مر عام على انطلاقة الحملة الشعبية لمقاطعة بضائع الاحتلال "الإسرائيلي" في فلسطين، هذه الانطلاقة المجيدة التي تزامنت مع بدء العدوان "الإسرائيلي" الهمجي على أبناء شعبنا المحاصر في قطاع غزة، وكان شعارها المستمر والأبرز (قاطع بضائعهم قاوم إرهابهم)، وكثيراً ما استخدم هذا السلاح كأحد الأسلحة الشعبية السلمية في مقاومة الاحتلالات، هذا السلاح الخلاق والمجرب من قبل العديد من شعوب الأرض التي خاضت أشكالاً عدة من النضالات ضد الظلم والطغيان والجبروت، وفي مقدمتها المقاطعة الشعبية الواعية والتوقف الطوعي للناس الرازحين تحت نير الاحتلال عن شراء السلع ومنتجات المستعمر والتعاطي مع أية (خدمة) يقدمها هذا المستعمر احتجاجاً واعتراضاً ورفضاً قاطعاً للاحتلال وإفرازاته الخبيثة.

وعلى مر العصور والأزمنة وفي إطار المقاومة الشعبية جربت أشكال ونماذج عديدة من المقاطعة، كان أشهرها النموذج الرائع للشعب الهندي الباسل بقيادة غاندي في مقاطعة بضائع المحتل البريطاني وإحراق سلعه ومنتجاته باعتبارها رمزاً للعبودية والاستعمار، حتى رضخ المحتل لمطالب الشعب الهندي في التحرر والاستقلال، وكذلك النموذج الياباني حينما قاطع شعب اليابان رغم هزيمته في الحرب العالمية الثانية التي أَلحقت به دماراً شاملاً فقد رفض هذا الشعب شراء السلع والبضائع الأمريكية، وأعلن رفضه القاطع للاحتلال والسيطرة الأمريكية على مقدرات اليابان الاقتصادية والعلمية، وشجعت الصناعة الوطنية والإنتاج الزراعي والخدماتي، إلى أن استطاع هذا الشعب التقدم بخطوات ثابتة في جميع المجالات وفرض سيطرته الاقتصادية حتى على السوق الأمريكية نفسها، واستطاع الاقتصاد الياباني أن يسجل لصالحه فائضاً كبيراً في الميزان التجاري وصل إلى حد وقوع نزاعات تجارية عديدة بين البلدين، وكذلك النموذج الإنساني الرائع الذي تمثل بمقاطعة العديد من شعوب العالم لبضائع دولة جنوب أفريقيا العنصرية، تضامناً مع نضالات وتضحيات شعب جنوب أفريقيا بقيادة المناضل العالمي نلسون مانديلا، واحتجاجاً على سياسة الفصل العنصري التي كانت تنتهجها حكومة بريتوريا ضد السكان السود أصحاب البلاد الأصليين، حتى انهار هذا النظام العنصري وذهب إلى مزبلة التاريخ، وحصل شعب جنوب أفريقيا على حريته واستقلاله الناجزين.

وفي تجارب مماثلة للشعوب العربية قاطع الشعب المصري سنة 1921م بضائع المحتل البريطاني، وشملت المقاطعة أيضاً سحب الودائع والأرصدة المصرية من البنوك البريطانية، وقاطع شحن البضائع على السفن البريطانية والتجار الإنجليز، أما في التجربة الفلسطينية الكفاحية تعود فكرة المقاطعة (لإسرائيل) إلى سنة 1922م حينما قاطع الشعب الفلسطيني السلع "الإسرائيلية"، ردّاً على مقاطعة اليهود للسلع العربية، وفي سنة 1945م اتخذت الجامعة العربية قراراً رسمياً بمقاطعة البضائع "الإسرائيلية" كإجراء يتطلبه الأمن القومي العربي ضد دولة الاحتلال حتى أنشئ فيما بعد جهاز للمقاطعة الاقتصادية "لإسرائيل"، وعلى إثر العدوان "الإسرائيلي" على الأمة العربية سنة 1967م وسنة 1973م، اتخذ العاهل السعودي آنذاك قراراً بقطع البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والذي توسع ليشمل جميع دول الخليج العربي أيضاً، وكذلك اتخذت الشعوب العربية والإسلامية قراراً بمقاطعة بضائع الاحتلالين الأمريكي والبريطاني للعراق، وضد الاحتلال والعدوان "الإسرائيلي" على الشعبين الفلسطيني واللبناني.

وقدر المكتب الرئيسي للمقاطعة العربية في دمشق خسائر دولة الاحتلال "الإسرائيلي" من المقاطعة العربية حتى نهاية 1999م بنحو 90 مليار دولار، ولكن للأسف المقاطعة الرسمية العربية والإسلامية بدأت تضعف شيئاً فشيئاً وخف وميضها، ولكنها في المقابل بدأت تتعزز في العديد من دول العالم مثل بريطانيا والدول الإسكندنافية وغيرها تضامناً مع الشعب الفلسطيني واحتجاجاً على جرائم الاحتلال.
فقبل أسابيع نشر الموقع الإلكتروني لجريدة يديعوت أحرنوت "الإسرائيلية" أقوالاً لرئيس معهد التصدير "الإسرائيلي" دافيد أرتسي قال فيها إنه رغم الإعلان الرسمي عن المقاطعة العربية الرسمية للبضائع "الإسرائيلية"، إلا أن هذه البضائع تصل إلى غالبية الدول العربية والإسلامية، وفي بعض هذه الدول تباع بواسطة طرف ثالث بعد إزالة عبارة (صنع في "إسرائيل")، وفي البعض الآخر تسوق البضائع "الإسرائيلية" ويكتب عليها اسم الدولة مع علم الجميع!!! من هو صاحب هذه السلعة الحقيقي، وقال دافيد أرتسي إن المقاطعة العربية للبضائع "الإسرائيلية" هي فشل مطلق.

أستاذ مادة الاقتصاد في جامعة بار أيلان "الإسرائيلية" ومؤلف دليل الأعمال عن (إسرائيل) باللغة العربية جبل فيلر والذي يشغل في نفس الوقت منصب مدير مركز "إينفو - برود ريسيرتش" للأبحاث المتخصصة بالأسواق العربية في "تل أبيب"، قال إن الصادرات "الإسرائيلية" إلى الدول العربية تتركز على ثلاثة تصنيفات (تجهيزات زراعية مثل معدات الري التي تحتل "إسرائيل" فيها موقع "الريادة عالمياً"!!! واللقاحات الحيوانية وتكنولوجيا المعرفة والبذور والمبيدات ومكونات أخرى...) رفض الخوض في تفاصيلها.

هذا بالنسبة للأسواق العربية أما بالنسبة للسوق الفلسطينية المحتلة عام 67 فحدث ولا حرج حيث تعتبر ثاني أكبر سوق للمنتجات "الإسرائيلية" بعد الولايات المتحدة الأمريكية وبلغ حجم الواردات السنوية الفلسطينية من المنتجات "الإسرائيلية" ثلاثة مليارات دولار، وللعلم فإن البضائع "الإسرائيلية" التي تصل الأسواق الفلسطينية المحتلة عام 67 تنتج بواسطة خط إنتاج ثانٍ مخصص للسوق الفلسطيني فقط ومعظمها إما فاسدة أو منتهية الصلاحية، وعلى سبيل المثال بلغ حجم مشتريات السوق الفلسطينية من الأدوية "الإسرائيلية" 30 مليون دولار سنوياً على الرغم من أن 80 % من الأدوية "الإسرائيلية" لها بدائل فلسطينية، ورغم أن قطاع الصناعات الدوائية الفلسطينية حقق اختراقات نوعية تمثلت في غزو الأسواق الأوروبية وخاصة السوق الألمانية، بالإضافة إلى توريد الدواء الفلسطيني إلى 17 دولة عربية وأجنبية أخرى.

فالمقاطعة لسلع وبضائع المحتل تشكل سلاحاً قوياً من أسلحة المقاومة الشعبية، نعمل من أجل أن تترسخ هذه الثقافة وتتعزز لتصبح نمط حياة في مواجه الاحتلال، ولضمان نجاح هذه الحملة وتحقيق أهدافها، ومن أجل تنظيف السوق الفلسطينية والعربية من المنتجات "الإسرائيلية" والأمريكية، فأمريكا الداعم الرئيسي والأساسي (لإسرائيل) والبالغ دعمها السنوي 4 مليارات دولار تذهب معظمها لتسليح الجيش "الإسرائيلي" للاعتداء على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، وتجد مثلاً أن شركة كوكا كولا الأمريكية تساهم بـ20 % من إرباحها (لإسرائيل)، وشركة فيليب مورس المنتجة لسجائر مالبورو تدفع 12 % من أرباحها تبرعات يومية (لإسرائيل)، وإذا عرفنا أن مدخني العالم العربي والإسلامي يستهلكون يومياً من سجائرها بقيمة 100 مليون دولار، ندرك أنهم يقدمون (لإسرائيل) على طبق من ذهب كل يوم 12 مليون دولار.

وعلى سبيل المثال أيضاً ومنذ دعوات مقاطعة البضائع "الإسرائيلية" والأمريكية انخفضت مبيعات محلات الأغذية الأمريكية السريعة مثل (كنتاكي، هارديز، ماكدونالدز، وبيتزا... إلخ) بنسبة وصلت إلى 10 %، ولم تكتف أمريكا بتقديم هذا الكرم السخي لدولة الاحتلال!! بل مارست ضغوطات على الدول العربية وأرغمتها على التخلي عن المقاطعة الاقتصادية (لإسرائيل) من الدرجة الثالثة أي مقاطعة الشركات المتعاملة مع الشركات المتعاملة مع (إسرائيل)، والتخلي عن المقاطعة من الدرجة الثانية أي مقاطعة الشركات المتعاملة مع (إسرائيل) مباشرة، لتبقى المقاطعة الاقتصادية من الدرجة الأولى، أي المقاطعة الاقتصادية العربية المباشرة (لإسرائيل) وبضائعها وشركاتها والمخترقة بشكل كبير في جزء كبير من الدول العربية.

ولكي تؤتي المقاطعة أُكلها لا بد من تضافر كل الجهود الشعبية والرسمية فهذه مسؤولية جماعية، مطلوب العمل الجاد من أجل تعزيز وتمكين المنتجات الوطنية في المنافسة والصمود كبديل للمنتجات "الإسرائيلية"، والعمل على تحرير الاقتصاد الفلسطيني من التبعية والهيمنة المطلقة للاقتصاد "الإسرائيلي"، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى توفير فرص عمل لآلاف العمال العاطلين عن العمل والذين يعيشون حالة متفاقمة من البطالة والحرمان.

(الكاتب ناشط في مقاومة "الاستيطان"، ومنسق الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع "الإسرائيلية" في محافظة الخليل).

farman1960@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك