الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مقالات متنوعة
حجم الخط: + -
العلمانية
|
05 - 03 - 2010
مخلص الخطيب |
في المقالة السابقة تطرقنا للعلمانية الفرنسية الكفاحية التي وُضعت على أساس فكري، وللعلمانية التي أحسسنا بها عفوياً أيام القائد الخالد جمال عبد الناصر... هنا محاولة لـ(تعريف العلمانية) كونها مجهولة أو مُشكّك بها أو غير مُتداولة، وهنا تكمن الصعوبة... سأحاول تشبيه تعريف (العلمانية) بتعريف (الماء)، تجاوزاً.
الماء:
مادة طبيعية لا حياة ممكنة بدونها إلاّ للأعشاب السيئة، عرفه الإنسان في المحيطات والبحار والأنهار والبحيرات والينابيع، لاحظه من خلال الأمطار والثلوج والآبار، ميز العذب منه والمالح، الصافي والعكر، المعدني والطبيعي. فهم الإنسان (أن الماء هو العامل الوحيد الذي يُطفئ الظمأ)، فأشغل عقله وانتقى الماء الأقل تعكراً والأكثر عذوبة ليشربه... تطوّر عقل الإنسان ففكّر بتصفية الماء، بتكريره، بتنقيته، فبالحفاظ عليه بوسائل تطورت من دلو بئر، لـ جرّة، لـ خابية (جرّة قروية كبيرة لحفظ الماء مُبرّداً بكمية معقولة)، لخزّان، فلقوارير وقنان بلورية أو بلاستيكية.
إذن، يجوز تعريف الماء بـ(سائل مُطفئ للظمأ بلا لون ولا رائحة ولا طعم)، لكنه قابل للتّكيّف وفق رغبة الإنسان، فبمجرد إضافة مادة له، كعصير الليمون مثلاً، يتحوّل الماء لسائل بلون أصفر كاشف وبرائحة ليمونية منعشة وبطعم حمضي خفيف ممتع، ويمكن للإنسان أن يعايش الماء مع كل الألوان والروائح والأطعمة، كما يمكن إضافة الماء لطبق مليء بما يشتهي الإنسان أكله من لحم وخضار، ليتمتع بما يرى وليتذوّق ما يأكل.
باختصار يمكن تسمية الماء بـ(سائل سلس يتكيّف وفق رغبات ونزوات الإنسان) دون الرجوع لأي نص مكتوب، باستثناء ما ورث من مأكولات ومشروبات من أسلافه أو الاستفادة من تجارب الآخرين... كما يجوز للإنسان (ابتداع ووضع أطباق حسب تطور ذوقه ومخالطة نُظرائه ويمكنه كتابة طرق استعمالها)... [فكل ما لا لون ولا طعم ولا رائحة له ليس سيئاً بالضرورة، بل يمكن اعتباره حيادياً].
العلمانية:
لا شكّ أنّ تعريف العلمانية أكثر صعوبة من تعريف الماء، فالماء عنصر حيوي معروف ومقبول من كل شعوب الإنسانية، أمّا العلمانية، فلكونها مجهولة، ثم لأنها شوِّهت من معظم العقائد والمعتقدين، وخصوصاً ممن يؤمّون أمتنا العربية... تعرّضت لتعريفات عشوائية من قبل نخب دينية وسياسية وأكاديمية وإعلامية، بما يتناسب مع معتقدات ومفاهيم ومقاييس كل منها.
قيل عن العلمانية:
* أنّها (دين إلحادي)... وكم هو تجاوز اعتبار العلمانية معتقداً، فلا إله لها ولا رسول ولا نص روحي، غير مُنزّلة، بدون كهنوت أو رجال دين أو دعاة أو مبشرين، فكيف تكون ديناً؟... بيد أنه في ظلها يمارس كل متدّين شعائره، ويحتمي الملحد وغير المؤمن، وبالتالي فهي (ليست إلحادية) بالمعنى الديني للكلمة، بل وصفها بـ(إنسانية غير دينية وغير متطرفة يعتبر أكثر دقة).
وُصِفت العلمانية:
* أنّها (علم)... وكم هو ساذج وصفها بـ علم، فالعلم إدراك ويقين ومعرفة بالشيء نظرياً أو تطبيقياً... له مبادؤه وأسسه وفنونه، يحتاج لبحوث معمّقة في كل مظاهر الحياة كالرياضيات والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء والتكنولوجيا والطب وعلوم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة... [إنّ العلمانية بعيدة عن كل هذه العلوم، لكنّ اعتبارها مشجّعة لكل تقدّم علمي هو الوصف الأكثر دقة].
نعِتت العلمانية:
* بأنّها (نظام سياسي)... إنه وصف مغالط للواقع، فالأنظمة السياسية في عِلميِّ السياسة والقانون مقسمة لملكية وجمهورية، لرئاسية وبرلمانية، لشمولية وديمقراطية... إلخ، أما العلمانية فتتلاءم وتتماشى مع كل هذه الأنظمة، فهي على سبيل المثال، جمهورية في فرنسا وتركيا وإيطاليا، وملكية في بلجيكا وهولندا وإسبانيا ولوكسمبورغ، وشمولية في الصين وروسيا وفنزويلا.
وُصفت وتوصف العلمانية من بعض علماء الأديان ومن المكبوتين جنسياً (وما أكثرهم ببلادنا، عُزّاباً ومطلقين وأحياناً متزوجين) بأنها (إباحيّة): يعنون أنها تُبيح المحرمات الخلقية والجنسية تحديداً، وهنا كذلك خطأ فادح للمفهوم، فكونها (سلوك) من وضع الإنسان، تتلاءم مع تراث وتربية وحضارة وثقافة وتركة كل مجتمع على كل الأصعدة، الخلقية والدينية والعاداتية والموروثة... قد تصنف (إباحية) وفق معاييرنا ومقاييسنا، بيد أنها، كتعامل جنسي، تعتبر ممارسة عادية مُعلنة لا سرّيّة ولا باطنية في مجتمعات أخرى ذات معايير مخالفة... "العلمانية الإباحية" تمارس سراً عندنا، بينما تتميّز بالشفافية عندهم.
فكيف تعرّف العلمانية إذن؟
Secularism بالإنكليزية، Laïcité بالفرنسية، العلمانية بالعربية، تعني لغوياً (سلوك دنيوي) لا دين له ولا نظام ولا علم... مع مصدر وحيد لمحرّماته: [القانون الوضعي]، أما تعريف المُعايش لها، لا المتعايش معها، فهو كما يلي:
العلمانية هي (سلوك شخصي ومبدأ جماعي مُحايد)، يلتزم فيه مجتمع ما، بكل أفراده، على اعتبار الإنسان هو الواضع الوحيد لكل الدساتير والقوانين الإنسانية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعاملية، والمستفيد منها، دون رجوع لأي نص روحي أو أدبي مكتوب أو منقول أو مُتعارف عليه.
* لا تسيير لشؤون الناس إلاّ بما وضعه الإنسان نفسُه لنفسه، فهو الذي يعقل ما يحتاج إليه (اليوم وغداً)، بينما يشكّ بما نقل.
* تغيير وتطوير وتحديث حياة المواطن يجب أن يكون سلوكاً يهدف لازدهار وأمن حياة المُواطن والمجتمع والإنسانية.
* مبدأ العلمانية يتأقلم مع كل أطياف المجتمع الواحد، بكل معتقداتها الروحية وخصوصياتها العرقية المتطابقة مع ما هو موضوع.
يمكن استنتاج ما يلي: لا تعريف مُسمّر للعلمانية بسبب وجوب وضرورة وحتمية تحديثها، وفي كل الأحوال تبقى (المظلة التي تؤوي جميع المواطنين، والمُواطنة الحيادية والتّعامل الأفقي بين كل الأديان والطوائف والأعراق دون تمييز)... فهي لا ترفض التركات الخلقية والتعاملية الموروثة، حتى التقليدية منها، كالإيمان بالله، والزواج، والطلاق والوفاء بالزوجية أو عكسه طالما هناك اتفاق بين شخصين بلا عنف ولا اغتصاب، تضمن حرية الاختيار، كل اختيار... وتكفل حرية العيش الأسري والمجتمعي... شريطة ألا يتعارض مع القانون، فالدستور فوق كل الاعتبارات الأخرى، بيد أن تغييره من ممثلي الشعب المنتخبين أو باستفتاء مباشر من الشعب أمر حتمي تختاره النخبة الحاكمة.
إذن، مبدأ العلمانية ليس ضد أي دين أو طائفة أو عرق، وفي نفس الوقت، لا يهرع وراء أيٍّ منها، تحاشياً لتحول النظام السياسي إلى كتلة صماء دينية أو طائفية أو عرقية... إنه مبدأ فرض الإنسان نفسه بكفاح ضد التمزق الاجتماعي والهيمنة الدينية على كل مسارات الحياة، كما حدث في فرنسا بعد حروب دامية وقعت بين الطوائف المسيحية بتحريض من الكنيسة التي كان كهنوتها الموجّه الوحيد لسياسيي تلك الحقبة، كما نوّه عنه في المقالة السابقة.
مبدأ العلمانية يحثّ الإنسان على حرية التفكير والبحث والدراسة والملاحظة، ليُنجز قوانين تتلاءم مع واقع حياته الآني، وليقوم بإلغائها أو تطويرها لصالحه الآني... فمبدأ العلمانية لا يؤمن بديمومة الواقع الإنساني.
لعل ما يُدهش نسبياً، هو ظهور مفكرين مسلمين يدّعون (العلمانية المؤمنة)، إنه لمُبهر أن يعتبر (القرآنيون) أن الإسلام هو أول من رفع راية العلمانية... فهم يرون أن دولة الإسلام ليست دينية بل مدنية، هدفها إقامة العدل، لا إدخال الناس الجنة بالإكراه ولا فرض حد الردة وتغيير المنكر بالقوة... يعتبرون أن الدولة الإسلامية الحقيقية هي دولة علمانية تفصل الدين عن شؤون السياسة، يبنون فكرتهم على أن الإسلام خال من كل كهنوت ورجال دين، كون العلاقة مباشرة بين العبد وربه... يطلقون على مبدأ تسيير الحكم الإسلامي [العلمانية المؤمنة].
يعتقد القرآنيون أنّ الأمة مصدر السلطات أي أن الحاكم لا يستمد سلطته من الله وإنما من الشعب، يؤمنون بأن لا وجود لحاكم بالمعاني المألوفة سياسياً، لا المستبد المناقض لشريعة الإسلام، ولا المنتخب بمفهوم حرية التمثيل الانتخابي الغربي، فلا تمثيل للشعب في الإسلام كما يؤكدون... يعتبر القرآنيون أنّ الدولة هي الشعب، بمعني أن الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه في نظام يقوم بإدارة الحكم فيه (أولو الأمر)، وأولو الأمر بالمصطلح القرآني، وفق رأيهم (هم أصحاب الشأن والخبرة والاختصاص في الموضوع المطروح بحثه وتنفيذه)، حيث يتعذر على جمهور المسلمين أن يتخصصوا في كل شيء، وطاعتهم واجبة لكن "في حدود تخصصهم" وفى إطار طاعة الله وما ورد في "القرآن"... والقرآن الكريم وحده.
يُجزم القرآنيون أن العباسيين هم الذين ابتدعوا نظرية (الحكام هم أولى الأمر)... يستشهدون بالبيعة كديمقراطية مباشرة في كل حي وقرية ومدينة، وحضورها فريضة عينية علي كل إنسان (ذكر أو أنثى)، ولا يجوز الاعتذار عنها إلا بسبب قهري... يفسّرون أنّ البيعة في القرآن ليست لحاكم وإنما على التمسك بالإسلام والجهاد حين يتعرض للخطر، ونظرية القرآنيين تذهب إلى حد تشبيه الديمقراطية الإسلامية المباشرة بنظام الدولة السويسرية المعاصرة!
يرى القرآنيون أن الرسول ما كان حاكماً، كون الخطاب الإلهي كان يُوجّه مباشرة للمؤمنين ليحكموا أنفسهم، ويرون أن القرآن لم يذكر كلمة "حاكم أو حكم" في أي من تفصيلاته التشريعية بل جاءت بمعنى التقاضي بين الناس في الدنيا، وليس الحكم السياسي، أي - الحكم (بين) الناس - وليس حكم الناس، ويستشهدون بآية النساء 58 [وإذا حكمتم "بين" الناس أن تحكموا بالعدل]، لا إذا حكمتم الناس... يُعرّف القرآنيون (الديمقراطية الإسلامية) بأنها العدل السياسي لعدم شرعية انفراد شخص أو أسرة أو حزب أو قبيلة باحتكار السلطة والثروة، رغماً أو نيابة عن الشعب.
ها هي المقالة التي وُعد بنشرها بعد أن تطرقنا للتجربة الفرنسية العلمانية الكفاحية، وللعلمانية التلقائية العفوية التي مورست في عهد الراحل – الخالد جمال عبد الناصر في المقالة السابقة، ولعلمانية القرآنيين الإسلامية... علمانية يمكن مناقشة أفكارها، فكل استنتاج أو تحليل شخصي مُباح ومُرحب به.
Mokhlesselkhatib@aol.com