الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
طريقنا إلى الديمقراطية في مصر (1/ 2)
|
16 - 02 - 2010
عيداروس القصير |
تقودنا قراءة تاريخ نشأة وتطور قضية الديمقراطية في مصر إلى النتائج التالية:
1– مصر لم تحكم ديمقراطياً منذ نشأة الحياة الدستورية البرلمانية إلا بصورة محدودة جداً ولفترات قصيرة للغاية. ينطبق ذلك أيضاً على الفترة السابقة لعام 1952 التي توصف في اللغة السياسية غير الدقيقة وغير الموضوعية بفترة الديمقراطية البرلمانية، فقد مثل النظام وحكومته الاحتلال والقصر وأكثر ملاك الأراضي الإقطاعيين المتبرجزين ميلاً لعلاقات الخضوع والتبعية للاستعمار، وما كان موجوداً منذ دستور سنة 1923 إلي قيام حركة الجيش في 23 يوليو 1952 ليس نظاماً ديمقراطياً. لم يتول حزب الأغلبية الشعبية الكاسحة (الوفد) الوزارة سوى سبع سنوات ونصف السنة منها أربع سنوات وأحد عشر شهراً برغبة الاحتلال على فترتين، مرة لعقد معاهدة سنة 1936 والمرة الثانية في واقعة 4 فبراير الشهيرة سنة 1942 لضمان استقرار الوضع في مصر بوجود حكومة يؤيدها الشعب درءاً لخطر ماثل في وجود رومل وقواته في ليبيا ومنطقة العلمين على حدود مصر الشمالية الغربية. ما كان موجوداً حقاً في تلك الفترة هو حركة وطنية ديمقراطية جماهيرية واسعة انتزعت بفضل ثورة 1919 مدى واسعاً من الحريات من قبل وضع دستور 1923 ومن بعده وحتى في ظل تعطيل الدستور والانقلابات الدائمة على الحياة الدستورية التي قررها.
أما بعد سنة 1952 حيث مثل الحكم إلى حد كبير مصالح الشعب في المرحلة الناصرية فقد حكمت مصر بأشكال ووسائل ديكتاتورية وبوليسية صفت حركة الشعب السياسية والنقابية المستقلة وهو مما ساهم بدور أساسي في انتكاس إنجازات النضال الوطني والتطور الاقتصادي والاجتماعي لتلك المرحلة والتي لا يمكن الحفاظ عليها فضلاً عن تطويرها إلا عبر الحريات والديمقراطية السياسية.
2– إذا أخذنا في الاعتبار تاريخنا الحديث كله بعد ضرب تجربة محمد علي في مراحله الأربع الأساسية: الثورة العرابية والاحتلال البريطاني – ثورة 1919 وما بعدها – "ثورة" 23 يوليو 1952 والناصرية – عصر التبعية الجديدة للاستعمار الأمريكي والاعتراف والتطبيع مع الكيان الصهيوني، لوجدنا أن أهداف كفاح شعبنا الأساسية وهي: الاستقلال والديمقراطية والتقدم الاقتصادي والتقدم والتحرر الاجتماعي لم يتحقق أيٌ منها إلا بصورة جزئية وسطحية، بل شهدت بعض عناصر الأهداف المحققة جزئياً وسطحياً تراجعاً عن إنجازات المراحل السابقة، كتراجع حركة التصنيع وحدود العدالة في توزيع الدخل حالياً بالمقارنة مع الفترة الناصرية، وتراجع حدود الحريات وعلمانية الفكر والسياسة حالياً بالنسبة لثورة 1919 والوضع الناشئ عنها، وتراجع الحريات في الفترة الناصرية والفترة الحالية مقارنة بما قبل 1952، وتراجع الاستقلال الوطني ومقومات التطور المعتمد على الذات في مرحلة التبعية الحالية مقارنة بالفترة الناصرية.
إن التعثر والجمود والفشل في الإنجاز لا يتعلق بقضية الديمقراطية وحدها، وإنما بكل الأهداف الأساسية، هذا ما يؤكد وحدة قضايا النضال السياسية والاقتصادية والاجتماعية وميادينه الداخلية والخارجية وأن الديمقراطية لا يمكن كسبها من فراغ أو في إطار آخر غير النهوض الوطني الديمقراطي الجماهيري العام. تاريخياً ارتبط التطور الديمقراطي بالكفاح الوطني ضد الاستعمار ولم يكسب شعبنا مدى واسعاً من الحريات في الفترة 1923- 1952 ولم يصدر دستور 1923 إلا نتيجة للثورة الوطنية الكبرى سنة 1919. والعلاقة بين الوطنية والديمقراطية، بين النضال الديمقراطي والنضال الوطني بل وبين هذين النضالين والنضال من أجل حقوق ومطالب الطبقات الشعبية لا زالت وستظل قائمة ما بقيت علاقات التبعية لقوى الاستعمار قائمة في بلادنا وما دام الاستعمار والاضطهاد الاستعماري موجوداً وطامعاً في استمرار سيطرته على مقدراتنا.
3- يتفق التاريخ المصري مع التاريخ العالمي حول حقيقة مفادها أن الديمقراطية نتاج تطور اقتصادي سياسي ثقافي في حدود دنيا ضرورية قبل أن تصبح وسيلة أساسية لمواصلة التطور ورفع معدلاته بمقاييس جديدة وكبيرة.
يقول التاريخ العالمي إن الديمقراطية تنشأ بقيود كبيرة على مشاركة عامة الشعب - أو العوام كما كانوا يسمون الفقراء – مع تفكك الإقطاع وصعود الرأسمالية وسيادتها على الاقتصاد ومن ثم ثورتها السياسية واستيلائها على سلطة الدولة. وتتطور الديمقراطية في إطار النظام الرأسمالي بنمو الرأسمالية وامتلاكها قدرات ووسائل فعالة تمكنها - إذا ما تطورت الديمقراطية وبرغم هذا التطور – من الهيمنة على وعي وحركة الطبقة العاملة وغيرها من الأجراء والكادحين المفقرين وحصر مطالبهم في إطار بقاء النظام الرأسمالي؛ فلا تقبل الرأسمالية الحكم بوسائل ديمقراطية إلا إذا امتلكت مقدماً جهازاً بيروقراطياً وشرطياً وعسكرياً مدرباً ومنضبطاً وقادراً على قمع الخروج على قواعد النظام الرأسمالي وأسس بقائه وجهازاً للهيمنة الأيديولوجية والثقافية من خلال مؤسسات المجتمع المدني التربوية والثقافية والسياسية والمهنية والاجتماعية وكافة وسائل الضبط الاجتماعي وإزاحة صراع الطبقات جانباً وتزييف وعي الجماهير الكادحة المستغلة. وبعبارة أخرى لا تقبل الطبقة الحاكمة في إطار الرأسمالية، أي الطبقة الرأسمالية، الحكم بوسائل ديمقراطية إلا إذا هيمنت على قواعد اللعبة الديمقراطية أي احتكار الأحزاب البرجوازية للسلطة السياسية حفاظاً على مصالح الطبقة الرأسمالية.
لذلك فإن اتساع حدود الديمقراطية يحدده في المقام الأول نمو وقوة المطالب الديمقراطية للطبقات الشعبية الكادحة، وتأخر تواريخ موافقة أقدم الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة ديمقراطية على حق الاقتراع العام وإسقاط النصاب المالي في الترشيح والتصويت إلى النصف الثاني للقرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن العشرين لشاهد بليغ على صحة ما نقول. فأول دولة تأخذ بحق الاقتراع العام هي سويسرا سنة 1830 وطبقته فرنسا في دستور 1848 (وإن كان لويس بونابرت بعد انتخابه وفقاً لهذا الدستور قد حل المجلس التشريعي وألغى الدستور وأعلن قيام الإمبراطورية الثانية سنة 1852) وأخذت به ألمانيا سنة 1871 وأسبانيا سنة 1890 والسويد والنمسا سنة 1907 وايطاليا سنة 1912 وبريطانيا سنة 1918. إن نمو قوة المطالب الديمقراطية والوعي السياسي للعمال والكادحين كان الشرط الرئيسي لتطور الديمقراطية السياسية في بلاد الديمقراطية الليبرالية القديمة.
أما في مصر فقد قال التاريخ ما يلي:
1- ظهرت البدايات الأولى للنظام الديمقراطي بعد تبلور طبقة كبار الملاك الزراعيين الفرديين وبدء تبرجزهم أي تحولهم التدريجي من إقطاعيين إلى شبه إقطاعيين ورأسماليين نتيجة لعملية التتجير المتزايد للاقتصاد الزراعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولعبت الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1865) وما سببته من زيادة في الطلب على القطن المصري دوراً هاماً في نمو قوة كبار الملاك المالية وظهورهم كقوة مؤثرة في الحياة السياسية المصرية، وهو ما دعا الخديو إسماعيل إلى تكوين مجلس شوري النواب الذي حصر عضويته في هذه الطبقة باستثناء ستة أعضاء لأعيان وتجار المدن من أصل 75 عضواً بالمجلس وذلك للاستعانة بهم في دعم موقفه إزاء الدائنين ودولهم الأوربية وإعطاء مظهر لمؤسسة دستورية تطمئن الدائنين الأجانب وإن كانت سلطتها استشارية بصفة أساسية. ومع نمو الميول الاستقلالية للخديو إسماعيل والمصريين عموماً عن الخلافة العثمانية البغيضة والمريضة، واشتداد ساعد الحركة الوطنية ضد التدخل الأجنبي الأوروبي، وزيادة التغير في التكوين الطبقي للمجتمع والتمايز في المصالح والأوضاع الاقتصادية في الأرياف والمدن، وتطور التيار التحديثي العقلاني في الثقافة المصرية بعد نشأته في أعقاب عودة رفاعة رافع وغيره من مبعوثي محمد علي من أوروبا وزيادة تعرفه على الفكر الديمقراطي والدستوري والأنظمة الديمقراطية في الغرب، نمت القوى الديمقراطية واستطاعت الحصول من الخديو إسماعيل على لائحة أساسية (دستور) سنة 1879 صدرت بعد التوقيع عليها من عدد من الشخصيات البارزة والمثقفين والأعيان والملاك ومشايخ الأزهر. وهي كانت تشكل البداية الحقيقية للحياة البرلمانية المصرية بإعطائها مجلس شورى النواب سلطة التشريع باستثناءات محددة للخديو وتقرر مبدأ مسئولية النظارة (الوزارة) أمام المجلس إلا أن خلع الخديو بفرمان عثماني بتحريض من بريطانيا أوقف هذا التطور الهام بعد شهرين فقط من حدوثه، ثم أدى صعود الثورة العرابية، وتحديها للخديو توفيق في ميدان عابدين ومطالبها باسم الأمة المصرية ونزول الخديو على هذه المطالب، إلى تشكيل وزارة الثورة برئاسة البارودي في بداية 1882 وصدور لائحة أساسية جديدة (دستور) في فبراير 1882 أكثر ديمقراطية من لائحة 1879، كما صدر في مارس التالي قانون انتخاب جديد ففض الخديو مجلس النواب في اليوم الثالث لصدوره، وسرعان ما تلاحقت الأحداث ووقعت مصر فريسة للاستعمار البريطاني.
2- ضرب الاحتلال البريطاني التطور الديمقراطي وأصدر القانون النظامي سنة 1883 الذي ألغى اللائحة العرابية وأقام نظام المجلسين: مجلس شورى القوانين والجمعية التشريعية، اللذين لا يحوزان أي سلطة تشريع ويعين ما يقرب من نصف أعضائهما، بل يعين 14 عضواً من مجلس شورى القوانين مدى الحياة ويدخل هذا المجلس بكامل تشكيله في الجمعية التشريعية وعدد أعضائها 83 عضواً، ويعين عدداً آخر بحكم وظيفته في جهاز الإدارة الحكومية، وظل الأمر كذلك من الناحية الأساسية حتى في الجمعية التشريعية التي حلت محل نظام المجلسين في سنة 1913 ثم حلت نهائياً بعد الحرب وإعلان الحماية على مصر سنة 1914.
3- بعد صدمة الاحتلال البريطاني بدأت الحركة الديمقراطية والفكر الديمقراطي يستعيدان مسيرتهما بصورة ملموسة منذ السنوات الأولى للقرن العشرين مع نهضة الحركة الوطنية، وتطور الثقافة وتيارها التحديثي وانتعاش التيار العلماني في الأوساط المثقفة، وقيام الحرب وما جرته على المصريين من خطف لأبنائهم وإرسالهم لميادين القتال خارج البلاد خدمة للجيوش البريطانية، والغلاء، والقيود الجديدة على الحريات، وزيادة الطابع التجاري لطبقة كبار الملاك الزراعيين استفادة بظروف الحرب، وصولاً لثورة 1919 المجيدة.
4- في ثورة 1919 شكل كبار الملاك ومثقفوهم القيادة الأولى للثورة بزعامة سعد زغلول وشكلوا نسبة كبيرة من قيادات الوفد اللاحقة فضلا عن قيادتهم لحزب الأحرار الدستوريين الذي تشكل انشقاقاً عن الوفد وغيره من الأحزاب. وكان ذلك انعكاساً لنمو البرجوازية المصرية وتحول كبار الملاك الزراعيين إلى برجوازيين أو شبه برجوازيين يحتفظون كلهم تقريباً رغم ذلك بالاقتصاد الزراعي الإقطاعي وشبه الإقطاعي في الجزء الأكبر من أملاكهم الشاسعة. وقد انعكس هذا النمو المالي وفي الطابع التجاري الرأسمالي المتزايد لملاك الأراضي أيضاً في تشكيلهم بقيادة طلعت حرب لبنك مصر وشركاته الصناعية والمالية والتجارية بعد الثورة ثورة 1919 وتعتبر مطالب الثورة التي جسدها شعارها الرئيسي الاستقلال والدستور نتاج تطور كل من الحركة الوطنية والحركة الديموقراطية والتفكك النسبي في علاقات الإنتاج الإقطاعية. وإذا كانت هذه الاتجاهات قد تطورت بصورة مستقلة نسبياً وبمعدلات متفاوتة عن بعضها البعض فإن النقلة التي جسدتها ثورة 1919، بل انطلاقة الثورة نفسها، قد قامت على الربط الوثيق بينها جميعاً في إطار القضية الرئيسية الجامعة وهي التحرر من الاستعمار البريطاني. إن إنجازات ثورة 1919 السياسية، وهي أساساً في مجال الحريات، نتاج تطور سياسي واقتصادي وثقافي منذ بداية القرن مهد وحضر لانفجار الثورة في لحظة مناسبة. وهذه الحريات هي التي تركت في الحياة السياسية والاقتصادية آثاراً هامة دائمة لمدة 30 سنة رغم إجهاض أهداف الثورة في تحقيق الاستقلال التام والديموقراطية السياسية.
5- "ثورة" 23 يوليو، الانقلاب الذي تحول إلى "ثورة من فوق"، والتي مثلت نكوصاً حاداً في مجالي الحريات والديمقراطية السياسية لا تخرج على القانون أو القاعدة العامة القائلة بأن الديمقراطية نتاج تطور ونمو اقتصادي سياسي ثقافي قبل أن تصبح أداة للتطور. فهي الخروج أو الاستثناء الذي يثبت القاعدة، وذلك لسببين: أولهما أن أحد شروط التطور الديمقراطي وعناصره الأساسية كان غائباً في هذا الانقلاب المتحول إلى ثورة من أعلى وهو الحزب أو الطليعة السياسية الجماهيرية القادرة على مواصلة والتعبير عن التخمر الثوري للأربعينيات والخمسينيات الأولى من القرن العشرين الذي تجاوز طبيعة وطاقة حزب الوفد، وهو ما سمح لتنظيم الضباط الأحرار بالقيام بحركتهم الخاطفة. وثانيهما هو عمر التجربة "الثورية" الناصرية القصير نسبياً وكان غياب شرط الحريات والديمقراطية السياسية السبب الأساسي في انتهائها وفي هزيمة 1967 التي عجلت بالنهاية.
6- ما بعد الناصرية مرحلة تراجع شامل في الأهداف الأساسية الوطنية والقومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع استمرار ديكتاتورية الحكم والقيود المفروضة على الحريات الديمقراطية، وركود طويل ممتد حتى الآن للحركة الجماهيرية السياسية بل والمطلبية الاقتصادية في أغلب سنوات الفترة التي بلغت حتى الآن نحو 40 عاماً لأسباب فصلناها في مكان آخر هو كتاب أزمة مصر الحقيقية، ونوجزها في تداعيات هزيمة سنة 1967 وخاصة الإستراتيجية العاجزة عن مواجهتها والتي انتهت إلى التسليم بهدف العدو كما جسدته اتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة 1979 الاستسلامية، وفي القيود الصارمة على حق الشعب في التنظيم والتعبير والنضال الجماعي الجماهيري وسياسة الإفقار وهجرة العمالة للعمل في الخارج، واستشراء النزعة السلفية الماضوية التي تسمى خطأ بـ"الصحوة الإسلامية" والتي ساهمت ولا تزال بدور كبير في تزييف الوعي بحقيقة مشاكلنا والسبيل الصحيح لمواجهتها.
العقبات الحالية أمام التحول الديمقراطي:
(يتبع..).
eidarous_alkassir@hotmail.com