الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
روايات وقصص
حجم الخط: + -
الأرض لنا
|
09 - 02 - 2010
أسعد العزوني |
كانت مجموعة من رجال القرية الصغيرة الرابضة فوق تلة تطل على البحر المتوسط يتحدثون عن الوضع كعادتهم عصر كل يوم.
كان الجو مشجعاً على مثل هذه الجلسات خاصة وأن شهر نيسان الذي أخرجهم من ليالي كانون وزمهريره يشبه حبة الرمان التي آن قطافها، فالجو ليس ملبداً بالغيوم والرياح لا تنذر بأشياء ربما تكون عقاباً.
كانت النسمات قبل الغروب رقيقة ناعمة حالمة، وأينما توجهت بنظرك ترى الرياحين والزهور، ولو كنت مؤمناً فإنك حقاً ستشعر بأنك في إحدى رياحين الجنة، وقد ساعد على ذلك موقع القرية المرتفع نسبياً عن سطح الأرض فيأتي الهواء إليها مباشرة من البحر حاملاً معه روائح زهور البرتقال والليمون.
كان العم أبو محمود يتصدر الجلسة، بصفته كبير القوم وأكثرهم علماً وأعرفهم في الدين فقد كان صاحب أصل رفيع كريماً مضيافاً لا يغلق باب بيته إلا في الليل فقط، ولكنه في هذه المرة كان على غير عادته.
لم يظهر أبو محمود كعادته مبتسماً، باش الوجه، بل كان عابساً وكأنه تأبط شراً.
تنبه الجميع لوضعه، حاولوا الاستفسار منه ولكن لا فائدة فالرجل عندما يعلن الاستنفار الداخلي لا يسمح لأحد بالدخول إلى ذاته وقد بدا وكأنه في محراب يمارس صلاة من نوع خاص.
حاول الحاج سالم أن يكتشف السر، واستنفر جحافل نفسه عله يثبت للجميع أنه كاشف الأسرار، وخاصة سر العم أبو محمد.
- يا أبا محمود، إنك تبدو متعباً هذا اليوم، وكأنك مارست مجهوداً شاقاً في الليلة السابقة، وأنت في هذا العمر، وضحك ضحكة لها معنى!
فهم أبو محمود ما عناه الحاج سالم، وأراد أن يتجاهل ما دار في خلده، ويبقى صامتاً، ولكنه خاف أن يفسر ذلك من قبل الحاضرين بأنها دعوة لهم للرحيل، وهذا لا يليق بمقامه أولاً وبعادته من الناحية الثانية، إذ أن ديوانيته لم يحدث أن أغلقت حتى ساعة دخول جنود الاحتلال إلى القرية.
- لا تذهب بك الظنون بعيداً يا حاج سالم، فأنت تعرف أننا لا نستطيع أن نعيش حياتنا وحياة غيرنا، ولكني متعب بعض الشيء.
لم يقتنع الحاج سالم بما قاله أبو محمود، ولكنه شعر بالانتصار الداخلي لأنه أجبره على الكلام، ولهذا وجد نفسه في وضع يسمح له بالتواصل مع أبي محمود حتى يصل إلى السبب الحقيقي الذي جعله يبدو هكذا عصبياً شارد الذهن.
فقال متحرشاً:
- الله يرحم أيام زمان، الدنيا ما عادت دنيا يا أبا محمود، أين ابتسامتك يا رجل وكلامك الحلو! الظاهر أنك الليلة مقبل على حفلة؟
دارت الدنيا به، بسمل، تعوذ بالله من الشيطان في سره، لقد ضايقته كلمات الحاج سالم، أصابته في المقتل، لأنه خلط المزاج بالجد.
أراد أبو محمود أن يدافع عن نفسه، ولكن لماذا؟ إنه ليس مهتماً بشيء إلا أنه يفكر في حلم رآه الليلة الماضية.
- سأخبركم بكل شيء، لا ضير، لنتناقش فيه ونقضي وقتنا، قال لنفسه وتنحنح:
- صلوا على النبي يا جماعة، لقد تجنى عليّ الحاج سالم سامحه الله، وأنتم تعرفون أنه ليس من عادتي أن أكون هكذا، ولكن قاتل الله الكوابيس، إنها الكوابيس، لعنة الله على الشيطان، فمنذ أن جاء الملاعين ونحن نعيش في كوابيس.
لم يتفوه الحاج قاسم ببنت شفة، لأنه شعر أنه انتصر على أبي محمود وانتزع منه الكلمات، ولهذا فإنه أعطى نفسه هدنة يستريح فيها من عناء استفزاز أبي محمود، وغمز الحاج قاسم العبد الله كي يواصل المهمة.
- خيراً يا أبا محمود، اللهم اجعله خيراً، ألا تريد أن تخبرنا عن هذا الكابوس اللعين الذي أزعجك في الليلة الماضية.
قال له الحاج قاسم العبد الله.
- صلوا على النبي يا جماعة، قال أبو محمود وآثار الإرهاق ما زالت ظاهرة على قسمات وجهه.
- كنا نصلي العشاء جماعة وبينما نحن نرفع أيدينا بالدعاء إلى الله العلي القدير في الركعة الثالثة من الوتر، هاجمتنا مجموعة من الكلاب السوداء المسعورة، ودارت بيننا معركة كبيرة قتلنا فيها أربعة كلاب وجرح منا اثنان أنا والحاج قاسم... وصمت قليلاً وأشعل سيجارته.
وقع هذا الكلام على رؤوس الجالسين كصخر حطه السيل من عل تعوذوا بالله من الشيطان وقرأوا سورة الإخلاص (قل هو الله أحد).
وأكمل أبو محمود:
- كانت المعركة حامية استعملنا فيها العصي والحجارة، والفؤوس، ولا أنكر لقد كانت الكلاب قوية مدربة، وقد تكلم أحد الكلاب وقال إنهم سيعودون بمجموعة أكبر في الليلة المقبلة!
خيم الصمت على الجميع فالكلاب في الحلم لا تعني خيراً إطلاقاً خاصة الكلاب السوداء المسعورة.
لم يعجب الحاج قاسم هذا الوضع لأنه اعتبره أضغاث أحلام، وهم جماعة يؤمنون بالله.
أراد أن يغير جو الجلسة، ويضفي عليها نوعاً من المرح، ولكنه لم يتمكن لأمر خرج عن إرادته.
فبينما هم جالسون في الفناء وإذا بعدة غربان تجوب السماء حول أراضي القرية، وتعلن عن نفسها من خلال نعيقها المقزز الذي يثير في النفس الاشمئزاز ويبعث فيها الخوف والشؤم.
- قاتلك الله أيتها الطيور القبيحة، من أين جئت لتعكري علينا صفو جلستنا، ألا تكفينا كلاب أبي محمود المسعورة.
قال الحاج قاسم العبد الله، وأردف:
- الله يرحم أيام زمان لقد تغيرت الأحوال، ولم يعد كل شيء كما كان وتبدلت غزلانها بقرود.
تعجب الجميع من هذا الكلام الذي يبدو أكبر من حلم أبي محمود وغربان اللحظة التي تجوب أراضي القرية بنعيقها المقزز.
- ماذا تقصد يا حاج قاسم؟ سأله محمد الجبر.
- ألا تعرف يا أبا جبر ماذا أقصد؟
لا بأس سأقول لك ما عنيت.
- قل يا رجل لقد تداخلت الأمور علينا ولم نعد نعرف رؤوسنا من أرجلنا هذه الليلة.
تنحنح الحاج قاسم العبد الله وعدل من جلسته وقال:
- يا جماعة الخير، أيام زمان كنا بخير وعافية (بواريدنا) موجودة معنا، وتحت رؤوسنا في الليل، كنا ننام في السهول مع البقر ونسهر على حراسة البيادر و"المكاثي" وما كنا نشعر بشيء من الخوف، أما اليوم، فكما ترون الكلاب المسعورة تطاردنا في الحلم، الغربان تنعق فوق رؤوسنا الآن، والكلاب تجلس معنا وتسمع ما نقول لتوصله إلى أسيادها في الصباح!
تطلع الجميع إلى وجوه بعضهم البعض، فقد تكلم الحاج قاسم العبد الله في المحظور، والويل لهم غداً عقاباً على سماعهم الحاج قاسم العبد الله، ولكن أبا محمود أدرك الأمر وقطع على الجميع هواجسهم.
