* لخصت صرخة الأم المصرية المصابة بالسرطان من جراء الطعام الملوث والتي اتصلت بالدكتور البرادعي عبر برنامج العاشرة مساء في كلماتها حالة الهوان والذل المصري الذي يعيشه شعب مصر عندما ناشدته بعدم التخلي عنها (ما تسبناش يا دكتور)..
كلمات قليلة وبسيطة عبرت بها عما يعانيه أكثر من 50 % من شعب مصر، فالأم تعاني من مرض السرطان مثلها مثل ملايين من المصريين الذين يعانون كافة الأمراض المزمنة التي أصابت الجسد المصري كالسرطان وفيروس الكبد الوبائي والفشل الكلوي بالإضافة إلى الأمراض الاجتماعية التي استشرت في عهد السادة أعضاء الحزب الوطني ولجنة السياسات كالفقر والجهل وانعدام الحريات والأخلاق، كلمات كانت بمثابة صرخة اخترقت آذان وقلوب وضمائر من لا زال لديهم حس وطني حر ولديه وعي وضمير يدرك بهما معنى تلك الكلمات البسيطة التي صورت حالة التردي التي يعانيه الجسد المصري الباحث عن مخلص له من تلك الأمراض المزمنة.

* الدكتور البرادعي بتلك الكلمات ألقيت على أكتافه حمول وأثقال ومسؤوليات لا يستطيع تحملها وحده، ألقاها المريض في وجهه منتظراً منه أن يسعى الطبيب وحده لوضع خطة العلاج مخلصاً هذا الجسد من كل الأمراض التي ابتلي بها سواء أكان هذا المرض اخترق هذا الجسد نتيجة إهماله وعدم إدراكه أم بسبب مؤامرة استهدفت هذا الجسد فأطاحت بجهاز مناعته وكرست بداخله كل أمراض الدنيا.. لا يهم.. المهم نحن اليوم أمام حالة مرضية مزمنة ومسؤولية العلاج لا تقع على البرادعي وحده، بل على المريض أن يساعد طبيبه ويكون لديه الرغبة القوية في الخلاص من أمراضه، ولديه الرغبة في الحياة والاستمرار لا أن يستسلم للموت والفناء.

* الطبيب المعالج لا يملك عصا موسى الذي قضى على فرعون مصر ولا معجزات المسيح الذي أبرأ الأبكم والأصم وأحيى الموتى من قبورهم، ولا هو يوسف الذي قال للملك "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، كما أنه ليس محمداً الذي قضى على كل مظاهر الشرك في الجزيرة العربية.. البرادعي ليس نبياً ولا رسولاً، وإنما بشر يستمد قوته من علمه وإيمانه وإرادة شعب يلتف حوله راغباً في الإصلاح والتغيير... والرجل بنفسه أعلن أنه لن يكون مخلصاً ولا مصلحاً بل على الشعب نفسه أن يكون لديه القدرة والرغبة في الخلاص والإصلاح، فهل فهم الشعب المصري الرسالة؟

* الشعب المصري بكل طوائفه يريد الخلاص والتغيير والإصلاح ولكن شتان بين الرغبة في شيء وبين القدرة على فعل الشيء.. فالتوحد في الرغبة والأمل في إحداث التغيير والإصلاح لا يعني أن الجميع متوحدون في قدرتهم على إحداثه، وقد ظهر التناقض في ردود الأفعال تجاه البرادعي فالليبراليون أرادوه ليبرالياً يؤمن بحرية الفكر والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقه بالحياة واعتبار المساواة أساساً للتعاون وإلغاء أي دور للدولة في العلاقات الاجتماعية أو الأنشطة الاقتصادية إلا في حالة الإخلال بمصالح الفرد والمجتمع، كما أرادوه مكرساً لسيادة الشعب عن طريق الاقتراع واحترام مبدأ فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.. وتلك مبادئ الليبرالية وشعاراتها التي ينادى بها أصحابها، مؤكدين على النزعة الفردية التي تقوم على مبادئ الحرية، والبعض الآخر من الليبراليين الإسلاميين أرادوه ليبرالياً متحرراً من سطوة رجال الدين وطالبوه بالفصل بين رجال الدين وفتاواهم وبين الإسلام ذاته على اعتبار أن الإسلام شيء ورجاله شيء آخر.. هذه الرغبة لها تفاسيرها استخدمها البعض ممن تأثروا بالثقافة الغربية فطالبوا في كتبهم ومقالاتهم بإعادة تفسير نصوص القرآن والسنة معلنين عدم ثقتهم فيمن سبقوهم في هذا التفسير، وهم معروفون لدى النخب الفكرية في مصر.

* أما البعض الآخر فشنوا هجومهم على البرادعي لأنه بنظرهم ليس إسلامياً لأنه طالب بدولة مدنية ديمقراطية تقوم على احترام الإنسان وفكره ولا تفرق بين مسلم ومسيحي ولا سني أو شيعي، ووصل الأمر بهم لنفي مقارنته بأردوغان، أو حتى بالسادات الذي كان يصلي بجلبابه الأبيض في مسجد قريته "ميت أبو الكوم" رغم أن أردوغان خرج من رحم دولة ترفع شعار العلمانية ودستورها معظم نصوصه تقدس العلمانية وتؤكد عليها كمبدأ أساسي أتاتوركي ورغم ذلك فأردوغان لم يعلن في برنامجه الانتخابي أنه سيسن قانوناً لاستئصال العلمانية، ولكنه استطاع بتطبيقه مبدأ الديمقراطية والعدالة والمساواة (وهما الركيزتان الأهم لحزبه) أن يخلق بيئة صحية للقيم الإسلامية، واستطاع تغيير نظرة المجتمع للإسلاميين بنزاهته ونزاهة حكومته وفضح مثالب العلمانية، وعمل على تقليص نفوذ جنرالات الجيش حماة العلمانية، بكشف المؤامرة العسكرية الانقلابية على حكومته الشرعية، ودفع الشعب التركي للالتفاف حوله وتأييده.

وأما السادات فصلاته لم تكن رسالة للغرب بأن مصر دولة إسلامية بقدر ما كانت رسالة موجهة لمن تحالف معهم لضرب التيار القومي الناصري ومحو تاريخ عبد الناصر والقضاء على مبدأ الاشتراكية وأنصاره لعبور الجسر إلى الرأسمالية والانفتاح على الغرب.. ولا يستطيع أي مخلوق كائن من كان أن يزن إيمان أي شخص بالله بميزان عادل إلا الله وحده، وبما أننا لسنا آلهة وإنما نحن بشر فلا يجوز الحكم على الآخرين إلا من خلال أفعالهم وتصرفاتهم وسلوكهم السوي وإنجازاتهم على الأرض، فها هي إنجازات أردوغان تحدد سماته وأخلاقه وقيمه ومبادئه، كما كانت تصرفات السادات أيضاً تصف لنا نهجه وترسم ملامح سياسته الداخلية والخارجية رغم اللقب الذي أطلق عليه في ذاك الوقت من أنه (الرئيس المؤمن) قائد دولة الإيمان، فاتضح في النهاية أن إيمانه كان بالسلام مع (إسرائيل) وبمقولته الشهيرة (99 %من أوراق اللعبة بيد أمريكا)... فشتان بين صلاة أردوغان وبين صلاة السادات..!!

* الإسلام دين العزة والكرامة والقيم والفضيلة ولا نستطيع القول بأن الإسلام موجود في بيئة ينتشر فيها الفساد والرشا والمحسوبية وانحلال القيم، ولا في بيئة الانحطاط فيها هو السيد المتوج، وإن كنا حريصين على وجود الإسلام بقيمه فأين هي تلك القيم التي تركناها تنهار أمام أعيننا وسكتنا وصمتنا صمت القبور والأموات؟ كما لا نستطيع القول بأن شعباً تنتشر فيه الأمية بنسبة تجاوزت الـ30 % ويعانى من الثلاثي المدمر (الفقر والجهل والمرض) شعب معافى وصحيح البدن قادر على التمييز بين الغث والسمين، بل أقل ما يوصف به أنه شعب بحاجة لعلاج مكثف، والعلاج يكمن في التعليم ثم التعليم هذا الحق الذي انتزع منه في غفلة منه وساهمت كل وسائل الإعلام في تدميره، فتجربة مهاتير محمد في نهضة ماليزيا كانت خير دليل فكان يستحق ما كتب عنه (عاقل في زمن الجنون)، استطاع أن يفهم العلة ويشخص المرض بحكم أنه طبيب وعالم ومعلم بدأ كما بدأ القرآن الكريم بأطهر آياته: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) فكان العلم هو حجر الأساس الذي بنى عليه دولته الحديثة ومن ثم العمل واستثمار القوة البشرية في ماليزيا وتدريبها فكانت النتيجة كما رآها العالم.. ماليزيا الدولة الإسلامية ترتقي إلى مصاف الدول المنتجة وارتفاع دخل الفرد السنوي مقارنة بدول شرق آسيا (11 ألف دولار مقابل 8.800 آلاف دولار في تايلاند و4.600 آلاف في أندونيسيا، بينما دخل الفرد في مصر يقل عن 1300 دولار في السنة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة) وكانت الوحدة الوطنية والعلم والعمل من أهم الركائز التي بنى عليها مهاتير محمد دولة ماليزيا الحديثة.

* خلاصة القول مما سبق أن البرادعي إن استطاع الوصول إلى سدة الحكم سواء بتعديل الدستور (المادة 76) أو بتشكيل حزب أو بالانضمام إلى أحد الأحزاب السياسية التي تتهافت عليه اليوم فهو لن يكون الطبيب الذي يملك خطة العلاج وحده بل على كل الأحرار والشرفاء من كل الأطياف مشاركته في وضع الخطط العلاجية من أجل مصر وشعبها وليس طمعاً في منصب أو دور قيادي، الدكتور البرادعي عالم له وزنه ويمكن الاستفادة منه في المرحلة القادمة وليس مطلوباً منه أن يلبس عمامة وفى يده سبحة لإرضاء الإسلاميين، ولا مطلوباً منه تعليق الصليب على صدره لكسب ود إخوتنا المسيحيين، وكذلك ليس مطلوباً منه مدح عبد الناصر لكسب أصوات الناصريين والقوميين، بل كل ما نطلبه منه أن يكون رئيساً لكل المصريين، وابناً باراً بوطنه يؤسس للديمقراطية الحقة ودولة العدل والمساواة والقانون، وأما دور الشعب المصري فلا بد أن يكون واعياً مدركاً لحقوقه وألا يتنازل عنها مهما كلفه الأمر، فكفانا تغييباً واتباع سياسة اللامبالاة، الشعب المصري لديه الفرصة الآن للتغيير والإصلاح وعلاج أمراضه المزمنة التي استشرت في جسده وعقله.

* وأما الإسلام فلا خوف عليه فلديه من القوة الذاتية التي يحمي بها نفسه ولكن علينا توفير البيئة الصحية لوجوده وليس هناك أفضل من مجتمع خال من الأمراض الفكرية والصحية والاجتماعية، مجتمع خال من الصراعات الطائفية والعقائدية، ومجتمع يعمل فيه الجميع كفريق واحد هدفه مصلحة هذا البلد الذي عانى الويلات، يحكمه ابن من أبناء مصر بار بها يشاركه شعب واع بحقوقه ، والدكتور البرادعي رجل يملك من المقومات ما يدفعنا جميعاً للالتفاف حوله، فإن نجح فلن يكون نجاحه وحده بل سيكون نجاح لنا جميعاً، وإن فشل فسيكون فشلاً لكل مصري كما فشلنا من قبل في نصرة أحرار الأمة وشرفائها بتخلينا عنهم وتركهم لقمة سائغة بفم النظام حتى قضى على كل أمل لنا في الإصلاح والتغيير، اليوم كل الشعب المصري في امتحان فإما اجتيازه بنجاح وإما الموت أشرف لنا جميعاً.

wafaaesmail@hotmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك