الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
إعادة بناء البلد (2) مثقفون للوطن أم أدوات للأنجزة وأكاديميا الغرب
|
09 - 02 - 2010
د. عادل سمارة |
منذ سبعينات القرن الماضي وخاصة بعد هزيمة فيتنام بدأت الولايات المتحدة، وفي أذيالها أوروبا الغربية والشمالية سياسة بدت للكثيرين جديدة وهي اعتماد القوة الإعلامية والثقافية لبسط هيمنتها كرديف للقوة العسكرية المباشرة، وكلتيهما كمقدمات ضرورية لعبور حقول الألغام لتمهيد الطريق أمام الجيش الحقيقي، رأس المال. وهذه السياسة التي أسميت سياسة الإجماع في الداخل، والاحتواء في الخارج ومن أدواتها نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والجندر وتشجيع منظمات المجتمع المدني... إلخ.
ومن أجل هذا لجأت الولايات المتحدة وأذيالها لآليات عديدة نذكر منها هنا ثلاثة:
* الأولى: تجنيد مثقفين من العالم الثالث ليقدموا عن الولايات المتحدة صورة وردية سواء عن نمط الحياة ومستوى الحياة والثقافة هناك.
* والثانية: توفير ميزانيات لهذا المشروع جرى اختصار أكثرها مما كانت تقدمه على شكل مساعدات للدول التي تدور في فلكها، فحولت هذه الاقتطاعات لتمويل المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والأفراد الذين يدورون في فلكها. لذا لا غرابة أن تخفض أميركا ومختلف بلدان المركز الكثير من ميزانيات وزاراتها، لكنها لم تخفض ميزانيات الأنجزة مثلاً: لم تخفض الولايات المتحدة وغرب أوروبا وشمالها ميزانياتها للأرض المحتلة، بل زادتها، رغم أن البطالة طالت هذا العام 800 ألف أميركي ووصل الرقم الرسمي للبطالة في أميركا نفسها إلى 8 مليون شخص [1].
* والثالثة: تجنيد دول محددة تجاه الوطن العربي تحديداً، والتي ليس لها تراث استعماري في المنطقة، ولكنها جاهزة لتخدم الإستراتيجية الأميركية في المنطقة وخاصة هولندا (حاضنة منظمة نوفيب، وهي صاحبة أكثر منظمات غير حكومية لعبت دوراً في جنوب إفريقيا قبل سقوط الأبارتايد، وبان أُكُلها في إصلاحية المؤتمر الوطني الإفريقي لاحقاً، والنرويج (أوسلو وملاحقاتها) والدانمرك (جماعة كوبنهاجن) والسويد. وهذه الدول يجري استخدامها من قبل الولايات المتحدة لتمهيد الطريق أمامها، أي لتعويد شعوب المحيط على قبول العلاقة بالأجنبي. لذا بدأت بوجوه دول ليست عدوة تقليدية لشعبنا وذلك إلى أن أصبح التعيُّش من الأجنبي عادة ومطلباً، فدخلت أميركا بوجهها. ولكن ظل لهذه الدول دورها في الإستراتيجية الأميركية، ومن هنا سميتها في كتابي، التنمية بالحماية الشعبية 1990 "الحكومات غير الحكومية".
أين نحن من هذا؟
في سياق حلقات "إعادة بناء البلد"، وجدت أن حصر النضال بمختلف أشكاله ضد الاحتلال، قد أسدل غلالة سوداء حالت دون رؤية احتلال آخر هو الاحتلال الغربي الرأسمالي لسلطة الحكم الذاتي وخاصة لليسار والمثقفين والجامعات المحلية. مما يؤكد ما ذهبت إليه في مقالات عدة، بأن أضعف خاصرتين في الأرض المحتلة واللتين ينفذ عادة العدو من خلالهما هما:
- النخبة السياسية.
- والنخبة المثقفة/ الأكاديمية.
لن أتحدث هنا عن النخبة السياسية، بل عن النخبة الثقافية الأكاديمية. والسؤال الذي يمكن البدء به: هل المثقفون طبقة؟ وإن كانوا كذلك هل يمكن أن يكونوا أو يصبحوا طبقة عالمية طالما هناك، (وبحضور أعلى من المجاز) توجد الطبقة العاملة العالمية والطبقة الرأسمالية العالمية... إلخ، وكل هذا في سياق السوق العالمي وقانون القيمة وبالطبع عدوانية هذه السوق. لا يتسع المجال هنا للبحث النظري في تحديد أو تعريف الطبقة، ولكن يمكن وصف جماعة ما بأنها طبقة حين تكون قادرة على إعادة إنتاج نفسها بانعزال نسبي عن الأخريات. طبعاً الطبقات الرئيسية في المجمع هي التي تشكل طرفي نمط الإنتاج، مثلاً في الإقطاع السادة والأقنان، في الرأسمالية البرجوازية والطبقة العاملة.
ليس المثقفون بهذا المعنى طبقة رئيسية، والسؤال: هل هي "طبقة" ثانوية؟ قد يقول لنا بوالنتزاس، هذا يعتمد على دورها السياسي، حتى تكون قد انتقلت من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها. هذا صحيح، ولكن الدور السياسي يأتي بعد دورها في العملية الإنتاجية وتقارب شروط وظروف العمل، وهذا لا ينطبق على المثقفين، أي شروط الإنتاج المادي تحديداً. وعليه، إذا حاولنا الانطلاق من الدور في عملية الإنتاج وفي السياسة أو التبلور السياسي، نجد أن المثقفين، حتى على اعتبار أنهم ينتجون فكرياً، ويلعبون دوراً في السياسة، لكنهم موزعون على مختلف الطبقات. ومن هنا هم أقرب إلى الشريحة وليس إلى الطبقة، فهم شريحة تمتد وتتمدد على حواف وفي أحضان وهوامش مختلف الطبقات، ومن هنا كان طرح غرامشي عن المثقفين العضويين لكل طبقة، وطرح لينين/ ليبنكخت عن المثقف الثوري، وما نعتقده عن المثقف العضوي/ الثوري المشتبك، وهنا أقصد نقيض المثقف المساوم والرخو أو الذي يتنقل من حضن إلى آخر، أحمر أو وردي أو أبيض أو... صهيوني. ربما تساعدنا في هذا الأمر الطبيعة التقلبية للمثقفين لا سيما كأفراد، بينما لا تتقلب الطبقات كما يتقلب الأفراد. فلا ينتقل موقع طبقة مادياً بأكملها، بل يتقلب موقع فرد أو أفراد وربما شرائح.
لو أخذنا الأرض المحتلة مثالاً لكان ثرياً. مثلاً بقي الفلاحون كما هم طبقة محلية وطنية، وإن تضاءل دورها الإنتاجي أو مساهمتها في الإنتاج المحلي الإجمالي سواء بسبب مصادرة الأرض من الاحتلال أو إغلاقها، أو قيام منظمات الأنجزة والمؤسسات الأجنبية الحكومية مباشرة، والجهاز البيروقراطي الهائل لسلطة الحكم الذاتي، بتوفير وظائف خدماتية لقوة العمل مما يبعدها عن العمل المنتج مادياً. كما بقيت الطبقة العاملة على حالها رغم ما اعتورها من ضربات. أما المثقفون فنراهم يتقلبون من أطراف منظمة التحرير التي "تعهدت" بتحرير فلسطين ليدخلوا معها في اتفاقات أوسلو القائمة على غزة- أريحا أولاً، وربما أخيراً، ناهيك عن الاعتراف بالكيان. والمفارقة أن هؤلاء المثقفين وخاصة من أوساط اليسار ينقدون أوسلو والتسوية وحتى حركة فتح وكأنهم ليسوا هم الذين أتوا مع أوسلو واستفادوا منها، وتخلوا عن فكرهم، وكتبوا مجلدات التنازل عن الفكر الذي حملوه، ومؤخراً أخذوا يرفعون شعارات ماركسية أو يسارية!!!
وهؤلاء المثقفون أنفسهم الذين تقوم على أكتافهم شبكة المنظمات غير الحكومية الموجهة من الدول الغربية والتي ربما أكبر مهامها التطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي. وهم أنفسهم، أي نفر منهم الذين يتعيشون من المؤسسات الأجنبية الرسمية والثقافية، حيث يقومون بأبحاث ودراسات تحددها الأطراف المانحة [2]، وهي لا شك أطراف تتلقى التمويل والتحويل والتوجيه وأخيراً الأمر من مخابرات بلدانها التي في التحليل الأخير مرتبطة بالمخابرات في المركز ولا سيما الولايات المتحدة. بل إن هؤلاء المثقفين يتخارجون بحيث يصبحون جزءاً من شريحة المثقفين العالمية، المثقفون "مثقفون معولمون"، وهي شريحة مبنية على مراتبية مركز/ محيط، أي الشريحة المثقفة في المركز التي تمارس تعميق الهيمنة البرجوازية في بلدانها دفاعاً عن السلطة ضمن ما يسمى المجتمع المدني، وهي التي تقوم بتجنيد شرائح المثقفين المتمكنين أو المزيفين في المحيط [3] لخدمة ثقافة وإيديولوجيا رأس المال في المركز. هذا معنى الثقافوية المعولمة، التي تشكل شبكة استكشاف وتنظيم أدوات ومخبرين وعملاء وكتبة تحليلات ودراسات لصالح جيوش المركز، بدءاً بالإعلام والإيديولوجيا وصولاً إلى الجيش المقاتل وأخيراً لصالح جيش رأس المال وهو السيد والأهم. من هؤلاء من يدرك ومنهم من لا يدرك. وبغض النظر عن كل هذا، فالمركز هو الذي يجني.
وعليه، سواء اتفقنا على كون المثقفين طبقة أم لا؟ يظل الأهم هو الدور، الأداء، الانتماء للطبقات الشعبية، تحمُّل العيش المتقشف كيلا يسقط المرء في الخيانة وعدم الوفاء للبلد أم الانزلاق إلى لذة العيش والأكل المفرط حتى التخمة والتمتع بذلك، وركوب الطائرات إلى المركز. ولا شك أن ركوب الطائرة مختلف عن أن يرسف المرء في قيود وأغلال الاحتلال ويُنقل في سيارات الزنازين من مركز مخابرات إلى آخر. هكذا قُتل كارل ليبنكخت، ومحمد الخواجا، وبالعكس من ذلك تمتع لطفي الخولي (وفريق كوبنهاجن، وتمتع مثقفون/ ات فلسطينيون في لقاءات أوسلو المتكررة قبل اتفاق أوسلو وبعده، ورفلوا بالحرير كما كتب صحفي صهيوني، كان... كعارضة الأزياء لم يناقش ولم يتفاعل).
إذن ليس، بالنسبة للمثقفين تحديداً، ليس الأهم تسمية طبقة أم شريحة، بل الدور، سلبي أم إيجابي. مع التاريخ أم ضده، مع التاريخي أم مع اليومي ومتعته؟
هذا السؤال، مطروح برسم الإجابة على كل مثقف/ ة في الأرض المحتلة خاصة، هل هو مطبِّع، هل هو على صلة بالأنجزة، بالقنصليات، بالسفارات، بالمراكز الثقافية للدول الغربية. من يمكنه التأكيد أن هذا الغرب يقدم هذه الأموال عن روح أمه؟ من يمكنه التأكيد أن ليست هناك اتفاقات سرية، وتقارير سرية [4]، وأجندة دائمة؟ إما أن يقوم بها المثقف الفلسطيني، مثقف المحيط، أو لا منحة! هؤلاء المثقفون متخارجون، بطرق عدة، فهل إعادتهم إلى المدار الوطني ممكنة؟ هذا متروك للقارئ، كي يحكم، ومتروك للحريصين وطنياً بأن يشكوا ويتأكدوا ويحذروا.
طالما هدف هذه الحلقات هو إعادة بناء البلد، فهذا الحديث موجه للجيل الجديد، الذي لم يتم الفتك بوعيه بعد. بكلمة أخرى، هذه الحلقات موجهة إلى الأمام وليس إلى الماضي.
mail@kanaanonline.org
الهوامش:
1- مقالة بقلم الكاتب الاقتصادي كريستوفر إس. روجابر في أسوشيتدبرس يوم 5 شباط 2010
Christopher S. Rugaber، AP Economics Writer
2- انظر مقالة جوزيف مسعد "ساسة واقعيون أم مثقفو كمبرادور"، في "كنعان" العدد 85، نيسان 1997، هامش 24 كتب سليم تماري: "الباحثون الفلسطينيون مثلهم مثل نظرائهم العرب والربيين مستعدون لبيع أنفسهم وأبحاثهم مقابل السعر المناسب".
3- انظر بهذا الصدد كتاب زبجنيو بريجنسكي:
Brzezinski، Zbigniew. 1970. Between Two Ages: America’s Role in the Technocratic Era. New York، The Viking Press. P.p. 47-48
4- في إحدى مؤسسات الإقراض وهي شبه بنوك، كان أحد الموظفين يقدم تقاريرَ سرية للأجانب عن مديره بأن المدير ناشط سياسياً ويستقبل مناضلين محليين في المؤسسة. حين اكتشف المدير ذلك سأله: لماذا تفعل هذا؟
قال: أنا تعلمت عندهم على حسابهم منذ الصغر وحتى الماجستير، لذا لا أستطيع الكذب عليهم.
قلت للمدير: الله يسترك حين يأخذ الدكتوراه!!!