لو اطلعنا على خير ما نقرأ نجده يتمحور حول الإنسان العربي وحيرته وخذلانه وعواطفه المكسورة.. لماذا نتمتع بضعفنا؟ وحزننا ونتمحور حول السؤال وماذا بعد؟
بينما القلم الحر الأبي المكافح والمجاهد نجده قليل الظهور على الساحة؟ نسبياً وليس كلياً...
ربما قلنا:
نحن لا نجلد ذاتنا نحن مرآة صادقة للنفس العربية المهزومة...
هل هناك اختلاف بين الأمرين؟

وهي إن عبرت فهي تعبر عن سذاجة بل بساطة وعاطفية شخصيتنا ولومها للعالم من حولها غالباً، بينما الغرب حتى في رواياته على معظمها، تجد الروح العلمية عابقة فيها تجعلنا نمج حتى طريقتها في الطرح كتابة لا عملاً مجسداً..
وإذن؟ هم يظهرون قوتهم للعالم عبر نصوصهم وبشكل عام حتى لو لم تكن لديهم الحجة الأدبية في إظهار تفوقهم على العالم...
ونحن نتمتع بإظهار ضعفنا وتخاذلنا في إيجاد حل وهذا غالباً لا عامة! فهنا الفرق الجلي..!
فهل الهزيمة هي السبب أم هي هويتنا منذ أيام الشعر العذري؟

ترجج هذا المفهوم في الدراسات والنصوص الأدبية ويمكننا قطف بعض سطوره للاستشهاد فقط:

جلد الذات، لماذا؟ نعيم الغول:
لا أدري لماذا أصبحت سمة كتابنا التي مهروا فيها هي جلد الذات، وتصويرنا لأنفسنا وكأننا مجذومون أهلكنا الجرب والمرض والعلل، وسط مجتمعات نقية صحية سليمة. أتمنى لو أن كل كاتب كتب مقالاً يقوم أساساً على مقابلة ضمنية بين حال المجتمع الذي يعيش فيه وحال المجتمعات الأخرى، وأتمنى لو درس تلك المجتمعات حتى تصح النتائج لديه، وأتمنى أن يأخذ بعين الاعتبار أن لو كانت تلك المجتمعات التي يفترض أنها معافاة مكان هذا المجتمع ماذا كانت النتيجة ستكون؟

لقد رسخ في وعينا أن المجتمع الغربي (المجتمعات الأوروبية والأمريكية) هي القمة في كل شيء، حضارياً وتكنولوجياً وعلمياً وحتى إنسانياً؟!!
ولكن لو فتحنا أعيننا على الحقيقة لوجدنا أن المجتمعات الأوروبية والأمريكية مريضة جداً، وأن ما يخفي أمراضها هو التقدم التكنولوجي الذي يشغل البشر عندهم عن أنفسهم، وأن ما أصابهم ويصيبهم أثر من آثاره الجانبية.
اقرؤا الأخبار وستجدون أنه لا يمر يوم دون أن تسمع عن شخص قتل عشرة طلاب في مدرسة في فرانكفورت، أو شخص قتل أطفاله الخمسة في ميتشغان، أو شخص قتل خمسة عشر واحتجز أربعين في حي من أحياء نيويورك، ولنسأل هل يحدث هذا عندنا؟

تابعوا النشرات الجوية وستجدون كما خربت الأعاصير في الولايات المتحدة وكم كلفت البلايين.
تابعوا أخبار الكوارث من زلازل وسقوط طائرات.
عودوا إلى التاريخ الأوروبي والأمريكي والصيني والروسي، وستجدون الحروب الأهلية والانقسامات المذهبية والطائفية وقتلى بالملايين.
فلماذا نجلد ذاتنا ونقسو على أنفسنا؟
أريد أن أصل إلى خلاصة لا تتوقعوها ولكنها صحيحة: المجتمعات الإنسانية تعاني دائماً وفي كل فترات التاريخ. تتفاوت المجتمعات في مفردات وأسماء أمراضها وعللها. وإذا كان عندنا مرض أو عرض لمرض ففي مجتمع آخر مرض آخر وعرض آخر لمرض آخر.
وخلق الإنسان في كبد.

قصيدة من باب جلد الذات - حسن بن سودة:
من باب جلّد الذات يا مَرْكَب التََيه
خذْني.... بَلا تحديد وجْهه وعِنوان
خذنْي... مسافِر كل الأوطان تنفيه
زاده شعرِِْ والأمتعة شَنْطَة أحزان
خذني رجل مبدأ... تخونه مباديه
في حضرة السلطان ساقوه قُربان
خِْذني وطَنْ| ضاقَتْ حدوده بأهاليِه
خِذْني وطَنْ| مهجور ما فيه سكّان..

صور جلد الذات عند أمل دنقل:
حين انتهى الجيل الأول من التأسيس لمبادئ الواقعيّة وشعر التفعيلة، من أمثال نزار قباني من سوريا، وبدر شاكر السيّاب من العراق، وصلاح عبد الصبور من مصر، بدأت الفروع تنمو من الأصل الواقعي، فظهرت تنويعات فكريّة عدّة على وتر الواقعيّة، وكان من العلامات البارزة في هذا الصدد شاعران لو لم يتوفّيا في ريعان الشباب لرأينا منهما الكثير، وهما الشاعر اللبناني (خليل حاوي) الذي انتحر احتجاجاً على الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان، والشاعر المصري (أمل دنقل) الذي توفي في الثامنة والثلاثين من عمره بعد أن غيّر وجه الحياة الشعريّة في مصر:
... حملتُ العار..
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟!
ودون أن يسقط لحمي.. من غبار التربة المدنّسة؟!
تكلمي أيّتها النبيّة المقدّسة
تكلّمي.. تكلّمي..
فها أنا على التراب سائلٌ دمي
وتصبح زرقاء اليمامة هي النبوءة التي لم يصدّقها أحد إلا بعد فوات الأوان:
أيتها العرّافة المقدّسة..
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلت لهم ما قلت عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك يا زرقاء بالبوار
قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجار....
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحد السيف قايضوا بنا..
والتمسوا النجاة والفرار..

هذا غيض من فيض:

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن بقوة: جلد الذات أم إصلاح المجتمع؟
هنا يبدو أن المسار الحقيقي لم يكن واضحاً للأدباء...
ونبدأ من هنا رحلة مناقشة الفكرة الجديرة بالخوض:
هل مهمتنا توجيه الفكر العربي أدبياً للمسار الصحيح؟ أم هو بوح على بوح؟

omferas@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
عبد الرحيم محمود:
اصطلاح جلد الذات أتى به المتنفذون الواغون في دماء الشعوب وأعراضهم وأموالهم للدفاع عن الفتات الذي يتسولونه لشعوبهم ولحالة الضياع التي فرضت التسول السياسي عليهم ، نحن نستحق شتق الذات ورجمها وتقطيع أيدينا وأرجلنا من خلاف وتصليبنا في جذوع النخل ، لماذا تنام الشعوب وتستمريء النوم في العسل ؟؟
لماذا تزور الانتخابات ؟
ولماذا تحكم الشعوب بالحديد والنار ؟
ولماذا تمنع حرية الفكر والتفكير والرأي والنشر ؟
لماذا تسلب ثروات الوطن وتصب في حانات أوروبا وبيوت دعارتها ؟؟
ثم لا نسمع للشعب صوت غضب واحد ولا مظاهرة واحدة ، لقد أسقطت الشعوب الإفريقية التي نصمها بالتخلف والجهل عروشا وكروشا ، ونحن الذين ندعي الثقافة والعلم ننام على فراشنا كما تنام الأبقار ؟!
دعونا نجلد ذاتنا ونسلخ جلودنا فنحن شعب لا يستحق الحياة ، نركن كما جاء في دراسة أمريكية على ارتفاع نسبة التكاثر وإنتاجنا الكمي من الأطفال !!
أين التعليم النوعي والتقني ؟
أين الصناعة المتطورة ؟
أين الماء النظيف للشرب ؟
وأين العناية الصحية ؟؟
أين الاهتمام بالزراعة ولقمة العيش ؟
أين موقع الفقراء في موازنات القطط السمان ؟؟
نحن نستحق السحل والشنق والحرق لا فقط جلد الذات بكلمت لا تسمن ولا تجلب رغيف خبز !!