لم أفكر في يوم من الأيام أن أتناول ورقة وقلماً لأكتب عن فيلم من الأفلام التي تعرض في السينما المصرية، لأننا جميعاً نعرف فحوى المواضيع التي تحاكينا فيها السيناريوهات الاستهلاكية وما تبتغيه من خلال المشاهد المبتذلة، من مرابح ومكاسب دون مراعاة لشعور المشاهد وخدش الحياء العام واستنزاف جيب المشاهدين دون الخروج بفكرة حسنة، لكن هذه المرة سمح لي قلمي بأن أكتب لأنه تعود دوماً أن يكتب ويتكلم عن فلسطين وطالما هناك ما يخص بلادنا الحبيبة فلا بد أن يكون لنا رأي وباع وبصمة.

وصلني رسالة على البريد الإلكتروني تحثني على تحميل الرابط من أحد المنتديات المتخصصة للأفلام لمشاهدة فيلم (ولاد العم) التي بعد التحميل بجودة ونقاء ما يسمى في مصطلحات الحاسوب (DVD) لفت نظري عنوان الفيلم فوجدتني غرقت في ساعة ونصف من المشاهدة لأخرج متسائلاً هل فيلم أولاد العم معانا ولا علينا؟!

قصة الفيلم شيقة للغاية وتجعلني أدعو كل قراء مقالي لتحميل الفيلم أو جلبه من خلال (فلاشه) من أحد الأصدقاء، لأن الفيلم يستحق المشاهدة كونه يتحدث عن قصة واقعية تخص فلسطين وحدودها ومصر وعلاقتها مع (إسرائيل)، ولم يشطح بنا كما عودتنا السينما المصرية في الآونة الأخيرة من تكرار ممل ومن مظاهر مبتذلة أثرت على جيل بأكمله كثقافة (اللمبي) وغيره من تلك الأفلام التي يحاول تغليب البانجو والحشيش والأجساد العارية على القضايا المصيرية المهمة.

تدور أحداث الفيلم باختصار شديد حول المخابرات والجاسوسية من خلال أحد ضباط المخابرات المصريين الذين يحاولون استعادة فتاة مصرية، اختطفها جاسوس "إسرائيلي" بعد أن تزوجته دون أن تعلم هويته ويتضح فيما بعد عن تورط ذلك الصهيوني في أعمال تخريبية في مصر وزرع شبكات تجسس في الأراضي المصرية. لكن هنا يثيرنا سؤال هل (دانيال) واحد في مصر، أم أكثر من صهيوني يريد تخريب وزرع الفتن في أرضنا العزيزة مصر؟ ومحاولات الصهاينة الأخيرة من إقامة مولد أبو حصيرة الأخير بالقوة لهو خير مثال على مدى صلف اليهود ورغبتهم في زعزعة الأمن المصري الداخلي وإحراجها أمام العالم.

ولإجادة الضابط المصري اللغة العبرية يخول لدخول (إسرائيل) والقيام بالمهمة، وعبور الضفة من خلال جدار الفصل العنصري بمعاونة أحد المقاولين الفلسطينيين يتمكن من الدخول، وكانت أول مواجهة له مع شاب فلسطيني معارض لسياسة مصر يحدث حوار هو أشبه بين الحوارات التي تدور بين الشباب في مصر وفلسطين ينتهي أخيراً بمشاجرة بين الاثنين دون أن نعلم من الخطأ ومن الصح، وهو انعكاس للحالة العربية في الوطن العربي أجمع فكل طرف يلقي التهم على الطرف الأخر في التفريط وضياع حقنا في القدس الشريف وفلسطين كاملة..

ولا تزال تلك الشابة المصرية المختطفة تعاني من الصدمة بعد مضي سنين من العيش مع ضابط الموساد "الإسرائيلي" على أرض مصر دون أن ترشدها فطنتها وذكائها المصري إلى معرفه زوجها اليهودي إلا بعد تخديرها واختطافها هي وطفليها في المياه الإقليمية بين مصر و(إسرائيل) وسحبها من الأراضي المصرية (زي الشعرة من العجين ).

إذاً هنا من الذي يهدد الأمن المصري وقد شهد شاهد من أهلها ويسعدني لو أن أحد هؤلاء المتشدقين إعلامياً الذين يتباهون بالأمن القومي المصري ويتشدقون به ليل نهار أن يتابعوا مثل هذا الفيلم مع أنها ليست حالة وحيدة بل حالات عديدة وكثيرة وما خفي كان أعظم وإن كان هؤلاء المتشدقون يعلمون بأن (إسرائيل) هي الخطر الأكبر على أمن مصر فتلك مصيبة وإن كانوا لا يعلمون فالمصيبة أكبر.

ينتقل الضابط الصهيوني إلى بيته بصحبه زوجته ويعيشون فترة طويلة يتحدث أطفالها العبرية بعد إلحاح والدهم الصهيوني بل ويتلون التوراة ويحتفلون بأعيادهم، ولا تزال تلك المصرية البريئة المصدومة المغدورة بين فكي الأسد وخيارين أحلاهما مر إما أن تترك أولادها وتعود لمصر أو أن تتهود وترضى بواقعها المر الذي لا يرضاه مؤمن، هنا يثيرنا أن التثقيف العربي والإسلامي مهم للأجيال الحالية التي تشهد تنازلات عربية بالمجان للاحتلال الصهيوني وترقب رؤسائهم بعد كل مجزرة صهيونية يقبلون الاحتلال على مسمع ومرآي من الجميع لا بد من التثقيف وغرس معنى الكرامة والوطن والدين في عقول الشباب والأطفال الصغار قبل أن تتبدل المعايير لأن عدونا يتعلم معنى التوراة ويتعلم أيضاً عن ديننا ليعرف نقاط ضعفنا ومداخلنا ليتسنى له السيطرة علينا، فمن الأولى تعليمهم مكر (إسرائيل) أو تحبيبهم في (الحمص "الإسرائيلي" والشمينت).

يدخل الضابط المصري للكيان ويقابله أعوانه هناك لتسهيل عمله وأثناء تجهيزه لبعض الأمور يصادف فتاة فلسطينية يطاردها الاحتلال الصهيوني فيؤويها ويحميها منهم في طريقة أشبه بأفلام (جيمس بوند) ويبدو أن السينما المصرية أصيبت بحمي أفلام (هوليود)، وفيما بعد يكتشف أنها من المقاومين فيحبط عمليتها في مقهى ليلي مثقلاً إياها بالعبر والمواعظ عن ضرورة بقائنا أحياء لنثبت لهم عن قوتنا، ويتضح أخيراً أنها تقتل بيد رصاص الاحتلال، فهل هي رسالة أن الأنظمة العربية لا تريد إنجاح أعمال المقاومة أو ما هي العبرة من ذلك؟!

وفي مواصلة الأحداث ينجح البطل السوبرمان الذي يذكرني بقوة (سبايدرمان) من قتل الصهيوني دانيال ومن العودة بالفتاة المصرية وطفليها ويا ليته جلب الأعداد الغفيرة من الشباب والشابات العرب والمصريين في (إسرائيل) معه، كان حينها قد حقق الأرقام القياسية وما عاد هناك (باتمان ولا سيبدرمان ولا غيره). ومع نظرة مليئة بالحسرة المرتبكة يودع مصطفى الضابط المصري حدود فلسطين قبل عودته لمصر ليقول إننا سنعود وليس الآن.... مع أن المثل الشهير يقول لا (تؤجل عمل اليوم للغد!).

لكن المهم والأجمل أن هناك استشعاراً والتماساً مشتركاً بيننا كعرب أن فلسطين ليست للفلسطينيين وحسب وأنه مهما أخطأ الفلسطينيون فإنهم على النقيض الآخر مقاومون واستشهدوا ولم يفرطوا في ذرة تراب واحدة من أراضيهم بل دافعوا وقتلوا وهدمت بيوتهم على رؤوسهم عندما استشعروا أن دماءهم رخيصة أمام تراب الوطن الغالي، وحرب غزة الأخيرة هي خير مثال وخير شاهد على صدق الحديث.

فيلم أولاد العم لم يكن إلا انطباعاً عن تصور العربي البعيد عن أرض فلسطين ولم يصور كل الحيثيات الصحيحة بل اكتفى بجزء بسيط وتسليط للضوء على حسب المزاج وكيفما أراد أن يكون له الحاكم والحزب ولا يمكن أن يكون أكثر من ذلك هو فيلم موجه للحكام ألا تؤنبوا أنفسكم ودعكم من لوعة الضمير هذا إن وجدت وما تفعلوه هو عين الصواب والناس من ورائكم، وسيأتي يوم للعودة لكن متى الله أعلم فلا تهلكوا أنفسكم في الخلاص من (إسرائيل) (إحنا قدها وقدود)!!

لكن المتعة والحبكة الدرامية ومشاهد الأكشن التي طغت في الفيلم كانت تحمل في طياتها رسائل سياسية أغلبها مغلوطة ومحرفة فمن عنوان الفيلم إلى نهايته كانت هناك بعض المغالطات التي لا زالت تصور النظام المصري هو البطل وأن التغاضي الذي يحدث الآن وغض الطرف عن الكثير من القضايا الداخلية لا يمثل تخلياً واضحاً عن فلسطين وأهلها بل هو عمل مشرف يلزم الجانب المصري الالتزام بالمعاهدات وعلى رأسها كامب ديفيد، وكأن الجدار المصري الذي يدق في باطن الأرض هو عمل مشرف طالما أحد الفلسطينيين يساهم في بناء جدار الفصل العنصري، وأن المقاومة قتل وجرم لأننا بحاجة إلى أن ننتظر ليقتلونا هم.
لن يكون هؤلاء الصهاينة المعتدين أولاد عم لنا ولو قبلوا أقدامنا ولو قتلونا لأجل أن يركعونا لنقبل بهم ولو حاولوا مهما حاولوا فلن يكون لنا فيهم شفقة ولا رحمة حتى نخرجهم من ديارنا، هؤلاء أولاد قردة وخنازير وليسوا أولاد عمومة وستبقى المقاومة فوق الجميع.

أخيراً أعتقد أن الفيلم بالرغم من كل الحشد إلا أنه لا يختلف عما سبق من الأفلام التنويمية التي تستخدم الساعة المتأرجحة لتنويم المشاهد مغناطيسياً ويبقى الحال كما هو عليه من حيث التفكير والإعداد والإخراج ورضا النظام الحاكم فالسينما هي اللسان والمتحدث الرسمي باسم النظام والمسبحة بحمده لم يختلف شيء سوى الكثير من الأكشن والكثير من الإنفاق ولا يزال يبرق تساؤل كبير موجه للسينما المصرية هل هي معنا أم علينا؟؟

ahmed_3dwan@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك