رغم حماسي الشديد للسينما الروائية القصيرة ولتجارب شباب السينمائيين، خاصة المستقلين منهم، إلا أني شعرت بالإحباط الشديد بعد مشاهدة قرابة 20 فيلماً مشاركاً في المهرجان السابع للسينما الروائية القصيرة بساقية الصاوي، كوني ألحظ تراجعاً ملحوظاً في مستوى الأفلام عاماً تلو عام، سواء على مستوى البناء الفكري أو الفني، والدوران في مساحة محدودة من الأفكار المكررة والمعالجات السطحية، فضلاً عن المباشرة الفجة، وعدم استيعاب كثيرين لخصوصية صناعة فيلم روائي قصير يبدو أقرب إلى قصيدة شعرية أو قصة قصيرة محكمة، والانشغال بفكرة امتلاك فيلم يحمل اسمه أكثر من الانشغال بصناعة فيلم ملفت بلغة سينمائية وحساسية فنية ويحمل رؤية ما، الأمر الذي يكشف عن غياب الموهبة لدى كثيرين وفقر الفكر.

وربما مشكلة مثل هذه المهرجانات أنها تهتم بالكم على حساب الكيف، وتعتبر أن اشتراك عدد ضخم من الأفلام بصرف النظر عن جودتها وقيمتها الفكرية والفنية أمر محمود ، فضلاً عن مساحة المجاملات والشللية المعهودة.

ولو أراد منظمو هذا المهرجان خيراً بهذا الجنس السينمائي المهم، لسعوا إلى اختيار عدد أقل من الأفلام الجيدة، ليتسني مشاهدتها بعمق واهتمام وإتاحة الفرص لندوات تتناولها، وتلقي الضوء على هذه التجارب في حضور صناعها وعدد من النقاد من أجيال مختلفة، ومشاركة الجمهور ذاته لخلق ذائقة فنية تستوعب هذا اللون وترسخ وجوده ككيان مستقل، وليس مرحلة انتقالية تجريبية للوصول إلى الفيلم الروائي الطويل أو بالأحرى إلى السينما التجارية.

لكن أن يتم عرض قرابة 20 فيلماً متتالياً دون استراحة، ودون مساحة للحوار والنقاش، فأمر يدل على العشوائية في التنظيم وعدم الجدية في دعم السينما الروائية القصيرة أو إقامة مهرجان رصين له قيمته وجدواه.

ويبدو الأمر كما لو كان الهدف إقامة مهرجان والسلام، بنفس منطق الشباب المتحمس فقط لصناعة أي شيء مصور يحمل اسمه، ويطلق عليه عن غير حق اسم "فيلم" في إطار ثقافة الشكليات، لا العمق والقيمة.

وربما من الملاحظات العامة التي خرجت بها من المشاهدة هو مساحة الثرثرة البصرية والحوارية في كثير من الأفلام وغياب فكرة الاقتصاد أو التكثيف للمشاهد، إلى جانب وفرة اللقطات المجانية التي تسبب في إرباك التطور الدرامي وتُبطئ الإيقاع وتضعف البناء الفني ولا تضيف إليه شيئاً بأي حال من الأحوال، بالإضافة إلى الاستسهال في المعالجات واللجوء إلى المناطق الشائعة والتيمات المتداولة، فغالبية الأفلام التي شاهدتها مثلاً فيها مشاهد مكررة لشباب يشربون الكحول ويدخنون في بار أو في شقة مغلقة بصحبة فتيات رخيصات، إما لأنهم يمرون بأزمة نفسية أو بحثاً عن اللهو. إلى جانب لقطة مكررة للحمام إما للاستحمام أو التقيؤ، ومعظم الأبطال يفكرون في الانتحار دون سبب واضح.

لدرجة أنك قد تشعر أنك أمام مخرج واحد، وليس أكثر من شخص وأكثر من فيلم.

كما يغلب على كثير من الأفلام الخطاب المباشر بصيغة الموعظة الأخلاقية، كما هو الحال في فيلم "جواني" للمخرج بشرى شهدي الذي أراد تجسيد صوت الضمير الذي يمنع شاباً من اغتصاب الخادمة من خلال شخص مجهول يقتحم عليه عالمه الإلكتروني ويحدثه من خلال أحد برامج المحادثة على الإنترنت ويواجهه بمعلومات وحقائق عنه وعن تصرفاته كما لو كان يراقبه ويعرف كل ما يقوم به أو يفكر به، ثم يكتشف في النهاية من خلال صديق يأتي لزيارته أن الإنترنت متعطل في مصر كلها.

وعلى نفس المنوال جاء فيلم "ميلاد فكرة" للمخرج المهند أسامة الذي كان أكثر مباشرة و سذاجة بإدارة حوار بين شاب كسول وفكرة متخيلة تدور في ذهنه وتريد أن تخرج وهو يتقاعس أو يتكاسل عن إخراجها إلى أن تموت بينما ينشغل بالأكل والشراب.

واختتم المخرج الذي عجز عن إيجاد معادل بصري لفكرته المجردة سوى بكتابة عبارة "إن الحضارة الغربية الحالية قائمة على الحضارة العربية القديمة" وكأنه يريد أن يقول إن الأجداد كانوا يهتمون بالأفكار أكثر من الأحفاد ولذا هم تقدموا ونحن تخلفنا.

إلى جانب معالجة البعض لفكرة لا تتلاءم مع هذا الجنس السينمائي مثل فيلم "الحكم" لأيمن الأمير الذي بدا غير موفقٍ هذه المرة مقارنة بفيلمه السابق "منديل الحلو"، إذ إن فكرته تتلاءم أكثر مع قالب الفيلم الروائي الطويل لتكون أكثر استيعاباً لخيطها الدرامي الممتد وخلفية أبطالها النفسية والاجتماعية ومساحتها الزمنية الكبيرة، حيث يتناول أكثر من حكاية لأكثر من شخصية تشمل الأب الذي تزوج بفتاة أصغر منه، ثم تركته وتزوجت بمدرس ابنها، والأم التي سافرت خوفاً من انتقام الأب، والابن الذي يعاني من قسوة الأب وتسلطه ويسعى للتمرد ويدخل في علاقة مع امرأة مطلقة، ومنافسو الأب العطار من الذين يحرضون الابن ضد أبيه ويسعون لتوريطه في تجارة بضائع مهربة، وأخو الزوجة والعمة.

وربما أكثر الأفلام التي استوقفتني ببساطتها وشاعريتها ولغتها السينمائية المكثفة والموحية في الوقت نفسه، فيلم "8 صباحاً" للمخرج يحيى عبد الله، حيث يعجب شاب بفتاة مقعدة يراها تطل من البلكونة، فيقرر أن يذهب إليها في نفس التوقيت كل يوم، ويلجأ إلى كل الحيل للفت انتباها من تمثيل حركي علي طريقة البانتوميم أو عزف الموسيقى أو إلقاء وردة بيضاء حتى ينجح في النهاية في الحصول على مراده وينال ابتسامة ساحرة.

وكذلك فيلم " مسدس ميه" للمخرج أدهم رفعت الذي يمكن قراءته على أكثر من مستوى حيث ينطلق من الفكرة الوجودية التي تتحدث عن أن حرية الاختيار تمثل عبئاً نفسياً على الإنسان، وتدفعه للقلق، وذلك من خلال شاب يحتار بين استقلال ميكرو باص يقله للمعهد أو الذهاب للتبول، غير أنه خلال رحلة الذهاب تستبد به الرغبة لتفريغ مثانته على نحو لا يُحتمل، ما يجعل أحلام يقظته تتمحور حول إعلانات الحمامات وتستدعي لديه ذكريات الطفولة، حين كان يعاني من نفس الإحساس في الفصل المدرسي ويتعرض لقمع المدرس، إلى أن يُوقف السائق السيارة بعد عراك بين الركاب، فيقرر التبول في الشارع كالأطفال، لكن حركة الناس خاصة الفتيات تجعله يتراجع حتى يرى علامة "تواليت" وشخص يخرج منه فيقرر التوجه إليه، فيصطدم بعائق من رجال الأمن الذين يرفضون دخوله إلى مقر سفارة وأثناء عراكه مع الجنود والديبلوماسي الإفريقي تنفجر مثانته في وجوههم كما لو كان مسدساً مائياً.

وعلى بساطة فكرة هذا الفيلم إلا أنه يمكن قراءته في سياق سياسي رمزي يحمل سمت التحذير، حيث يمكن أن تنسحب على الشعب المصري الذي يؤجل إشباع احتياجات أساسية، غير أن كثرة القمع قد تولد في النهاية الانفجار الكبير في الزمان والمكان غير المتوقعين.

وإن كانت راقت لي فكرة فيلم "روبابيكيا" للمخرجة إيناس عمر الذي يقارن بين عصور مصر الثلاثة بصورة رمزية من خلال أغاني كل مرحلة ومشاهد تليفزيونية لخطب الرؤساء، حيث الناصرية حقبة البناء ومعارك الاستقلال الوطني وبيع سيدة البيت زوجة الضابط لبائع الروبابيكيا الطربوش رمز عهد ما قبل الثورة، وحقبة السادات حيث التطبيع مع (إسرائيل) والتخلي عن معارك النضال ببيع السيدة خوذة المقاتل، ثم المرحلة الراهنة حيث البيع العام لكل شيء دون حاجة لبائع روبابيكيا، غير أن ما يُؤخذ على هذا الفيلم هو المباشرة الشديدة لرسالته السياسية.
ويبدو فيلم "قرار إزالة" للمخرج محسن عبد الغني من الأفلام الجيدة بإيقاعه السريع وتركيزه على معاناة الفتيات أثناء مرحلة المراهقة، حيث مغامرة اكتشاف الجسد وحالة الخوف والارتباك المصاحبة والخجل من أن يعرف الآخرون ماذا نقوم به من طقوس النساء كإزالة الشعر الداخلي، في غيبة الحوار بين الأم والابنة ونقص الثقافة الجنسية، واعتبار الجسد طلسماً والتعاطي معه من المحرمات والشأن السري.

ورغم الإيقاع البطيء نسبياً لفيلم "البوم صور" للمخرجة نورهان متولي إلا أن قيمته الأساسية تتجلى في تسليطه الضوء على مشكلة ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة مرضى التوحد وسوء معاملة الناس لهم بدلاً من دعمهم، من خلال شاب يهوى التصوير، غير أنه يتعرض لمضايقات الكبار والصغار كلما خرج لإشباع هوايته. ويصل الأمر لذروته بقتل أخته التي كانت ترعاه على يد مجموعة من الشباب المستهتر أثناء محاولة اغتصابها، ما يترتب عليه أن يبقى الشاب المعاق ذهنياً وحيداً يعيش ذكرياته مع أخته التي يحتفظ بها في ذاكرته أو ما يحفظه البوم صوره التي كان قد التقطها.

كاتب صحفي مصري: mabdelreheem@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك