لا يسن القضاة القوانين التي يحكمون بها، أو يعينون وفقها. قاعدة دستورية يعلمها، كيقين، "حُماة" حقوقنا بمجلس الدولة، الذي أسسه عقدنا الاجتماعي ليقينا تجبر الدولة.. كمؤسسات. القضاة، فقط، يطبقون ما تقره المنظومة التشريعية.

وقاعدة دستورية أيضاً أن "ما" أعلنته الجمعية العمومية لقضاة المجلس، بحظر انتماء أكثر من نصف الشعب لـ"فئتهم"، ليس حكماً نهائياً.. ولا عنواناً وحيداً للحقيقة، لكنه أخطر.

خطورة "ما".. وُصف بالقرار، هي أن أغلبية ساحقة من "حُماتنا"، لم تجد حرجاً في أن تصوت تمييزاً "ضد" حقوق أغلبية المصريين/ النساء.. لنفيهن من مؤسسة وقعن عقد إنشائها لتحميهن. رفعوا "غمامة العدالة"، وصوتوا "ضد" المادة الأولى من الدستور حامية "المواطنة".. ومجلس الدولة معاً، و"ضد" حزمة مواد دستورية، "تحظر" التمييز بين المواطنين لأي سبب.. "أو الجنس"، منها المادة 16 التي حمت حق المرأة في تولي "كل" الوظائف. و"ضد" المادة الثانية ذاتها، رغم موقفنا منها، التي نصت على أن "الشريعة".. لا "تفسير فقهي معين" هي المصدر الرئيسي للتشريع. فعمر بن الخطاب، وهو من هو، ولى (الشِفاء بنت عبد الله) قضاء الحسبة في السوق.

(الشِفاء)، اسم تتجاهله ثقافتنا، لأن دلالة ما ارتبط به يُهدد تراكمات "توظيف" الإسلام.. سياسياً وطبقياً وجندراً. بين من صوتوا، تمييزاً، من درس معي على أيدي شيخ القانون الإداري د. سليمان الطماوي. أُذكرهم بما تعلمناه منه.. وما كتبه عن دور (ابن الخطاب) في بناء أُسس دولة الإسلام.. إن كانت القضية هي "الدين".

لكن حتى أبرز مُوظفي الدين، الإخوان، بعد سيطرتهم على حكم الخرطوم قبل عشر سنوات، فشلوا في إيجاد مبرر "عملي" لإقصاء السودانيات عن منصة القضاء التي وصلن إليها عام 1970، والآن نسبتهن 20 % بين قضاة جنوب الوادي.. منهن ست بالمحكمة العليا. ولم يمنع لقب "أمير المؤمنين" لملك المغرب، تعيين (أمينة عبد الرزاق) كأول قاضية، عربية/ مسلمة، في تاريخنا المعاصر عام 1961.. لتصل نسبتهن الآن 22 % بين قضاة المغرب.. ورئاسة قمة الهرم القضائي عام 1995.

أمير المؤمنين بالمغرب ليس استثناء. لن أتوقف عند تونس بتراث بورقيبة العلماني حيث 23 % بين القضاة نساء، فـ39 دولة إسلامية وصلت إناثها إلى منصة القضاء، بينها معظم الدول العربية، من اليمن إلى البحرين والإمارات. في سوريا أصبحت غادة مراد نائباً عاماً قبل ربع قرن، وأول امرأة بمجلس قضاء أعلى عربي.. الآن للسوريات 16 % من أوشحة العدالة.. ورئاسة ثلاث من دوائر النقض الـ16 ومحامي عام دمشق ومحامي عام اللاذقية. وفي لبنان 42 %.. ورئاسة قمة الهرم القضائي عام 2005. وفي الجزائر، ومنذ عام 2002 يفوق عدد خريجات المدرسة الوطنية للقضاء أقرانهن الذكور.

فى مصر، تأخرنا حتى أبريل 2007 لتعيين 30 قاضية.. لتسبقهن بأربعة أشهر الأردنية تغريد حكمت إلى المحكمة الجنائية الدولية. 280 مصرية فقط، بإضافة عضوات النيابة الإدارية، من بين أكثر من عشرة آلاف قاضية عربية. أرقام تفند حجة الرافضين.. بـ"أن العمل القضائي يُشكل إرهاقاً لها ويؤثر سلباً على الأسرة التي هي أساس بناء مجتمع سليم".

القضاة هم إفراز مجتمعهم وأبناء "دماغه". وبعد أن كانت أحكامهم، حتى منتصف السبعينيات، تنتصر بحسم للمساواة بين المواطنين، ولو، مثلاً، بأحقية المسيحيين في ممارسة شعائرهم بالشارع ما لم تتوافر أماكن عبادتهم، وجدنا من يستبعد تطبيق قوانين معينة.. لأن "فهمه هو" للدين لا يتفق معها، ومن يستبعد شهادة مسيحي.. لأنه ذمي، ومن يشترط شهادة امرأتين.. مساوياً "اتنين" نهى الزيني أو عائشة راتب بـ"واحد" ممدوح إسماعيل أو إبراهيم سليمان.

تمييز ديني، لكن أما زال هناك من يناقش جدوى عمل المرأة؟! قبل عودته، أول أمس الجمعة، عبر (محمد البرادعي)، مراراً، عن صدمته من انشغالنا بقضايا العصور الوسطى. يبدو أن حمله أثقل مما تصور، فأمامه ثقافة فضاء عام، استعاد تشوهه مع تراجع آخر مشروع تنموي بلعبة سياسية من السادات، وفاقمه سلفه ليفلت منه، عجزاً أو عمداً، إلى ضميره الجمعي.

لم تعد، فقط، قضية دولة ديمقراطية أو شمولية، أو دولة تتفكك، خطفها "لا نظام" ترك أمراضها تتفاقم. هي قضية مجتمع "يتشوّه".. عامة ونُخباً. كلٌ يتجاهل الدستور، نافياً من يتصور أنه أضعف.. ديناً أو مذهباً أو جنساً أو فئة، حتى وصل "فكر الإقصاء" لمؤسسة يُفترض أنها درعنا ضد تجبر باقي مؤسسات الدولة. مؤسسة تصور أفرادها أن "قناعاتهم الخاصة" فوق عقدنا الاجتماعي/ دستورنا.

يوم الاثنين الأسود 15 فبراير 2010، قرر 334 "ذكراً" حرمان أكثر من 44 مليون "أنثى" من التمثيل بمؤسسة هن أغلبية مؤسسيها.

كان تصويتاً ضد (الشِفاء)، اسماً يُضيء تاريخنا.. وأملاً في التعافي من أمراض تأكل دماغنا.

taima.m.64@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك