الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
طريقنا إلى الديمقراطية في مصر (2/ 2)
|
17 - 02 - 2010
عيداروس القصير |
العقبات الحالية أمام التحول الديمقراطي:
ترصد أية نظرة فاحصة ومتأنية وجود فعال للعقبات التالية أمام تطور الحركة الديمقراطية وقيام نظام سياسي ديمقراطي ومقرطة المجتمع:
1 – أوضاع التبعية والتخلف الاقتصادية والسياسية والثقافية. فالقوى الإمبريالية والقوى الداخلية التابعة لها وغيرها من القوى الحافظة للتخلف هي ذاتها القوى الأساسية المعادية للحرية والديمقراطية، هذا إذا ما عرفنا الديمقراطية بأنها السلطة السياسية الممثلة لمصالح الشعب والمنصبة بالوسائل الديمقراطية وليس مجرد التعددية الشكلية والانتخابات التي تجري في نفس الظروف والأوضاع التي تعيد إنتاج الوضع القائم دونما تغيير يذكر.
2 – نظام الحكم القائم في بلادنا على المركزية الطاغية ممثلة في رئيس الجمهورية، ومصادرة الحريات الديمقراطية، والإرث الجوهري الباقي للتنظيم السياسي الواحد الذي يمارسه حزب الإدارة الحاكم تحت واجهة التعددية السياسية المسموح بها، وهي في جوهرها "ديكور" زائف للديكتاتورية السياسية ولقمع حركة الشعب وقواه الديمقراطية والتقدمية.
3 – التيار السياسي الديني المنتشر والمستشري والذي لا تنشره وتدعمه جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من جماعات تديين السياسة والعلاقات الاجتماعية والثقافية فحسب، بل وأيضاً تشريعات وممارسات الحكم القائمة على النفاق والمزايدة على الجماعات السياسية الدينية من جهة وعلى أشكال متعددة من التمييز ضد الطوائف غير الإسلامية تحرك الفتن الطائفية أو تخلق وتبقي على الأقل جذوتها متقدة لإشعالها عند الاقتضاء تفتيتاً لوحدة الشعب حول مصالحه الوطنية الجامعة ولوحدة الطبقات الكادحة المستغلة حول مصالحها وحقوقها العادلة من جهة أخرى. إن الشروط الأساسية والأولية للحرية والديمقراطية تتراجع وتنحسر مع استشراء هذا التيار الذي يناهض أول ما يناهض حرية العقيدة والفكر والمساواة في الدستور والقانون ويجعل أفكار وأحكام السلف "الصالح" المرجعية الرئيسية إن لم تكن الوحيدة للفكر والسياسة ومصالح الشعب وحقوقه متنكراً لحقائق العصر وعلومه الاجتماعية والفلسفية.
4 – مخطط وثقافة التفكيك السياسي والثقافي العالميين والمستندين على إحياء وإنعاش كل ما هو شعبي وتراثي والاهتمام بالكشف عما ينتمي إلى الأصول البعيدة والسكان الأصليين، وربما، كما يقول المفكر السوري الطيب تزيني، ما ينتمي إلى البيئة الطوطمية وترك العلوم الاجتماعية الساحة خالية أمام الأنثربولوجيا، أي إحياء التعددية المعيقة للتقدم: الطائفية، الإثنية، السلالية، المذهبية الدينية، الأقلوية.. إلخ، وإسقاط كل الهويات التي تشكلت تاريخياً: السيادة الوطنية، الدولة، الأمة، الطبقة والتي استندت إلى مفاهيم حداثية مثل: العقلانية، الديمقراطية، العلمانية وغيرها، وهذا التفكيك يتم - وكما يقول تزيني أيضاً - لصالح السوق الكونية. وبالنسبة لمصر، ومن باب أولى البلاد العربية الأخرى، فإن مثل هذا التفكيك هو تفكيك المفكك أصلاً لأن مصر كما البلاد العربية الأخرى لم تنجز مشروع حداثتها لا في الاقتصاد أو السياسة أو الفكر أو الثقافة أو العلم إنجازاً جذرياً أو ملموساً حيث أجهضت الحداثة في كل من هذه الميادين ما بين مطرقة الاستعمار وسندان الرجعية المحلية. أما الأدوات المستخدمة لتفكيك المفاهيم والهويات الدافعة للحداثة والتقدم والتحرر السياسي والفكري والاجتماعي فهي:
أ – تدويل أوضاعنا ومشاكلنا للتدخل في شئوننا والوصاية علينا لإملاء أجندات إمبريالية تحت مزاعم حقوق الإنسان والأقليات ونشر الحرية والديمقراطية.
ب – ترويج تيارين فكريين في أوساط المثقفين والسياسيين: الأول تيار "الثقافوية" وهي تقوم على إحياء الهويات القديمة وإسقاط الهويات الحديثة كالوطنية والقومية والعقلانية والتعددية السياسية المثمرة والدافعة للتقدم، والثاني تيار "ما بعد الحداثة" وخاصة نمطه الأكثر بعداً عن العقلانية وخروجاً على النظرة الموضوعية الجدلية ليهتم بما هو هامشي وعابر ويرفض الأنساق الكلية ويفكك كل الأطر والبنى المجتمعية لينتج خطاباً لا يمكن تحليله وضبطه بطريقة موضوعية.
ج – المنظمات الأهلية الممولة أجنبياً، والتي تتبنى أجندات صغيرة قد تكون في حد ذاتها أحياناً صحيحة لكنها تستهدف حجب وعي واهتمام الجماهير بالقضايا الكبرى والروابط الجامعة لأبناء الشعب الواحد أو الأمة الواحدة أو الطبقة الاجتماعية الكادحة والمستغلة، وخلق ولاءات للجهات الممولة التي تقف وراءها حكومات ومخابرات وشركات الدول الاستعمارية والمعادية لشعوبنا.
5 – الضعف الشديد لتسييس الجماهير وعزوفها شبه التام عن الاقتراب من ساحة الكفاح السياسي. ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة لعل أهمها سيكولوجية اجتماعية موروثة ومتجددة لمسالمة ومسايرة السلطة وأصحاب النفوذ والسطوة بسبب ضراوة القمع القديم والمتجدد ومحدودية الوعي والثقافة السياسية والعامة الحديثة والركود الطويل المستمر لأغلب فترة الـ40 سنة الماضية للحركة الجماهيرية وأشكال النضال الجماعي حتى في المجال الاقتصادي النقابي لأسباب ألمحنا إليها فيما سبق. ويشكل نهوض الحركة المطلبية الجماعية حتى وإن كانت حول مطالب اقتصادية نقابية مباشرة بيئة مناسبة يتطور في ظلها الوعي والاستعداد للعمل السياسي إذا وجدت أو نشأت في ذات الوقت الطلائع السياسية الديمقراطية والتقدمية القادرة على الالتحام بحركة الجماهير الناشطة. والآن يوجد نزوع جماهيري ملموس نسبياً للاحتجاج والإضراب الاقتصادي لكنه لا يزال محدوداً نسبياً في مساحته ضيقاً في أفقه المطلبي الاقتصادي والنقابي بعيداً عن أية مطالب سياسية مباشرة. إلا أنه على أية حال وضع أفضل من الوضع الذي ساد خلال الـ15- 20 سنة السابقة على إضراب المحلة في ديسمبر 2006، وإن كان لا يجد الطليعة السياسية العمالية الجاهزة للربط والتنسيق بين المبادرات العفوية غالباً والمنظمة أحياناً وللإسراع بتوحيد الحركة العمالية المطلبية على مستوى المهنة ثم على مستوى الطبقة مما يوفر شروط استعادة الطبقة العاملة المصرية دورها السياسي القيادي، كما لم يجد قوى ديمقراطية ذات ثقل جماهيري وجاهزة للاستفادة بالحيوية النسبية العائدة للحركة العمالية والمطلبية لخوض معارك كبيرة أو فعالة ودؤوبة لانتزاع حرية التنظيم السياسي والنقابي والاجتماعات العامة والمسيرات وحرية إصدار الصحف والإضراب عن العمل، فتتوفر بذلك أحد الشروط الأساسية للتسييس الواسع للجماهير. والأخطر من ذلك أن أغلب هذه القوى رغم انحسار نفوذها متعجلة ومتوجهة مباشر لتغيير النظام السياسي القائم وإقامة نظام حكم ديمقراطي قبل أن تذلل العقبات وتزيح العوائق التي يشكل وجودها سداً مرتفعاً أمام الهدف المنشود وفي مقدمتها الأوضاع والقوانين المنافية للحرية والديمقراطية ونفوذ التيارات الثقافية والسياسية المعادية للحرية والديمقراطية، هذا النفوذ الذي انتشر في المجتمع بأسره وليس فقط في الدائرة التي تشكل القاعدة السياسية والاجتماعية للنظام السياسي القائم فقط، وبذلك تساهم هذه القوى من حيث لا تدري، أو تدري، في عرقلة التسييس والنهوض السياسي للجماهير.
من أجل مستقبل ديمقراطي:
في ضوء كل من الخبرة التاريخية والعقبات المشار إليها أمام الحركة الديمقراطية والتحول الديمقراطي يتطلب النضال من أجل مستقبل ديمقراطي لبلادنا خطة تقوم على الاعتبارات التالية:
1 – الإقرار بأن إقامة ديمقراطية سياسية أو حتى قطع شوط كبير في اتجاه إقامتها لا يزال يتطلب وقتاً ليس بالقليل ونضالاً شاقاً وبأن معركة الديمقراطية في بلادنا معركة طويلة. وإن حدث ما ليس في الحسبان كأحداث تحث السير تجاه الديمقراطية فستظل إمكانية قرب تحقيقها وعلى الأرجح تحتاج إلى بضع سنوات على الأقل، وذلك لغياب المنظمات السياسية الديمقراطية الجماهيرية حالياً فضلاً عن افتقاد المنظمات والجماعات السياسية الديمقراطية القائمة حتى الآن - ودون استثناء تقريباً وكما أوضحت تجربة الأعوام الستة الماضية - لكل أو بعض شروط فعالية القوة السياسية، وهي الخط السياسي والتنظيم وخبرات الممارسة العملية، التي تمكنها من الاستفادة الملموسة من نهوض سريع - إن حدث- في الحركة الجماهيرية وميولها الثورية.
2 – معركة الديمقراطية ليست معركة ضد النظام الحاكم وحده وقوانينه وممارساته المنتهكة للحريات وأسس الديمقراطية فحسب، بل وأيضاً ضد قوى أخرى هامة معادية للديمقراطية تتمثل في التيار السياسي الديني الذي يصادر حتى في صورته "المعتدلة" أو "الوسطية" أبسط مبادئ الحرية والديمقراطية ويلعب اليوم بشعار الديمقراطية في محاولة للوصول للحكم وفرض ديكتاتورية أشرس وأكثر بطشاً وظلاماً.
إن إدخال الدين في السياسة ناهيك عن اتخاذه مرجعية أولى لها هو مسألة معادية للديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية بمعناها المعاصر، بل هو شعوذة. ولست أنا مبتكر أو صاحب وصف تيار إدخال الدين في السياسة بالشعوذة ولا هو أحد الملاحدة وإنما القائل هو الحاج المسلم رئيس حزب الوفد الأسبق وخليفة سعد زغلول الراحل مصطفى النحاس.
كما تتمثل القوى المعادية للديمقراطية بخلاف النظام الحاكم والتيار السياسي الديني في الليبراليين الجدد الذين ينظرون للدول الاستعمارية كقيادة للحضارة الإنسانية المعاصرة ويسقطون عنها طبيعتها وسماتها الاستعمارية ويسعون لإقامة ديمقراطية النخب البرجوازية المتنافسة على الولاء للإمبريالية العالمية وجعل مصر ضيعة دائمة للأثرياء من الرأسماليين المصريين والأجانب.
3 – الارتباط العضوي بين الحرية والديمقراطية السياسية وبين جميع قضايا النضال الأساسية الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الطبقية والوطنية والقومية. فلن يحرز نضالنا الديمقراطي إنجازاً ملموساً دون أن تتحقق في ذات الوقت إنجازات ملموسة في هذه القضايا أيضاً، لن نمسك بمسطرة ونقيس التساوي بين الإنجازات المطلوبة في كل الميادين المذكورة فما يهم هو الاتجاه العام. إن وحدة قضايا النضال مبدأ أساسي في الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية وفي كل قضية أساسية أخرى. فالكفاح من أجل قضية أساسية معينة هو في ذات الوقت دعم ورافعة للكفاح من أجل قضية أساسية أخرى أو أكثر؛ مثلاً التحرر من الاستعمار والتبعية هو شرط مبدئي لقيام حكم ديمقراطي أي يمثل الشعب ومصالحة العليا والأساسية والمباشرة أيضاً، وتحقيق الحرية والديمقراطية هو شرط أساسي لتوحيد الشعب وتعبئته لإسقاط التبعية السياسية والعسكرية ومقاومة الاستعمار وتدخله في شئون دولة مستقلة أو نازعة للاستقلال وانتهاج طريق التطور الاقتصادي والاجتماعي المعتمد على الذات. وفضلاً عن ذلك يحمي مبدأ وحدة قضايا النضال الديمقراطية والنضال الديمقراطي من الاختراق والابتذال من جانب القوى المعادية للديمقراطية والاستقلال الوطني والتحرر والتقدم.
4 – عدم الأخذ حالياً بالمقولة الشائعة الآن بأن "الحلقة الأساسية في العمل السياسي في مصر هي الديمقراطية" أو بشعار "الديمقراطية أولاً" لعدم اتفاقهما مع الخصائص الأساسية الراهنة للوضع السياسي وذلك لأنه:
أولاً: ينتهك مبدأ وحدة قضايا النضال، وثانياً لأن شروط النجاح أو الحسم ضد الديكتاتورية السياسية غير قائمة حالياً، فهذا الشعار أو تلك المقولة لا يكونان صحيحين إلا بشروط معينة ليست متاحة حالياً في بلادنا، فهما يتطلبان أن تكون القوى الديمقراطية حائزة للقدرة على تعبئة جماهير الشعب للنضال الواسع والفاصل من أجل الديمقراطية.
ثانياً: أن تكون مشكلتنا الوحيدة أو الأساسية كشعب وقوى ديمقراطية مع النظام الحاكم القائم قاصرة على ديكتاتوريته السياسية ومصادرته للحريات الديمقراطية والأمر كما هو واضح ليس كذلك عندنا. فالتناقض مع الطبقة الحاكمة ونظامها السياسي يشمل جميع المسائل الأساسية. المقولة المذكورة مستمدة من تجارب وظروف مختلفة جذرياً عن ظروفنا وتجربتنا الحالية.
ويمكننا القول بأن أحد شرطي صحة هذه المقولة كان متاحاً في عهد عبد الناصر حيث كان يوجد حد أدنى ملائم نسبياً من الاتفاق معه في القضايا الوطنية والقومية والاقتصادية والاجتماعية وكانت مصادرة الحريات والحكم الفردي المركزي الصارم هو مشكلتنا الرئيسية والعائق الرئيسي لمواصلة وتطوير مكتسبات المرحلة ولتعبئة الشعب بعد هزيمة 1967 لتحرير الأرض دون قيد أو شرط وهزيمة الكيان الصهيوني، لكن شرطها الثاني لم يتوفر آنذاك. لذلك قد يصح القول إن هذه المقولة كانت صحيحة نظرياً وإستراتيجياً في عهد عبد الناصر لكن لم تتوفر القوى الفعلية لتنفيذها عملياً.
أما المثال الكلاسيكي الذي ظهر فيه مفهوم الحلقة الأساسية في العمل السياسي، واستوفي شروط تطبيقه الناجح ولكن في مجال آخر غير الديمقراطية، فقد كان في روسيا بعد الثورة البلشفية، عندما استخدم لإخراج الثورة من عنق الزجاجة التي دخلت إليه بسبب النتائج التي ترتبت على حروب التدخل العسكري لـ14 دولة أجنبية والحرب الأهلية التي شنتها في حمى هذا التدخل الرأسمالية الروسية وبقايا الإقطاع ضد الثورة كالمزيد من تدمير الصناعة الروسية بعد التدمير الذي ألحقته بها الحرب العالمية في ظل القيصرية والبرجوازية وكظهور المجاعة في المدن. فقد اعتبر البلاشفة سنة 1921، بعد انتهاء الحرب الأهلية بانتصار الثورة على التدخل الأجنبي والرجعية الروسية، أن الحلقة الأساسية هي السياسة الاقتصادية الجديدة "النيب" التي أتاحت حرية التجارة تحت رقابة الدولة، حيث كانت السلطة الاشتراكية والحزب البلشفي منتصرين ومسيطرين ولا يعوق الثورة إلا خطر المجاعة في المدن والتخريب الفادح للاقتصاد مما تطلب عاجلاً حفز الفلاحين على الإسراع بالتوريد الاختياري للحبوب والمواد الغذائية لسكان المدن وكذلك إنعاش الاقتصاد سريعاً بكل أساليب الإنتاج الممكنة - وليس بأسلوب الإنتاج الاشتراكي وحده- بعد سنوات الحرب العالمية والثورة والحرب الأهلية لتوفير حد أدنى يسمح بمواصلة التحويل الاشتراكي للاقتصاد والمجتمع.
إن مقولة الحلقة الأساسية في العمل السياسي ليست صالحة الآن لإنجاز عاجل أو في أمد قريب منظور لأي من مهماتنا السياسية الأساسية، لا التحرر من التبعية، ولا إقامة الديمقراطية، ولا التوجه تجاه بناء أسس التطور الاقتصاد المعتمد على الذات، ولا إسقاط معاهدة 1979 مع الكيان الصهيوني، ولا غيرها من المهام السياسية الأساسية. وإذا كانت هناك ثمة ضرورة للقول بحلقة أساسية من بين حلقات نضالنا يتعين إنجازها أولاً أو الإمساك بها بقوة توطئة لإمساك باقي الحلقات لقلنا دون أدنى تردد أن هذه الحلقة هي في مجال التنظيم، بناء أداة أو أدوات الكفاح، أي بناء المنظمة أو المنظمات السياسية الكفاحية. ونود التذكير والتشديد على أن هذا البناء نفسه لن يكون إلا عبر الكفاح في ميادين النضال الأساسية كلها، ووفقاً لمبدأ وحدة قضايا النضال، وليس في ميدان واحد أو جزئية واحدة من جزئيات قضية أساسية معينة، كمن أرادوا أن يقيموا حركة سياسية تقضي عاجلاً على ديكتاتورية الحكم والاستبداد وتقيم ديمقراطية اعتماداً على شعار وحيد مثل شعار "لا للتمديد والتوريث"، أو كمن ادعوا أن النضال السياسي وإقامة التنظيم السياسي لا يقوم إلا على الحركة المطلبية الفئوية، أو كمن زعموا أن إسقاط الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية يتطلب تحييد القوى الدولية أو ما يسمى المجتمع الدولي في الصراع مع النظام السياسي القائم وهو لا يعني سوى القول بتحييد الاستعمار والتقاطع معه ومع مشاريعه الكاذبة لنشر الحرية والديمقراطية. ومثل هذه التوجهات لا تنتج تنظيمات أو أحزاب وطنية أو ديمقراطية أو تقدمية حقيقية ولا تجدي مجهوداتها، مهما أثارت من زوبعة أو ضجة عابرة، في مجال إنجاز أي مهمة أساسية وغالباً ما تضر نضالنا ضرر بليغاً.
5 – تحقيق نهضة ملموسة واسعة وعميقة في الثقافة الديمقراطية العامة والسياسية. والثقافة الديمقراطية في بلادنا وغيرها من البلاد المشابهة لأوضاعنا هي جزء لا يتجزأ من الثقافة الوطنية الديمقراطية والتي هي بالضرورة عقلانية وعلمية. وتتشكل وتنهض الثقافة الوطنية الديمقراطية بنهضة عدة تيارات وبالمزج والتركيب بين عناصرها المشتركة والمتناسقة. وأبرز هذه التيارات هي:
آ - تيار الثقافة الوطنية، الثقافة المناهضة للإمبريالية والصهيونية المتوجهة لاستكمال استقلالنا الوطني والحفاظ عليه وصيانة كرامة الشعب المصري والأمة العربية الكبرى، وهي ثقافة ناقدة ورافضة للجوانب الرجعية والعنصرية والتفكيكية والاستعمارية في الثقافة العالمية أي ناقدة ورافضة لثقافة الإمبريالية القومية والجماعية (الإمبريالية المعولمة). وهو تيار يحمل خصوصيتنا الوطنية المصرية والقومية العربية المنفتحتين على ثقافات الأمم الأخرى في وجوهها الديمقراطية والتقدمية والعلمية.
ب – تيار تجديد الفكر الديني والتراثي في اتجاه تذليل القيود على حرية الفكر والعقيدة والبحث العلمي والتشريع والتقدم السياسي والاقتصادي الاجتماعي المستند في المقام الأول على منجزات العلوم الاجتماعية والفلسفية والطبيعية الحديثة.
ج – التيار العلماني وضرورة إحيائه وانتشاره وازدهاره وسيادته في الثقافة السياسية للجماهير والعلوم الاجتماعية وصولاً لإبعاد الدين عن السياسة، وإبعاد السياسة عن الدين، وفصل الدين عن الدولة، والتطبيق الحازم للشعار العلماني الشهير والعظيم الذي صاغته ثورة شعبنا المجيدة سنة 1919 "الدين لله والوطن للجميع". وبدون ذلك تغيب أهم أسس الحريات والديمقراطية السياسية.
د – تيار الاشتراكية العلمية والثقافة الاشتراكية لا لمجرد التعبير عن تطلع الكادحين والمثقفين الإنسانيين لإنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان فقط، وإنما أيضاً للاستفادة بالنظرية الماركسية التي مثلت قطيعة معرفية لم يتجاوزها تاريخ نظرية المعرفة وبفلسفتها الاجتماعية التاريخية التي ابتكرتها والتحليل الطبقي الذي أصلته وطورته لكشف الحقائق الأساسية والجوهرية للنظام الدولي الاقتصادي الاجتماعي السائد وهو النظام الرأسمالي وتناقضاته وصراعاته الأساسية الدائمة. وتمثل هذه الاستفادة التي يمكن أن تشمل كافة القوى التقدمية في المجتمع، كما حدث ولا يزال يحدث بالفعل، الدور الرئيسي حالياً للتيار الفكري الاشتراكي العلمي الماركسي. ففي ضوء ما كشفه هذا التيار - ولا يبذه أو يدانيه في هذا الميدان تيار آخر- من حقائق وتناقضات وصراعات النظام الرأسمالي العالمي وموقع مراكزه المهيمنة واستغلالها لكادحي العالم بأسره وسيطرتها ذات الطابع الإمبريالي الدائم والذي لا يتغير جوهره مع تغير مراحل تطور الرأسمالية، تحدد شعوب العالم المضطهدة وطبقاته المستغلة المظلومة إستراتيجياتها للتحرر الوطني والتقدم الاقتصادي والسياسي والأمن والسلم الدوليين، وتستشرف عدالة اجتماعية من نوع ومستوى جديد متجاوزة عدالة الإحسان والصدقات متطلعة للقضاء على الفقر المطلق والنسبي أيضاً، وبناء عالم جديد قائم على أسس موضوعية وقيم اجتماعية وأخلاقية للمساواة والندية والتكافؤ والتآخي بين الأمم والشعوب والأفراد.
6 – توفير الحريات، حرية الفكر والتعبير والتنظيم والاجتماع والمظاهرات والإضراب عن العمل والانتخاب والترشيح في جميع الهيئات التمثيلية من أدناها إلى أعلاها، والمساواة بين المواطنين بعيداً عن أي تمييز أو تفرقة بسبب الدين أو الجنس، هو أساس الديمقراطية السياسية وشرطها المسبق والذي لا تدوم الديمقراطية وتتوطد بعد إقامتها إلا بدوامه وتوطده. وإن جدية ومصداقية ونزاهة أية انتخابات برلمانية أو رئاسية تتطلب أن تتوفر قبل إجرائها بوقت كاف جميع تلك الحريات وأن يرفع كل قيد على حريات الشعب وحق طبقاته وفئاته وتياراته المختلفة في النشاط السياسي والثقافي والنقابي. ووفقاً لهذا الفهم تصبح المهمات العاجلة والمباشرة في مجال الكفاح من أجل الديمقراطية هي معارك انتزاع الحريات. فالحريات كما قلنا تسبق الديمقراطية وتستمر وتتوطد الديمقراطية باستمرار وتوطد الحريات.
7 – الأهمية البالغة لحفز ومساندة الحركة الجماهيرية المطلبية، وفي مقدمتها الحركة العمالية، ودعوتها ومساعدتها على توسيع حدود مطالبها وتوحيدها على مستوى المهنة والصناعة ثم على مستوى الطبقة العاملة ثم على المستوى الوطني، مما يسمح بانفتاح آفاق انخراط الطبقة العاملة في النشاط السياسي واستعادتها لدورها السياسي المفقود والذي كان له في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي تأثير كبير في تطوير برنامج الحركة الوطنية ليتضمن الاستقلال الاقتصادي والتطور الاقتصادي المعتمد على الذات إلى جوار الاستقلال السياسي، والكفاح المسلح إلى جوار الكفاح السياسي، وتطوير برنامج الحركة الديمقراطية ليشمل الديمقراطية الاجتماعية، أي مواجهة قضية انقسام المجتمع إلى طبقات والفوارق الفادحة بينها، إلى جوار الديمقراطية السياسية حتى لا تظل كما كانت تحت الاحتلال والملكية احتكاراً وديكتاتورية للمالك الزراعي الكبير شبه الإقطاعي أو الرأسمالي الكبير المرتبطين بالاستعمار.
eidarous_alkassir@hotmail.com
ملاحظة:
(هذه المقالة هي الجزء الأخير من محاضرة - وخلاصة هذه المحاضرة - عن تاريخ الديموقراطية ومستقبلها في مصر أعقبها نقاش موسع في منتدى ابن لقمان بمدينة المنصورة حضرته شخصيات من كل التيارات والقوى السياسية والثقافية المصرية تقريباً في المدينة يوم الجمعة 27 ديسمبر 2008).