كتبت صحيفة "صنداي تايمز" أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، صادق على العملية بعد اطلاعه على تفاصيلها خلال زيارته لمقر الموساد شمال "تل أبيب"، فيما قالت صحيفة "تلغراف" إن الموساد قام بتصوير جوازات السفر البريطانية في مطار "بن غوريون" لاستعمالها في العملية. وأضافت صنداي تايمز "بارك نتنياهو العملية قائلاً لأفراد الخلية (شعب "إسرائيل" يثق بكم، بالتوفيق).

إذن اتضح الأمر فالعملية الإرهابية الإجرامية الاستخباراتية نفذتها على ما يبدو وحدة كيدون في جهاز الموساد الصهيوني وأودت بحياة القائد الحمساوي محمود المبحوح في أحد فنادق إمارة دبي.. وهذا الأمر يعني أنها أسست لبداية مرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني. ولهذا لا بد للقادة الفلسطينيين والعرب الذين يتبنون نهج المقاومة أن يستعدوا لما هو أصعب وأخطر في الأشهر القادمة. فالكيان الصهيوني لا ينقل المعركة إلى خارج فلسطين المحتلة إلا بعد أن يكون استعد لهذا الأمر طويلاً وأعد قائمة بأسماء الذين ينوي تصفيتهم. وقد فعل ذلك في مراحل سابقة حيث قام باغتيال عدد كبير من القادة الفلسطينيين خارج فلسطين المحتلة. ببساطة إن عملية الاغتيال في دبي تعتبر تجديداً لنهج قديم لم تتخلَ عنه الاستخبارات الصهيونية في يوم من الأيام. إنه النهج الإجرامي الإرهابي الذي اغتال غسان كنفاني، أبو جهاد الوزير، باسل الكبيسي، أبو حسن سلامة، وعشرات الشخصيات الفلسطينية والعربية.

إذا أردنا أن نحدد البداية الفعلية للمرحة الجديدة تلك، فهي بدأت بالفعل، بعمليات عديدة قبل مطلع الألفية الجديدة، طالت العديد من قادة المقاومة في فلسطين ولبنان. ونستطيع القول إنها أخذت خطاً تصاعدياً يوم تم اغتيال الشهيد القائد أبو علي مصطفى في مكتبه برام الله. ثم اتسعت وامتدت لتطال عشرات القادة والكوادر الفلسطينيين، حسين عبيات و د. ثابت ثابت من فتح، ومعظم قادة حماس من الصف الأول والثاني في الضفة والقطاع، فطالت الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد أهم قادتها على الإطلاق، وإسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة وإبراهيم المقادمة وجمال سليم ويحيى أبو عياش وأبو هنود ونزار ريان وسعيد صيام وعشرات غيرهم من حماس والجهاد والفصائل الأخرى مروراً باغتيال القائد العسكري للجبهة الشعبية القيادة العامة جهاد جبريل في بيروت، وهو نجل القائد المناضل أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة.

وطالت كذلك بعض كوادر حزب الله اللبناني وقائده العسكري الشهيد الحاج عماد مغنية، وقبله الأخوان محمود ونضال المجذوب في مدينة صيدا جنوب لبنان، وهما من قادة حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني في الساحة اللبنانية. وتوجت باغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله، على ما يبدو بمشاركة وتواطؤ من قبل بعض العملاء الفلسطينيين المحليين. وهؤلاء ينقسمون إلى نوعين من العملاء، الكبار والصغار.. الكبار ومنهم من كبر في العمالة من أيام لبنان وتونس وقبل العودة عبر بوابة أوسلو. كما هناك من الصغار من جعلت منهم عملية السلام والتنسيق الأمني عملاء من حيث يدرون أو لا يدرون.. ويحضرنا هنا قول فهمي شبانة في مؤتمره الصحفي بعدما قام بفضح رفيق الحسيني مدير ديوان رئيس السلطة محمود عباس.. "كلنا عملاء من حيث ندري أو ندري"، كان يقصد بكلامه المخابرات والأمن الفلسطيني وذلك بسبب التنسيق الأمني مع الاحتلال. هذا الرجل من قادة المخابرات الفلسطينية في الضفة الغربية ، إذن يعرف أن التنسيق الأمني يصب في النهاية في خانة العمالة للاحتلال. شبانة واصل تهديداته بعقد مؤتمر صحفي سيكشف فيه عن ملفات تزلزل السلطة وتنهيها. وبحسب بعض وسائل الإعلام فإن شبانة على ما يبدو يملك ملف اغتيال الرئيس ياسر عرفات... وقد يكون يملك ملفات أخرى تفضح التنسيق الأمني والارتباطات مع الموساد وغيره .. إذا كان شبانة وطنياً بالفعل ويملك تلك الملفات مطلوب منه أن ينشرها ويقدم كذلك للشعب الفلسطيني حل لغز تغييب أبو عمار.

إن أحدث تطورات اغتيال القائد المبحوح جاءت من سلطات الأمن الألمانية التي رجحت أن يكون "الموساد" خلف اغتيال المبحوح في دبي. وبحسب مجلة دير شبيغل وفي عددها الصادر الاثنين 22 شباط فبراير 2010 فإن وحدة كيدون في "الموساد" هي التي نفذت العملية. ولهذه الوحدة تاريخ مثير في عمليات التصفية المثيرة. وتطرقت المجلة كذلك إلى احتمال استخدام الموساد لجواز سفر ألماني حقيقي تم إصداره عام 2009 في مدينة كولونيا غرب ألمانيا. تم منحه لشخص يهودي "إسرائيلي" ادعى أن أصوله ألمانية. هذا الشخص يدعى ميشائل بودنهايمر وتقدم بطلب الحصول على جواز السفر لدى مكتب سجلات السكان في كولونيا، حيث حصل بسهولة كما كل المهاجرين اليهود على وثيقة السفر الألمانية. ففي دوائر الهجرة واللجوء الألمانية هناك معاملة خاصة للذين هم من أصول يهودية، كما أنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم.

أصدر جواز سفر لبوندهايمر الذي قدم للدائرة الألمانية وثيقة زواج والديه، بالإضافة إلى جواز سفر "إسرائيلي" صادر نهاية عام 2008 في "تل أبيب". ولم يغب عن باله تذكير الألمان بأصوله الألمانية وبالمطاردة التي تعرضت لها عائلته على أيدي النازيين. لكن بعد حصول بودنهايمر على جواز السفر الألماني في 18 حزيران يونيو 2009 اختفت آثاره وكل ما تعرفه السلطات الألمانية عن الرجل "عميل الموساد" أنه كان في مدينة هرتسيليا. هذه المدينة التي يعقد فيها سنوياً مؤتمر هرتسيليا لحفظ الأمن الصهيوني، شارك فيه هذه السنة سلام فياض رئيس وزراء سلطة رام الله.. هذه المدينة تحمل اسم هرتسيليا نسبة لثيدور هرتسل مؤسس الحركة الصهيونية وهو يهودي مجري...

على كل فإن المثير في قضية بوندهايمر أن تحريات السلطات الألمانية أظهرت أنه لا يوجد رجل يدعى بودنهايمر تحت العناوين المسجلة رسمياً في كولونيا بألمانيا. لكن هذا الشخص هو الذي شارك في عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح في دبي. هذه القضية توجب على السلطات الألمانية لو أنها تحترم نفسها وشعبها وأمنها القومي أن تراجع سياستها في منح الوثائق وجواز السفر بسهولة تامة لذوي الأصول اليهودية، حتى لو كانت تفعل ذلك بسبب تاريخ النازية الدموي والهمجي بحق اليهود الأوروبيين. فالعقل والمنطق يقولان بأنه لا علاقة لمن أبادتهم أو عذبتهم أو اضطهدتهم النازية بكيان "إسرائيل" المخترع ، الذي ولد بالحديد والنار والإرهاب والجرائم، وبأعمال فاشية قامت بها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، بمساعدة أوروبا وأمريكا، حيث أقاموا هذا الكيان على أرض الشعب الفلسطيني بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يقتصر أمر الجوازات الحقيقية التي استخدمتها عصابة الموساد على ألمانيا ، فهناك جوازات سفر أخرى بريطانية وإيرلندية وفرنسية، كلها صادرة بشكل رسمي وبتعاون مع أجهزة المخابرات في تلك البلدان. فبريطانيا التي هي سبب بلاء الشعب الفلسطيني، والمعاون الأول للحركة الصهيونية، والتي ساهمت في إقامة وطن قومي لليهود على أرض الشعب الفلسطيني. كما تسببت بتشريده وفقدانه لوطنه وضياع حقوقه الوطنية. هي شريك في عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح. حيث تم إبلاغها قبل تنفيذ العملية بأن الجوازات المذكورة سوف تستخدم في عملية خارجية للموساد. ويجب التذكير أيضاً بأن براون رئيس وزراء بريطانيا الحالي، كان رئيساً لجمعية الصداقة البريطانية "الإسرائيلية". وقبل عدة أسابيع طرحت حكومته تغيير القوانين من أجل حماية القادة الصهاينة من محاكمتهم في بريطانيا على خلفية ارتكابهم جرائم حرب في قطاع غزة المحاصر والضفة الغربية المحتلة.

الأخطر في كل هذه التطورات هو وجود عملاء فلسطينيين يعملون لصالح الموساد، كانوا ومنهم من لم يزل يعمل في صفوف أجهزة الأمن والمخابرات الفلسطينية، ويتلقون رواتبهم بالرغم من إقامتهم في دول أوروبية تقدم لهم المسكن والمساعدات السخية كما كل اللاجئين السياسيين في أوروبا. القسم الأكبر من هؤلاء غادر غزة بعدما سيطرت حركة حماس على القطاع وأنهت بالقوة الوجود السياسي والأمني لفتح وسلطتها. بعضهم فرّ كما قيادات الأجهزة الأمنية إلى خارج القطاع. ويجب ألا ننسى أن هناك مجموعات كبيرة من الذين عملوا في أجهزة الأمن الفلسطينية غادرت فلسطين وانتشرت في العالمين العربي والغربي.

بكل أسف نقولها أن من بين هؤلاء لا بد أن يكون هناك عملاء للموساد. وسوف يكون لهم دور في أي عمليات مستقبلية يقبل عليها الموساد في جميع أنحاء العالم. إنها نتيجة حتمية لانعدام الأفق، ولانهيار المشروع الوطني الفلسطيني واستبداله بالعملية السلمية منذ أوسلو. وللتنسيق الأمني بين الاحتلال والأمن الفلسطيني، وللانقسام الحاد في صفوف الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية.

على كل حال وبالرغم من وجود عملاء فلسطينيين شاركوا في تنفيذ الجريمة في دبي، يبقى الموساد وقادة الكيان الصهيوني هم المسؤولون عن اغتيال المبحوح. وعلى المقاومة الفلسطينية بشكل عام وحركة حماس بشكل خاص أن تستعد للمواجهة، وأن تأخذ العبرة من عملية اغتيال الوزير الصهيوني الإرهابي رحبعام زئيفي.. فتلك العملية المميزة برهنت أن لدى المقاومة الفلسطينية قدرة على الرد بالمثل وبسرعة خارقة.

sofsafi@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك