لن أرضخ للأمر الواقع مرة أخرى ما عدت أستطيع التحمل؛ الدنيا أصبحت سوداء أمامي، أتفهمون؟ هل سمعتني يا أبي وأنت يا أمي يا من تتشحين بالسواد؟ هل بقي لنا شيء على هذه الأرض الملتهبة؟ أرض الموت لمن يدعون أنهم "بنو إسرائيل"؟

هكذا كانت تصرخ مريم التي قدمت مع والديها وأخويها إلى فلسطين المحتلة قبل عشر سنين!
تعجب والدها في بادئ الأمر فهي التي أجبرته على الرحيل بعد أن أحبت شاباً يهودياً كان يزور البلد الذي كانوا يقيمون فيه.
شرد أبوها بذهنه بعض الشيء!
- يا أبي لنرحل إلى أرض الرب، إلى (أرض إسرائيل) لم يعد لنا أمان هنا! وأنت يا أمي، سوف تعيشين هناك تحت ظل الرب المقدس، هذا الرب الذي صدقنا وعده وأعطانا أرضنا نعمل بها ما نشاء!

لم يستطع أبوها تذكر المحاضرات التي كانت ابنته تسردها كل ليلة على مسامعهم لإقناعهم بالرحيل إلى فلسطين ولكنه تذكر أنه قال لها:
- اسمعي يا ابنتي سوف نرحل إكراماً لك لأنك ابنتنا الوحيدة ولأن هذه رغبة من تحبين فقط، هذه الأرض ليست لنا ليست (لبني إسرائيل) كما تظنين، لقد منحنا إياها الغير لتكون مطية لهم، وأصحابها لن يسكتوا، ومع هذا سأطيعك يا ابنتي!

كانت الأم واجمة لا تحرك ساكناً منذ أن جاءها خبر مقتل ابنها في حرب لبنان أثناء حصار بيروت ولم تنه فترة الحداد التقليدية عليه إلا وجاءها خبر مقتل زوج ابنتها مريم الذي كان السبب في مجيئهم إلى هذه الأرض الملتهبة!
بقيت على وجومها هذا حتى أيقنت أنها سوف تفقد ابنتها أيضاً وعندها أخذت على عاتقها تولي هذه الدعوة وإقناع الأب الذي فقد كل ثروته قبل مجيئه ولم يستطع تعويض شيء خلال العشر سنوات الماضية بل فقد ابنه!
- على رسلك يا ابنتي! على رسلك! أنت سبب مجيئنا إلى هذه الأرض! وأنت سبب مغادرتنا لها سوف نرحل! سوف نرحل!

نظر أبوها إليها والدموع تنهمر على خديها وكأنه يقول لها: ليتنا لم نأت! ليتنا لم نأت! ليتنا لم نأت ونفقد ولدنا.
وعند الصباح ارتدت مريم ملابسها وجمعت الأوراق الرسمية التي تخص العائلة وحزمت أمرها وتوجهت إلى مركز الهجرة والجوازات في "تل أبيب".

انتظرت حتى جاء دورها ودخلت على المسؤول المختص وأبدت له رغبتها في الرحيل عن تلك الأرض الملتهبة! لقد كان حاخاماً متديناً يؤمن بأن موعد إقامة (إسرائيل) التوارثية قد دنا!

- سيدي الحاخام: لقد قررت الرحيل أنا ووالدي ولا توجد قوة في الدنيا تستطيع أن تمنعنا من ذلك! قالت مريم للحاخام الذي كان مستمعاً جيداً.
- ولكن يا ابنتي إذا رحلت أنت ورحلت أنا والآخرون من يحمي (إسرائيل)! رد عليها الحاخام.
- ربكم الذي تدعون أنه وعدكم بهذه الأرض قادر على حمايتكم يا سيدي! أجابته بحنق.

فكر الحاخام بهذه الجملة.
هل هذه الأرض حقاً قد وعدنا الرب بها؟ من هو هذا الرب الذي يعطي الحق للبعض بأن يعتدوا ويسرقوا حقوق غيرهم.
ضحك الحاخام من أسئلتها التي وردت بذهنه وقال في سره:
لا يا ابنتي سوف لن يحمينا لرب الموهوم لكن الذي سوف يحمينا هو الرب الموجود في أمريكا ما دام مقتنعاً بأننا نستطيع تقديم خدمة له.

لاحظت مريم أنه يتمتم شيئاً ما، سألته:
- ما بك يا سيدي الحاخام ما بك لا ترد علي.
- معذرة يا ابنتي إنني قد كبرت ثم إن الحرب قد أنهكتني بعض الشيء – أجابها.

