الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
روايات وقصص
محاكمة في المحجر
|
13 - 02 - 2010
أسعد العزوني |
وجد أبو غازي نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاماً في ذلك المحجر الذي يقع شرقي البلدة وأن أصدقاءه العزيزين عليه هم العدة التي يعمل بها على تفتيت الصخور إلى أحجام مختلفة.
وقد وجد نفسه كذلك وبحكم السنوات التي عمل بها حجّاراً بكل أنواع الحجارة وكيفية التعامل معها وكثيراً ما كان ينتقل في القرى المجاورة لتقديم مشورة لكيفية التعامل مع حجر لم تنفع معه كل الحيل المتبعة، وكان أبو غازي أيضاً رغم بلوغه سن الخمسين يتمتع بعقلية واعية وصحة جيدة كالحجر الذي يتعامل معه - كما يقولون في الآونة الأخيرة وعندما عمت ثورة الحجارة معظم أنحاء البلاد أخذ يضاعف من عمله ويشتغل عدة ساعات إضافية يضع كل ما ينجز فيها من حجم صغير ومتوسط جانباً ويقول:
- لم أساهم في ثورة 1936 لكني اليوم موجود والسلاح المستعمل اليوم أنتجه بنفسي فلماذا لا أكون موجوداً؟ إن كل حجر يضرب من قبل فتاة أو طفل يعني أنني موجود في المعركة ثم يستطرد بروح فلسفية:
- يا سلام عليك يا أبو غازي هم يضربون بحجارتك إذن أنت موجود!
وكان يقضي نهاره كله بالحديث عن نفسه وخاصة بعد أن يزوده القادمون من المدن المجاورة بأخبار ثورة الحجارة هناك، وكان يسلي نفسه كذلك بالحداء الذي أصبح مشهوراً على لسانه حيث كانت حدته عند مرور سيارة دورية تابعة للعدو.
"يا ديرتي لا تزعلي مالك علينا لوم.. لومك على من خان".
عظيم يا أبو غازي – كان يقولها أن حجارتك اليوم كالعرايس – مطلوبة فلا تتأخر بها ثم إنك لا تطلب شيكاً ثمناً لها، بل الثمن الوحيد الذي تطلبه أن تكون الضربة مسددة على رؤوس الجنود الصهاينة وأن يصبغ الحجر الأبيض الطاهر بالدم الأحمر النجس، هذه هي شروطك يا أبو غازي وهذه هي وقفتك الشجاعة ثم يطرق رأسه ويقول لمحدثيه:
- صدقوني يا جماعة أنني أشرف من الذين يضعون أسلحتهم في المخازن.. أنا لا أبخل بحجارتي على أحد وأعطيها بلا ثمن مادي، بل إنني أشارك أحياناً بعمليات خاصة حيث أقوم بوضع أحجار مدببة تحت عجلات سيارتهم التي تنقلب في الشارع العام على من فيها كما حدث بالأمس حيث قتل اثنان وجرح الباقون ثم يهتف قائلاً:
- عاش أبو غازي، عاش أبو غازي منتج الحجارة المدببة التي تصلح للثورات.
ويضحك الجميع بعد أن يستمعوا إلى أحاديثه الشيقة ويشربوا معه الشاي المطعم "بالميرامية" ويدخنوا لفائف التبغ الذي يزرعه أبو غازي على أطراف محجره.
وذات يوم وبينما كان أبو غازي يضرب صخرة "بالمهدة" المدببة محاولاً شقها وفي نفس الوقت يشغل نفسه بالغناء "الحدادي" والشمس تقترب من وسط السماء وجد نفسه محاطاً بمجموعة من أفراد جيش العدو يتقدمهم الحاكم العسكري للمنطقة. وكانوا يتقدمون نحوه بخطوات منظمة حذرة وأسلحتهم موجهة إليه، بينما الحاكم العسكري يحمل مسدساً بيده اليمنى وفي اليسرى يحمل بوقاً يصيح به على أبو غازي الذي كان يتظاهر بعدم الاكتراث أو السمع.
- يا أبو غازي: "قوات جيش الدفاع "الإسرائيلي" تحاصرك أنت ومحجرك! لا تأت بأية حركة الطلقات جاهزة".
وعندما سمع أبو غازي هذا النداء، بصق سيجارته من فمه وأتبعها بهمهمات لم يسمعها أحد غيره!
- أنا محاصر... قوات جيش الدفاع هنا.. اذهبوا إلى هناك حيث الفدائيون.. ولكنكم لا تستطيعون ذلك أنا أعزل... لا سلاح بيدي إلا هذه "المهدة" والأحجار المفتتة... ولكني لن أستسلم.. ثم يستطرد بشيء من العنترية!
باطل يا أبو غازي، أترفع يدك لهم في آخر عمرك لا والله لن يكون ذلك... ويستمر في الضرب على الصخرة وكأن شيئاً لم يكن.
وإزاء ذلك الإصرار والعناد من قبله يزيد الحاكم العسكري من حدة صراخه عليه.
- توقف.. توقف يا حمار.. ارفع يديك يا أبو غازي سنضرب.. سنقتلك... سنضعك في السجن.
ولكن لا حياة لمن تنادي حيث يستمر أبو غازي في الضرب على الصخرة ويبعد الأحجار المدببة المتناثرة إمعاناً في تحديهم فقد صمم على أن ينتج في اللحظة بالذات أحجاراً من الحجم الصغير الذي يستعمل في المظاهرات وهو يقول في نفسه: موتوا بغيظكم، ها أنا أجهز الحجارة التي ستضربون بها غداً منذ الآن. اقتلوني إن شئتم فحجارة القتل جاهزة ولا يهمني!
لم يطق الحاكم العسكري صبراً بهذا العناد حيث تقدم منه بعد أن وضع البوق على يده وبقي معه مسدسه الموجه إلى رأس أبو غازي، وقال بلهجة خبيثة هادئة:
- توقف يا رجل... أنت متهم بتزويد المتظاهرين بالحجارة وها نحن قد ضبطناك وأنت تقوم بتجهيزها.
لم يكترث أبو غازي لهذا الكلام بل ازدادت ضرباته على الصخرة فأخذت الحجارة الصغيرة تتناثر هنا وهناك وقد أصاب بعضها الحاكم العسكري فجعله يفقد توازنه بعد أن رأى الدم ينزف من رجله اليمنى من جراء ضرب أبو غازي الصخرة، فأطلق النار على أبو غازي الذي تنحى جانباً وبحركة سريعة مما جعل كل الطلقات تنصب على الصخرة التي جاء منها الحجر..
ولكن هل تموت الصخور؟
asadalazooni@gmail.com
|
|