- يا جماعة الخير، الذي يقدره الله سوف يحصل، أما كلام الحاج قاسم فهو في محله، فهو لم يفتر على أحد، ولم يتهم أحداً، فالكلاب موجودة بيننا ليس للحراسة كما هي العادة بل لخيانتنا والتجسس علينا.
كان الكلام بمجمله موجهاً إلى يوسف شحادة الذي يتعامل مع اليهود ويبيعهم أراضي الغائبين عن القرية، والقرى المجاورة.
بعد أن أدلى أبو محمود بدلوه وحسم الأمر لصالح الحاج قاسم العبد الله لملم يوسف شحادة نفسه وهو يتصبب عرقاً وانسحب يتمتم بكلام لم يفهمه أحد كعادة العبيد.
وبعد أن ابتعد عن الدار قال الحاج قاسم العبد الله:
- لا ردك الله يا نذل، روح بلغ أسيادك الخواجات.
خيم الليل وجيء بطعام العشاء، وجلس الجميع داخل الديوانية يتناولون ما قسمه الله لهم.
- الله يديم هذه النعمة ويحفظها من الزوال، قال أبو حمود.
- عامر إن شاء الله يا أبا محمود، قال الحاج قاسم العبد الله.
- إن شاء الله في الأفراح، قال الحاج سالم.
وفي تلك اللحظة حدث ما عكر صفو الجميع وكأن ذهاب يوسف الشحادة عنهم قد بدله الله بما هو أسوأ، إنها البومة، هذا الطائر النحس الذي ما إن يعلن عن نفسه بصوته المميز إلا وتوقع الجميع مصيبة سوف تحدث لأقرب بيت من هذا الطائر، ومع الأسف فإن التوقعات لا تخيب، إذ يموت أحد من سكان ذلك البيت، أو بقرة، أو فرس.
- لعنة الله عليك يا يوسف الشحادة، اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، يا الله، يا منجي من الهموم والمصائب، قال أبو محمود، وأعلن عن موعد صلاة العشاء.
نهض الحاج قاسم العبد الله، وكبر وهلل وأقام الصلاة.
تقدم أبو محمود كعادته وأمّ الحاضرين، ورفع صوته بتلاوة الفاتحة، وبعض قصار السور في أول ركعتين ولكن صوت البومة كان لا يزال يعكر صوف الجو.
وفي آخر ركعة من الوتر رفع أبو محمود يديه إلى السماء وقال وهو مجهش بالبكاء:
- اللهم عافنا فيمن عافيت، اللهم نجينا من الهموم والمصائب، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تمتحنا يا رب العالمين.
وفي كل دعاء كان المصلون يرفعون أصواتهم بكلمة (آمين يا رب العالمين).
انتهى الجميع من الصلاة، والبومة تزعق معلنة عن قرب حلول الكارثة، وبعد ذلك انصرف الجميع إلى بيوتهم على غير عادتهم مبكرين ليخلدوا إلى النوم وكل واحد فيهم تسيطر عليه أحلام أبي محمود، والغربان ومغادرة يوسف الشحادة، وزعيق البومة.
وفي الصباح نهض أهل القرية كعادتهم، ليصلوا الفجر في المسجد ويتوجه الرجال كل إلى أرضه لكي يحرثها ويزرع فيها ما يسمح الطقس بزراعته.
كان الجو في ذلك اليوم لا يوحي بالاطمئنان، فطائرات الهيلوكبتر تجوب المنطقة، وكذلك طائرتان حربيتان من نوع فانتوم الأميركية.
استغرب سكان القرية لهذا الاستعراض العسكري، إذ أنه لم تحدث أية عمليات فدائية في الليلة السابقة، ولم يسمعوا إطلاق نار كعادتهم بين الجنود الصهاينة والفدائيين!
لم يعلق أحد منهم على ذلك، إذ أنهم تعودوا عليه منذ أول يوم من الاحتلال.
استمر الجميع يؤدون أعمالهم كعادتهم، وما إن بزغت الشمس بنورها الوضاء وأرسلت أشعتها الدافئة بعض الشيء حتى تبدل كل شيء، وترجمت أحلام أبي محمود وكلابه المسعورة، ونعيق الغربان، وزعيق البومة، من هواجس وأفكار مقلقة على حقائق ملموسة.
فالكلاب المسعورة كانت تمثل المستعمرين الاستيطانيين المسلحين تحرسهم آليات الجنود، والغربان كانت الطائرات التي تجوب الجو أما البوم فهي نوايا الجنود المستعمرين.
توقفت محركات الآليات، نزل الجنود أولاً مدججين بالأسلحة ترافقهم كلاب ضخمة، وجاء دور المستعمرين بملابسهم المدنية، ينشدون التراتيل التوراتية المزيفة (يا أرض الميعاد لقد جئنا من الشتات يا أرض الميعاد سننفذ وعد الرب يهوه، سنقتل الحمير والدجاج والبقر، سنحرق اليابس والأخضر، سندمر المزروعات ونقطع الشجر، يا أرض الميعاد، إننا أوفياء، ولن ندع منهم صغيراً ولا كبيراً).
كان أبو محمود يعرف لغتهم اللعينة، وكذلك الحاج قاسم وسالم العبد الله لأنهم اختلطوا مع اليهود عام 1948، ويعرفون نواياهم وما تقوله توراتهم المزيفة.
خيم الحزن على الجميع، وتمثل لهم الخوف قائماً أمامهم، فهم لا يملكون إلا الفؤوس والحجارة والعصي بينما الطرف الآخر مجهز أيما تجهيز للحرب.
- لن نسكت قالها أبو محمود، ولكن علينا بالصبر، حتى تنجلي الأمور ونعرف الطبخة.
عند الضحى والطرفان في حالة استنفار تام، قدم يوسف شحادة مبتهجاً وكأنه عثر على كنز، ومر بأبي محمود وبقية رجال القرية ولم يسلم عليهم!
- آه يا ابن الحرام، قالها الحاج سالم على مسمع منه.
ولكن يوسف الشحادة لسبب ما لم يفهمه أحد لم يتكلم، بل ظل حاثاً الخطى باتجاه الجنود والمستعمرين.
شعر الحاج قاسم العبد الله بالغيظ لأن يوسف الشحادة لم يرد عليه، وأراد أن يستفزه أكثر، وقال:
- يا ابن.... بلغ سيدك الخواجا بأننا لن نسمح له بأخذ قيراط واحد من أرضنا، إلا على جثتنا، فنحن أولاد آبائنا ولسنا أولاد حرام مثلك يا نجس!
كان يوسف الشحادة قد اقترب من اليهود وابتعد عن جماعة أهل القرية الأمر الذي شجعه على الرد.
- أنا ابن الحرام، صحيح لكن مدعوم، وأنا سأصبح مختار القرية منذ هذه اللحظة، ومن يعارض فالشجر كثير، وضحك ضحكة جلجلت في المنطقة بأسرها.
- أهلاً ، أهلاً وسهلاً خبيبنا، أهلاً وسهلاً صديق.
قال قائد الحملة مرحباً بيوسف الشحادة.
جن جنون أبي محمود ومن معه، عندما سمعوا الضابط اليهودي يرحب بيوسف الشحادة على مسامعهم.
- آه يا بن الحرام، أرض من بعتهم هذه المرة؟
وأخذ الجميع يتحزرون علهم يعرفون أرض من التي سوف تصبح ملكاً لليهود هذا اليوم.
- إنها أرض أخيه عبد الكريم، بالتأكيد، قال الحاج سالم.
- أظن أنها أرض ابن عمه محمود، قال الحاج قاسم.
- لا والله إنها أرض زوج أخته أبي سليم.
لم يخب ظن أحد منهم، إذ أن يوسف الشحادة كان قد باع اليهود أراضي هؤلاء الثلاثة معاً!
كانت تلك الأراضي متفرقة ولا تربطها حدود مشتركة.
فأرض أخيه عبد الكريم كانت تحاذي أرض الحاج سالم، وأرض ابن عمه محمود كانت تلاصق أرض الحاج قاسم، وأما أرض زوج أخته فقد كانت مجاورة لأرض أبي محمود.
أصبحت طريقة اليهود في مصادرة الأراضي معروفة للجميع في أن يضعوا أعينهم على قطعة أرض خصبة إلا ويصدر أمر من الحاكم العسكري بالاستيلاء عليها تحت حجج واهية، ثم تصبح بقية الأراضي المجاورة لها ملكاً لليهود يقيمون عليها "مستوطنة" تضيء المنطقة كلها وتجلب الدمار لجميع السكان فيما حولها.
asadalazooni@gmail.com