوا تسعة، وهؤلاء الثمانية هم: "تحنو، وخاتي، وكنعان، وعسقلون، وجزر، وينعم، ويزريل، وخارو"، فأين ذهب الاسم التاسع؟
وقبل طرح هذا السؤال النقدي، يلاحظ صدور دراسات كثيرة، احتارت كيف تتعامل مع الاسم "يزريل" فكلها استسلم أن المعني هو "إسرائيل"، وكثرت الاجتهادات والتفسيرات، لكن قبل الغرق في بحار التزييف أعدنا النظر بقراءة النص، فتبين أن تزييفاً لحق القراءة، ودمج هذا التزييف بين الاسمين السابع والثامن، وبذلك باتت الأسماء التسعة هي: "تحنو، وخاتي، وكنعان، ويسقراني، وجزر، وينعم، ويازير، ويار، وخارو"، وهذا ومن المعتقد "يازير" هي "يازور" أي "بيت الزور" على بعد 6 كم إلى الشرق من يافا، أما جزر فتل يقع على بعد ثمانية كم إلى الجنوب الشرقي من الرملة، ومن المحتمل أن "يار" هي يارين في جنوب لبنان.
وكان من قبل قد ذهب عدد من الباحثين إلى القول بأن رمسيس الثاني والد مرنبتاح هو "فرعون الخروج"، أما الآن فبناء على القراءة المزيفة صار مرنبتاح هو "فرعون الخروج"، وبشكل ملطف صار المقصود بـ "يزريل" سهل يسيراو، الذي صار يعرف باسم "سهل سدرالون" وبعد الإسلام "سهل - أو مرج ابن عامر").
(25) نقش باللغة العبرية القديمة ولكن بأحرف فينيقية على لوح حجر بازلتي مستطيل (61× 30× 8 سم) ويتألف من 15 سطراً، ولا يتضح اسم الملك "يهوآش" الذي نسب إليه النقش لكسر في أعلى اللوح، لكن ادعوا أن السطر الثاني فيه اسم "هزياهو" دون ألف في بدايته وهو أبوه. وقدروا يهوآش بن هزياهو. وفي الترجمة العربية "أهزياهو جعلوها أخزيا"!
والنقش يتحدث عن ترميمه لهيكل سليمان، وهذا يعني دعم رواية التوراة ولا سيما عن وجود هيكل سليمان.
وهناك حكاية خرافية حول العثور عليه لكن ما يهم منها أن الذي عثر على اللوح عرض بيعه عام 2001 على الآثاري جوزيف نافيه - الذي زيف نقش دان- فشك بأمره، فعرضه صاحبه على "مركز المسح الجيولوجي لإسرائيل" ففحصوه وحكموا بسلامته التاريخية والآثارية فاشتروه منه!!
وأرسل إلى مختبر أمريكي لدراسة مقياس نسبة الكربون المشع 14، فحكم بعدم تزويره!
وأكد التوراتيون من يهود ومسيحيين صهاينة عظمة هذا الأثر في إثبات رواية التوراة، وحق الصهاينة في بناء الهيكل الثالث "هيكل سليمان" مكان مسجد الصخرة والأقصى!
ولكن إلى جانب أولئك الذين زيفوا الحقيقة وساهموا في تثبيت التزوير هناك من فضحه وبين أنه مزور، فأستاذ التاريخ في جامعة مستعمرة "تل أبيب" نداف نعمان قال بأنه لا يشبه أي نقش ملكي في الشرق الأدنى في ذاك العصر، فالملك عادة ينسب الأعمال لنفسه ويتجاهل العمال، كما أن النقش لا يحمل سمة التوراة الدينية في اللغة والدعاء..
وذكر علماء لغات قديمة "إسرائيليون" أن أسلوب لغة النقش لا ينتمي إلى أسلوب العبرية في القرن التاسع ق.م، منهم أستاذ اللغات القديمة في جامعة مستعمرة "تل أبيب" غرينشتاين وحكم عليه بالتزوير!
وشكك يوفال غورن الأستاذ في دائرة الآثار وثقافات الشرق الأدنى القديم في جامعة مستعمرة "تل أبيب" بنزاهة فحص "مركز المسح الجيولوجي لإسرائيل"، كما بين التلاعب في حساب نتيجة مقياس الكربون المشع 14. انظر: (bibleinterp.com).
(26) د. زياد منى: مقدمة في تاريخ فلسطين القديم - ص 81.
(27) قضية الصفة والنسبة لا حدود لهما فهناك أسماء مدلولاتها متعددة بين الوصفية أو النسبة للقبيلة أو البلدة أو المدينة أو التبعية أو المهنة الشائعة..
(28) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - مصطلح اليهودية "Judaism".
(Latin Judaeus from Latin Iudaeus،Greek Ioudaios، from Aramaic yehuday) (29)
(30) يرفض د. أحمد داود أن تكون مصر قد شنت حروباً على فلسطين وسورية، ويذهب الباحث أحمد عيد في كتابه "جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة" - ص 27 وما بعد إلى أن توحيد مصر العليا "الأعلى" والسفلى "الأدنى" في عهد "مينا" إنما هو توحيد لمصر وجزيرة العرب.
(31) هناك نقش على جدران قصر سارغون كشف عنه في خرائب خور ساباد في العراق وقد سجل سارغون فيه أعماله الحربية، ذكره الباحث جميل المدور، يقول النص: (لقد حاصرت وفتحت السامرة وجلوت 27290 من سكانها، وجهزت من بينهم فصيلة بخمسين عربة ضممتها إلى فيلقي الملكي. أما المدينة، فقد أعدت بناءها بأفضل مما كانت، وأسكنت فيها شعوباً من المناطق الأخرى التي قهرتها. ثم أقمت عليهم ضابطاً من لدني حاكماً عليهم، وفرضت عليه جزية الآشوريين).
(32) راجع الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثاني، بحث تاريخ فلسطين القديم.
(33) نشير إلى أن كليوباترا حاولت أن تضم فلسطين إلى ملكها فرفض أنطونيو، كما أنها حاولت إغراء هيرود فلم يستجب لها فحاولت تحريض ملك الأنباط ففشلت. وقد انتهى عهد أنطونيو بعد هزيمته البحرية وانتحر في الإسكندرية. وحاولت كليوباترا إغواء أوكتافيوس عندما دخل الإسكندرية عام 30 ق.م لكنها فشلت، وفرض عليها الإقامة الجبرية فأدركت نواياه، فانتحرت!
(34) موريا تسمية وردت في التوراة التي ادعت أن فكرة ذبح إسحق تمت عليها: (خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ) "تكوين 22/ 2".
ونشير هنا إلى كتاب "المعتقدات الكنعانية" للد. خزعل الماجدي - ص 21 حيث ذكر أن اسم فلسطين قديماً كما ورد في نص قديم كان "مريام أو مريم" وهي: (مكونة من مقطعين "مر" و"يام" وهي كلمة تجمع بين اسمي إله الأموريين الأقدم "مر"، والإلهة الأم الأولى للأموريين والكنعانيين "يم"). ولعل تسمية مريا إذا تجاوزنا الحركات وحروف العلة التي أدخلها الماسوريون تقترب مما يقوله الماجدي. وفي نسخة جيمس الإنكليزية "Moriah"، التي خضعت للفظ الماسوري.
(35) راجع كتاب أدمون فرحات: القدس في الوثائق الفاتيكانية – دار النهار للنشر – 1991 – بيروت.
والحقيقة أن مسيحية الغرب تهودت، وهي التي عملت على استمرار اليهودية بناء على:
1- تبني التوراة العبرية كاملة وضمها إلى الأناجيل تحت تسمية العهد القديم، مما أدى إلى استمرار الديانة اليهودية في الوجدان المسيحي.
2- تبني أطروحات اليهود حول الوعد والمملكة والهيكل وأصل اليهود.. وكله باسم الدين، وقد تأصل ذلك في العقل الغربي المسيحي.
3- عد اليهودية ديانة وجنس وعرق أبدي، وهذه تلفيقات عنصرية!
4- الربط بين اليهود القدماء وبني إسرائيل وعصر الآباء.
5- عد اليهود المعاصرين من سلالة اليهود القدماء وأصل موطنهم هو فلسطين!
6- تبني خرافة ضرورة إقامة دولة إسرائيل وبناء الهيكل لتعجيل عودة المسيح والألفية السعيدة بعد خوض معركة هرمجدون..
7- العقلية الغربية الاستعمارية المسيحية هي التي اخترعت المشروع الصهيوني، وبناء عليه فكر فيه اليهود الصهاينة!
8- وبما يتصل بموضوع التاريخ كتبوا تاريخ فلسطين القديم بناء على رواية التوراة، وألفوا القواميس والأطالس والموسوعات الدينية حول ذلك.. ولحق بهم في ذلك المؤرخون الغربيون الليبراليون والملحدون و..
(36) للكلمة ألفاظ متعددة لا تعنينا، كما أن أخبار تمرده لا يوثق بها حيث تسيطر عليها الأكاذيب والمبالغات الكثيرة.
