كلما تابعت الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في تصريحاته القوية ومواقفه الثورية ومظهره البسيط المتواضع والواثق في نفس الوقت، علاوة على خلفيته الاجتماعية والسياسية أتذكر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بكاريزميته وحسه الوطني التحرري، وكلما أمعنت النظر في الموقف الغربي والصهيوني من المشروع النووي الإيراني، يتداعى إلى ذهني ما جرى مع مصر حين حسمت أمرها، ورفضت الوصاية الاستعمارية، وقررت الاعتماد على الذات لبناء نهضتها، وشرعت في تأميم قناة السويس لتمويل بناء السد العالي والدخول إلى مرحلة التصنيع، وما واجهته من ضغوط تجاوزت الحصار الاقتصادي والحملات الدعائية السوداء إلى المواجهة العسكرية فيما عُرف بـ"العدوان الثلاثي" "الإسرائيلي" البريطاني الفرنسي.

فرغم المسافة التاريخية بين الحدثين، إلا أن التشابهات قائمة، سواء ما يتعلق ببروز زعيم وطني يسعى لمصلحة شعبه وتحريرها من التبعية، واتخاذ مواقف واضحة تجاه القوى المعادية وتحديدها جيداً، ودعم القوى المناوئة لها لاستنزافها وكسر شوكتها، أو نهج الرهان على الداخل وحشد الطاقات الذاتية، لإحداث نهضة شاملة مستقلة، وبناء قوة تحميها من أي استهداف.

ويبدو جلياً الاستعداء الغربي لأي مشروع وطني ذي طابع استقلالي، ووجود المشترك "الإسرائيلي" العدواني في الحالتين، بل ونفس الخطاب ونفس الاتهامات تقريباً التي كان آخرها توصيف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لإيران نجاد "بديكتاتورية عسكرية" الأقرب إلى مفردات رئيس الوزراء البريطاني إيدن تجاه مصر ناصر.

من هنا فإن التحركات الأمريكية الواسعة في المنطقة العربية والتحريض "الإسرائيلي" المعلن تجاه إيران لجهة مزيد من تشديد العقوبات عليها، أو استهدافها عسكرياً لعرقلة برنامجها النووي يدفعنا كعرب إلى النظر بارتياب شديد لمثل هذه الجهود الشريرة التي تصب في خانة بقاء الكيان الصهيوني القوة النووية الوحيدة في المنطقة، وعدم إيجاد قوى أخرى تخلق حالة من توازن القوة التي في الأخير إذا أحسنا استغلالها فستصب في خدمة مصالحنا القومية.

ليس معقولاً ولا مقبولاً أن ننساق وراء الضغوط الأمريكية والدعايات الصهيونية ونتخذ من إيران عدواً، ونتغاضى عن العدو الحقيقي للأمة العربية، في حين أن منطق العقل والمصلحة يقول بضرورة الانفتاح على هذه القوة الإقليمية المهمة، وإيجاد صياغة لأرضية مشتركة، وربما لتحالف إستراتيجي، خاصة أن ثمة ما يهيئ لمثل هذه الخطوة من جوار جغرافي ومشترك ثقافي وعقائدي ومصالح متقاطعة وعدو واحد "إسرائيل" وأمريكا.

والأهم من ذلك وجود استعداد واضح لدى الجانب الإيراني للتقارب مع العرب، عكسته مبادرات متتالية تتواصل منذ سنوات، وشهدت ذروته إبان حكم الرئيس السابق محمد خاتمي، فضلاً عن التطورات الداخلية والتفاعلات الإقليمية والدولية التي جعلت إيران أكثر براجماتية وواقعية، وأنهت حقبة تصدير الثورة الإيرانية تلك النقطة التي كانت تثير مخاوف كثيرين.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا.. أيهما أكثر خطراً علينا وعلى مصالحنا في الحاضر والمستقبل العدو الصهيوني أم إيران؟ وأيهما أولى بأن نسعى للتطبيع معها "تل أبيب" أم طهران؟

مثلما جربنا أن نمد أيدينا للكيان الصهيوني بالسلام، ولم نجنِ أي شيء سوى الخسران وضياع الكثير من الحقوق العربية والكرامة العربية والأرض العربية، خاصة في فلسطين المحتلة، فلنفعل الشيء معه باتجاه إيران، ونرى ماذا سنحصد؟ وفي تصوري أن الحصاد سيكون وفيراً وعظيماً، ولنتخذ من تركيا نموذجاً بانفتاحها على هذا المنافس الإقليمي القوي لها، بدلاً من استعدائه أو السير كالعميان في ركاب الأجندة الصهيوأمريكية، فأنقرة تتصرف بذكاء وحنكة ورؤية ثاقبة، تحركها مصالحها الوطنية الخاصة، ومنطق التعاون لا التصارع العبثي والمجاني مثلما نفعل.
لقد أحسن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل حين تحفظ على الحملة العدائية الأمريكية تجاه إيران وضرورة التعاون الخليجي في فرض مزيد من الضغط عليها، وعلى حليفها الدولي "الصين"، وإشارته المهمة إلى البرنامج النووي "الإسرائيلي" العسكري الذي يغض الجميع الطرف عنه، ويركز فحسب على المشروع النووي الإيراني الذي تشير كل الدلائل حتى الآن إلى أنه للأغراض السلمية، غير أن هذا الموقف يحتاج إلى تطوير أبعد من هذا بكثير، يتجاوز مسألة التحفظ إلى الرفض الصريح للمطالب الأمريكية العدوانية غير المبررة، والعمل على رفض نشر الدرع الصاروخي في منطقة الخليج، وصولاً إلى تدشين حوار عربي إيراني يزيل سوء الفهم والمخاوف بين الجانبين، ويرسم خارطة المصالح الإستراتيجية المشتركة، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، ولا بأس من اشتراك الجانب التركي الذي بات يراهن على محيطه الإسلامي أكثر من الجار الأوروبي، وتأسيس تحالف إستراتيجي ينهض بهذا الإقليم الغني بثرواته الطبيعية والبشرية، ويجعله قادراً على مواجهة التحديات والتهديدات، وينهي حقبة الهيمنة والنزعات الاستعمارية التي لا زالت تهيمن على الذهنية الغربية.

فإيران وتركيا لا شك أنهما قوتان مهمتان حققتا إنجازاً ملحوظاً على أكثر من صعيد خلال سنوات قليلة، وبالإمكان أن يمثلا إلى جانب أقطاب العالم العربي الرافعة للأمة العربية التي تنتشلها من الركود وحالة الموات التي لا تليق بها ولا بشعوبها، وإن كان هذا الأمر يقتضي منا كعرب استحقاقات ديمقراطية عاجلة، بالإضافة إلى فك الارتباط بكل من أمريكا و(إسرائيل) التي تتعارض مصالحهما بكل وضوح، بل وتتصادم مع مصالحنا الوطنية والقومية.

كاتب صحفي مصري: mabdelreheem@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك