الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
قراءة في كتاب
حجم الخط: + -
اليسار والاحتلال والمرتدون الجدد لباقر إبراهيم!
|
25 - 02 - 2010
جمال محمد تقي |
"كم هي غريبة التقلبات في عالم السياسة عندنا في العراق، فالأوهام الوردية التي راودت البعض أيام عز الجبهة والتحالف، انقلبت إلى أشد التطرفات المضحكة المبكية نحو ـ اليسار ـ وتطرفات ـ اليسار ـ هي نفسها انتهت مؤخراً بذلك البعض إلى الانقياد لاسترضاء أكثر الأعداء خطورة في الغرب وقبول التنسيق معهم وتلقي العون منهم". من مقالة السقوط وتطلعات للنهوض التي احتواها الكتاب!
اطلعت على كتاب الأستاذ الفاضل باقر إبراهيم من خلال الشبكة الإلكترونية، وهو آخر مؤلفاته حيث صدر عام 2009 عن دار الشهد، ويحتوي على جملة تصوراته ومواقفه التحليلية والنقدية لأوضاع (حشع: الحزب الشيوعي العراقي) وما انحدر إليه وكذلك فهمه لما يجري في العراق والمنطقة.
باقر إبراهيم لا يحتاج لتعريف وخاصة بالنسبة لسياسيي العراق ومنتسبي حشع وقادة التنظيمات اليسارية العربية، فهو شخصية وطنية ويسارية مرموقة ومواقفه وتشخيصاته نتاج لخبرة طويلة ومخضرمة ونظرة مبدئية ثاقبة نابعة من تربيته النضالية الأصيلة، وهو من القلة القليلة من القادة السابقين لحشع الذين يقفون بصلادة ونشاط ضد عملية احتلال العراق وما رافقها من تداعيات وإجراءات تخدم المشروع الأمريكي فيه وفي الشرق الأوسخ الجديد، لذلك كله فإن لوقع ما يصدر عنه صدى لا يجب أن يفوت المتابعين والمعنيين الذين يهمهم تلمس خريطة المواقف السياسية والفكرية لمثقفي ومناضلي العراق ومدى جدته واتجاهاته لا سيما وأن هناك مخاضاً عسيراً وإرهاصات تلف حركة اليسار وصفوفها عموماً وتجليات لصراع فكري وسياسي وتنظيمي جارف يتصير داخل وخارج العراق حول حاسمية المسألة الوطنية وعدم انفصالها بأي حال من الأحول عن جوهر النضال الطبقي ـ التحرر السياسي والاقتصادي ببعديه الداخلي والخارجي ـ كعمود فقري لقضية اليسار في عراق اليوم كما كانت في عراق الأمس مع فارق كبير هو أن العولمة الإمبريالية أخذت تستعين بأسلوبها القديم الاحتلالي المباشر وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ليس بردة نحو الشكل الكولونيالي وإنما لاختصار المعادلات في إعادة تخليق الأوضاع داخل البلدان العاصية أو المشعة وتفتيتها ليسهل هضمها إمبراطورياً، والتركيز على الوسائل الناعمة قبل الخشنة لترويض وتهجين وشراء ذمم اليسار المتهافت ومسخه ليبرالياً ليكون دعامة محلية للهيكلة الجديدة، وهذا ما يتجسم في حالة اليسار الانتهازي العراقي وفي مقدمته قيادة حشع الرسمية التي جعلت من تحالفها الخدمي مع المشروع الإمبريالي في العراق حلقتها المركزية للبقاء على قيد الحياة ثم تصاهرها مع المتعاونين الآخرين من طائفيين وعنصريين وليبراليين ممسوخين ضمن عملية سياسية تابعة ومشوهة تلحق أبلغ الأذى بالطبقات الكادحة ومصيرها لأن هذه العملية تغلب السياقات المتخلفة والرجعية ـ العشائرية والمناطقية والطائفية والعنصرية ـ على السياق الوطني والطبقي!
بين دفتي الكتاب مجموعة مقالات تحمل مواقف متتابعة ومتكاملة حول الوضع الراهن في العراق وماهية جذور الموقف الارتدادي عند ملالي حشع وتنكرهم عملياً وليس شعارياً عن جوهر الفكرة ـ الشيوعية ـ ومتطلباتها في عراق اليوم، المقالات لا تكتفي بهذا فقط ولكنها ترسم ملامح لتحول جديد وهو قادم لا محال استدلالاً بتعثر المشروع الأمريكي واستيقاظ الوطنية العراقية ومقاومتها الباسلة ثم بحث اليساريين العراقيين الاصطلاء عن الأسلوب الأنسب لاسترداد اليسار العراقي لجوهره المفصول عنه قسراً.
ورغم كل الاختلاطات والأغبرة المثارة طائفياً وعنصرياً ومناطقياً، ورغم التفرد الأمريكي بقرار استخدام القوة المفرطة كوسيلة لحل منازعاتها عالمياً، ورغم اختلال موازين القوى محلياً وإقليمياً وعالمياً، رغم كل ذلك إلا أن الماركة المسجلة لطبيعة الصراع الدائر ما تلبث أن تبرز للعلن وبشكل صارخ معلنة عن نفسها بأنها هي هي ذاتها ومنذ أيام لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار ولجنة مكافحة الصهيونية وحتى أيام التحالف الأممي النزيه مروراً بجبهة الاتحاد الوطني والجبهة الوطنية والتأميم والتنمية المتحررة هي هي فطبيعة العناصر لا تتغير إلا إذا تفاعلت مع عناصر أخرى، الصراع في العراق اليوم صراع طبقي بامتياز بل هو قمة هذا الصراع لأنه أخذ بعداً مسلحاً دموياً بين قوى إمبريالية محتلة غاشمة استخدمت في طريقها المتهافتين على السلطة من اليائسين والمتساقطين والذين أعياهم طول الانتظار في مقاومة الاستبداد المحلي، بالضد من شعب منهك وأعزل ومحاصر لأكثر من عقد بحصار ظالم قذر أراد ترويضه وقلع أظفاره قبل الانقضاض عليه.
شعبنا لن يغفر للمتخادمين مع أعدائه أثناء الحصار وأثناء الاحتلال وأثناء تمرير مسرحية الاستقلال الكاذب الذي لا ينتج بالنتيجة غير ديمقراطية كاذبة مهما حاول المسفسطون من إيجاد تخريجات تبريرية له، فالمسألة في الأساس ـ هي هي ـ وكما كانت صراعاً طبقياً في ذروته، طبقات رجعية تتلبس بلبوس الطوائف والأعراق، ووعاظ للسلاطين من اليسار المنهار بمقابل عمال وفلاحين وكسبة ومثقفين أحرار وعسكريين وطنيين، ماذا تحقق للعمال والفلاحين والكسبة؟ ماذا غير الانحطاط غير البطالة غير التشويه الطبقي بمحاولة تحويلهم إلى متلقين للإعانات من فتات عوائد النفط، بعد أن بيعت معاملهم ومصانعهم وأحلامهم بسوق الخردة وبعد أن أصبح العراق سوقاً لتصريف فضلات ما يسوقه الآخرون، لا زراعة ولا صناعة ولا قطاع عام ولا هم يحزنون، أية كارثة أعظم لحقت بالطبقات المنتجة في عراق اليوم ـ العراق المحرر ـ العراقيون ليسوا بأغبياء إنهم يعرفون أن الستينات والسبعينات هي عقود مثالية للبنية الأساسية في المجتمع العراقي خلال القرن الماضي ويدركون أن نهج التنمية الوطنية المتحررة كان مثمراً لولا متاهات الاستبداد وعدم استقرار السلطة، لذلك يتطلع العراقيون ويحنون بل يقارنون ويريدون عودة التنمية الوطنية بشحمها ولحمها متعافية من الاستبداد والحكم الفردي وهذا لا يمكن أن تحققه العملية السياسية التابعة لقوى المنطقة الجرباء ـ الخضراء ـ لذلك فإن مقاومته ستزداد ولا تنقص بعد الانسحابات الأمريكية الثقيلة من العراق!
ماذا حصل لعمال النفط في البصرة أو كركوك أو طقطق أو زاخو أو العمارة؟ ماذا تحقق للكسبة والمعدمين في أربيل والسليمانية ومدينة الثورة والحرية، في شمال ووسط وجنوب العراق؟ ماذا حل بالعراق؟ بزراعة العراق بري العراق بكهرباء العراق بالتعليم في العراق بالصحة في العراق بالماء الصالح للشرب في العراق؟ لا شيء ليس لأن الوقت قصير ـ سبعة أعوام من الاحتلال ـ لأنه حتى ولو بعد مئة عام سوف لن يحصل شيء غير التراجع والتقهقر وذلك لسبب بسيط وهو أن العراق لا يقاد بطريق التنمية الوطنية التي يعرفها العراقيون جيداً ويعملون لاستعادتها، ولأن الفساد الطائفي والعنصري والتبعي الطفيلي سيسود بسبب العملية السياسية المشوهة الجارية برعاية المحتل الأمريكي الذي يريد خصخصة العراق وبيعه بالمزادات العلنية المزوقة بإغراءات الاستثمارات الأجنبية التي تريد تغييب المنتجين العراقيين بإغراق البلاد بالصناعات الاستخراجية المعتمدة على الكادر والعامل الأجنبي بالترافق مع رفع الحماية عن المنتج المحلي وكذا رفع الدعم الحكومي لأسعار السلع الأساسية بحسب توجيهات البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي الخاضعة لمشيئة الدول الاحتكارية، بعد كل هذا وبعد تحويل الشعب العراقي إلى متلقي إعانات سيسهل حتماً سوقه إلى حيث يراد له!
هذا المشروع سيفشل ليس لأن نوايا قوى العملية السياسية لا تجاري كل هذا الشر وإنما لأن شعب العراق مجبول على انتزاع حقوقه بيده حتى ولو بعد حين فكيف إذا كانت ذاكرته حية وهي تستنطق الماضي الذي يعتبره مثالياً وممكناً مع بعض التحسينات، ماضي أن يكون شعباً منتجاً متعلماً طموحاً متطلعاً يبحث في الأرض والسماء وبين الأشلاء عن مخارج للانسدادات التي توضع بوجهه!
من هنا نقول إن المقاومة هي وطنية وطبقية في آن واحد وستستمر كذلك!
يقول باقر إبراهيم: "هناك ثلاثة عوامل تضافرت من أجل أن تدمر قرطاجة ـ الحزب ـ ويتحقق السقوط المنشود وهي أولاً ـ دور المخابرات المعادية، أي أجهزة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العالمية، وثانياً ـ دور القمع الحكومي الذي يخشى ليس المباراة الحرة فقط بل حتى المشاركة في مسؤولية النضال لتطوير العراق، وثالثاً ـ دور أخطائنا السياسية، حد التهيئة للسقوط، حد الانتحار"!
أعتقد أن هناك شيئاً ما غائب عن هذه العوامل وربما هو فيما بينها أو يحيط بها أو في داخل كل واحدة منها، إنه غياب العقلية النقدية التي لا يمكن أن تحضر دون تمرس ينبذ التلقينية والتواكلية، فليس غريباً وهذا واقع الحال أن يظهر حشع وعبر كل تاريخه بشحة العطاء النظري المتميز وقلة منظريه المبدعين والمميزين محلياً وعربياً ناهيك عن الأمميين، ومن ناحية أخرى كثرة قادته وكوادره اللامعة في مجالات التنظيم والعمل السري والعمل الصحفي والاستنساخ الفكري، هناك محاولات كانت بدائية ومشوشة ليوسف سلمان يوسف ـ فهد ـ قائد الحزب نفسه، مبثوثة في كراساته الحزبية، كان لها أن تعطي ثماراً ربما لو أتيح لها أن تستمر، وومضات عديدة في تميز مواقفه تشير لهذه الحقيقة كموقفه المتميز من قضية تقسيم فلسطين، وموقفه من العمل الوطني، والربط ما بين النضال الوطني والأممي بالآصرة الطبقية، وهناك حالات أخرى لكنها لم تأخذ مداها!
ربما كان عزيز السيد جاسم واحدة منها ـ مشروعاً قد شطح بفراره إلى فضاءات الفكرة القومية قبل أن يعطي ثماره شيوعياً ـ!
مع أهمية دور الفرد في تنضيج العطاء الفكري والنظري لحركة اليسار العراقي، إلا أنه من المفيد التأكيد على حقيقة أن مهمة هذا الإبداع صارت تنهض به الآن وربما منذ فترة مضت تجمعات المناضلين المقاومين، وهذا ما يمكن أن نلمسه بصورة واضحة في دور اليسار الشيوعي الوطني على تعدده وتنوعه!
المهم أعتقد أن التربية الفكرية تلعب دوراً مهماً في صياغة العقل النقدي المتجاوز والجريء نحو مسلمات الإبداع التي تشيع حتماً جسوراً متينة من التحصين السياسي والتنظيمي لأية حركة ثورية كانت، وليعبر عليها المسافرون في النضال الوطني والطبقي والأممي!
في الكتاب بعض من الاستعارات المضيئة والمفيدة والمفاصل الموحية سأختار ثلاثة منها بحكم المزاج لا أكثر: يقول قس بن ساعدة: إذا رأيت حرباً جبانها يجرؤ وشجاعها يجبن فاذهب إلى رابية وترقب الأحداث، ترى أن في الأمر خيانة"، في معرض حديثه عن ثورجية البعض أثناء فترة العمل المسلح في شمال العراق وهو المعروف بجبنه أيام المواجهات الصعبة في الداخل!
أشار لينين إلى موقف ملك أفغانستان أثناء مقاومته لتقدم القوات البريطانية في أراضي بلاده قائلاً: بأنه أكثر ديمقراطية من أعتى الديمقراطيات الاستعمارية لكونه يدافع عن استقلال بلاده!
كتبت جريدة المانيفستو الإيطالية في تاريخ 2 / 7/ 2003 على الشيوعي العراقي أن يأخذ الأمور بيده ويحمل السلاح ويوقف اللصوص.. لكن بدلاً من ذلك فهم يقعدون في مكاتبهم فماذا ينتظرون؟
عرب وين حشع وين؟
في الختام العمر المديد للسيد باقر إبراهيم ليمد القراء بالمزيد من الكتابات الجميلة والمؤثرة!
mail@kanaanonline.org