وجدت مريم هذه الجملة فرصة جيدة لها كي تقنعه بأن يسمح لها بالهجرة دون مشاكل.
- اسمعني يا سيدي الحاخام لقد جئنا إلى هنا إلى هذه الأرض على أساس أنها أرض خالية، جرداء خالية من السكان، وعلى أنها أرض الله الموعودة لأمته، على أساس أنها أرض السمن والعسل، ولكن الواقع عكس ذلك.
- ولكن يا ابنتي – أراد أن يقاطعها الحاخام!
- أرجوك يا سيدي الحاخام دعني أكمل فالنار في أحشائي تحرقني.
- اكملي يا بنتي أكملي.
- نعم الواقع عكس ذلك فالأرض ليست خالية، ولم تكن خالية في يوم ما، لقد التقيت بأصحابها وأوضحوا لي الأمر ثم أين الأمن؟
هل تستطيع أنت الحاخام رجل الدين المعروف أن تتجول بنابلس أو رام الله أو القدس دون سلاح؟ كلا بالطبع ثم أنت رجل دين ويجب أن تكون مسالماً تدعو للمحبة والتآخي فكيف تحمل السلاح لتقتل؟

- أوه يا بنتي... أراد الحاخام أن يقاطعها مرة أخرى.
- أرجوك يا سيدي الحاخام دعني أفرغ الشحنة لقد فاض بي ولم أعد أحتمل.
- أكملي يا بنتي قال الحاخام واستطرد في سره إنك على حق، إن قادة (إسرائيل) قد دنسونا ولم يعد هناك فرق بين شارون وكاهانا فكلاهما أصبح مهووس حرب وقتل للناس الأبرياء!
- ثم يا سيدي الحاخام ما هو سر التمرد الذي يتمتع به الحاخام مائير كاهانا؟ هذا الحاخام الماجن ذلك الرجل الفاشل الذي لفظته شوارع الولايات المتحدة وجاء ليدنس هذه الأرض الطاهرة ويثير العداوة والبغضاء بيننا وبين العرب المساكين الذين جردناهم من أرضهم دون وجه حق!
توقفت عن الكلام قليلاً وأشارت بيدها للحاخام كيلا يقاطعها حتى تكمل!
- ألا يكفينا ما فعله السيد شارون في مخيمات صبرا وشاتيلا؟ ألا يكفي ما فعله ضباط شمعون بيريز في مخيم تل الزعتر، أين هو الرب الذي تسير ضمن وعده، أين هو الرب المتقمص بأثواب الشيطان أو على الأصح أين هذا الشيطان المتقمص بأثواب الرب، يا سيدي الحاخام كفى خداعاً لنرحل عن هذه الأرض ونتركها لأصحابها كي يعيشوا عليها بأمن وسلام.

ونزلت الدموع من عينها وكأنها تبكي في مأتم أخيها وزوجها معاً.
أدرك الحاخام أن هذه فرصة كي يأخذ دوره في الحديث ويحاول إقناعها بما لم يقتنع هو شخصياً به.
- يا بنتي هذه الأرض لنا، لن نرحل عنها أتفهمين، ثم ألا تعرفين بأنه لا يوجد لهذه الأرض أصحاب سوانا نحن اليهود، يا بنتي إن من التقيت بهم في نابلس ليسوا أصحاب هذه الأرض، إنهم كذابون.
- أنت أيها الحاخام الكذاب وعليك التوقيع على أوراقي والسماح لي بمغادرة هذه الأرض المرعبة.
- يا بنتي أنا لست كاذباً.
- بل أكبر كاذب.
- من أقنعك بهذا.
- أنت.

- متى وكيف؟
- الآن لأنك وصفت من أخبرني بالحقيقة بالكذب.
- لا يغرنك معسول كلامهم.
- لم يفعلوا أيها الحاخام وإن من التقيت معها امرأة عجوز فقدت أولادها الثلاثة واحداً في الأغوار في معركة الكرامة التي هزم فيها ديانكم شر هزيمة واثنين في لبنان إضافة إلى زوجها الذي قتل أثناء التحقيق لأنه رفض إنكار أولاده الثلاثة.

شرد الحاخام بذهنه قليلاً وقال على مسمع منها:
- ليحم الرب (إسرائيل)، أرض (إسرائيل).
ضحكت مريم وقالت:
- يا سيدي الحاخام قل ليحرق الرب (إسرائيل)، (بني إسرائيل).
وبعد أن سمع الحاخام هذه الكلمات أيقن أنه أمام فدائي ولكن بزي يهودي وعليه أن يسلم سلاحه وإلا فقد روحه.
- يا بنتي – قال لها – أنا لا أمانع ولكن سوف تذهبين إلى الغرفة 13 من هذا المبنى فهناك جنرال عسكري عين حديثاً وهو الذي بيده حل مثل هذه الأمور.
- لا مانع سوف أواجهه سوف أبين له الحقيقة.

وفي الساعة الثانية عشرة ظهراً قرعت الباب وانتظرت إذناً بالدخول.
- ادخل. قال الجنرال وهو يجلس أمام مكتبه الفخم.
- صباح الخير يا سيدي الجنرال.
- صباح الخير تفضلي يا سيدتي بالجلوس.

جلست مريم وأخذت تحدق في الغرفة المزدانة بصور زعماء الحركة الصهيونية أمثال هيرتزل ووايزمن وغيرهما من الذين نجحوا في استغلال العقل الغربي عموماً.
- تفضلي يا سيدتي هل بإمكاني تقديم خدمة لك. قال الجنرال العسكري بأدب.
- سيدي الجنرال أريد أن أرحل.
ضحك الجنرال بطريقة غريبة وقال:
- إلى أين يا سيدتي؟
- من حيث أتيت يا سيدي الجنرال.
- ومن أين أتيت إلى هنا؟
- من (....).
- آه، وعدل من جلسته وأحس أن هذه السيدة الجالسة قبالته صعبة المراس وإلا لما أفلتت من أيدي الحاخام القابع في الغرفة رقم 5 ودون أن يدخل معها في نقاش وقع الأوراق وانصرفت.

asadalazooni@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك