بيان أول نوفمبر 1954
بسم الله الرحمن الرحيم
نداء إلى الشعب الجزائري
هذا هو نص أول نداء وجهته الكتابة العامة لجبهة التحرير الوطني إلى الشعب الجزائري في أول نوفمبر 1954
(أيها الشعب الجزائري،
أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية،
أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلين بصفة خاصة نُعلمُكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكُم الأسْبابَ العَميقة التي دفعتنا إلى العمل، بأن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضاً هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية.

فنحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية بعد مراحل من الكفاح قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية في الواقع هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحداً حول قضية الاستقلال والعمل، أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الديبلوماسي وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين.

إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال إفريقيا. ومما يلاحظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل. هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقيق أبداً بين الأقطار الثلاثة.

إن كل واحد منها اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، وهكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت نفسها محطمة، نتيجة لسنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيئ ، محرومة من سند الرأي العام الضروري، قد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحاً ظناً منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في كفاحه ضد الطليعة الجزائرية.

إن المرحلة خطيرة.

أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح علاجها مستحيلاً، رأت مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين.

وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمية أن يمنح أدنى حرية.

ونظن أن هذه أسباب كافية لجعل حركتنا التجديدية تظهر تحت اسم: جبهة التحرير الوطني.

وهكذا نستخلص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية أن تنضم إلى الكفاح التحرري دون أدنى اعتبار آخر.

ولكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسي.

الهدف: الاستقلال الوطني بواسطة:

1- إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
2- احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.

الأهداف الداخلية:
1- التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي والقضاء على جميع مخلفات الفساد وروح الإصلاح التي كانت عاملاً هاماً في تخلفنا الحالي.
2 تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري.

الأهداف الخارجية:
1- تدويل القضية الجزائرية.
2- تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي.
3- في إطار ميثاق الأمم المتحدة نؤكد عطفنا الفعال تجاه جميع الأمم التي تساند قضيتنا التحريرية.

وسائل الكفاح:

انسجاما مع المبادئ الثورية، واعتباراً للأوضاع الداخلية والخارجية، فإننا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتى تحقيق هدفنا.

إن جبهة التحرير الوطني، لكي تحقق هدفها يجب عليها أن تنجز مهمتين أساسيتين في وقت واحد وهما: العمل الداخلي سواء في الميدان السياسي أو في ميدان العمل المحض، والعمل في الخارج لجعل القضية الجزائرية حقيقة واقعة في العالم كله، وذلك بمساندة كل حلفائنا الطبيعيين.

إن هذه مهمة شاقة ثقيلة العبء، وتتطلب كل القوى وتعبئة كل الموارد الوطنية، وحقيقة إن الكفاح سيكون طويلاً ولكن النصر محقق.

وفي الأخير، وتحاشياً للتأويلات الخاطئة وللتدليل على رغبتنا الحقيقة في السلم، وتحديداً للخسائر البشرية وإراقة الدماء، فقد أعددنا للسلطات الفرنسية وثيقة مشرفة للمناقشة، إذا كانت هذه السلطات تحدوها النية الطيبة، وتعترف نهائياً للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها.

1- الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية، ملغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضاً فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري.
2- فتح مفاوضات مع الممثلين المفوضين من طرف الشعب الجزائري على أسس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ.
3- خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ورفع الإجراءات الخاصة وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة.

وفي المقابل:

1- فإن المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية والمحصل عليها بنزاهة، ستحترم وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص والعائلات.
2- جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك كأجانب تجاه القوانين السارية أو يختارون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
3- تحدد الروابط بين فرنسا والجزائر وتكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل.

أيها الجزائري، إننا ندعوك لتبارك هذه الوثيقة، وواجبك هو أن تنضم لإنقاذ بلدنا والعمل على أن نسترجع له حريته، إن جبهة التحرير الوطني هي جبهتك، وانتصارها هو انتصارك.

أما نحن، العازمون على مواصلة الكفاح، الواثقون من مشاعرك المناهضة للإمبريالية، فإننا نقدم للوطن أنفس ما نملك".

فاتح نوفمبر 1954
الأمانة الوطنية
Formulärets nederkant

المدخل:

تعرف الجزائر بأنّها بلاد المقاومات والثورات، ففي كل موقع جغرافي ذكرى لمقاومة أو مشهد لثورة عارمة ضدّ كل الذين حاولوا احتلال الجزائر، فقبل الفتح العربي والإسلامي للجزائر استبسل سكان الجزائر الأصليون والذين كانوا يعرفون بالأمازيغ أي الأحرار في الدفاع عن الجزائر ضد الفينيقيين والوندال والرومان، وعندما وصل الفاتحون المسلمون إلى الجزائر أقبل الشعب الجزائري على اعتناق الإسلام وانتصر له بل ساهم في إيصال دعوته إلى ربوع أوروبا، كما ساهم في فتح إسبانيا على يدّ طارق بن زيّاد البربري.

وبعد سقوط دولة المسلمين في إسبانيا نزح الكثير من منهم إلى بلاد المغرب العربي الأمر الذي جعل هذه المنطقة عرضة للغزوات الإسبانية المتلاحقة والتي قاومها الجزائريون ببسالة، وتعاونوا في ذلك مع العثمانيين الذين بسطوا خلافتهم على الجزائر وحكموها إلى تاريخ احتلال فرنسا للجزائر في 05 يوليو/ تموز سنة 1830.

ولم يتسن للفرنسيين أن يبسطوا سلطتهم بيسر على الجزائر حيث واجهتهم مقاومات عنيفة اندلعت في وجه المستعمر الفرنسي في كل المناطق الجزائرية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، كثورة ابن زعمون والحاج سيدي سعدي والأغا محي الدين والأمير عبد القادر الجزائر والمقراني وأولاد حدّاد وفاطمة نسومر وغيرهم.

وكانت كلما انطفأت شعلة مقاومة، كانت التالية تشتعل حاملة راية الدفاع عن عروبة الجزائر وإسلامها. وعن هذه المرحلة قال جول كامبون أحد سفراء فرنسا: إنّه من الخطأ أن نقول بأننا استولينا على الجزائر سنة 1830، بل إننا نزلنا في شاطئ سيدي فرج في هذا التاريخ، ولكننا لم نتمركز في البلاد إلاّ بعد ذلك بكثير.

ويمكن تقسيم المقاومة التي واجهت الفرنسيين بعد احتلال الجزائر إلى ثلاثة أنواع:

مقاومة سياسية قامت بها طبقة التجّار والعلماء وأعيان المدن، وكانت هذه غالباً تنبع من المدن وتولاها على سبيل الذكر لا الحصر حمدان بن عثمان خوجة ورفاقه.

ومقاومة شعبية دينية قام بها مرابطون ورؤساء قبائل تحت راية الجهاد في سبيل الله والأرض والشرف والوطن والعزة والكرامة، وكان على رأسها ابن زعمون والحاج سيدي السعدي والأمير عبد القادر الجزائري.

ومقاومة رسمية قام بها ممثلو الخلافة العثمانية دفاعاً عن الإسلام وللحؤول دون وقوع الجزائر في أيدي الفرنسيين الصليبيين ومنهم الحاج باي أحمد الذي قاوم في مدينة قسنطينة الفرنسيين مدة ثماني عشرة سنة وترك لنا سيرة مقاوم عنيد لقنّ المحتلين دروساً في البطولة والفداء.

وتشكّل مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاستعمار الفرنسي محطةّ نادرة من مقاومة الجزائريين، فقد عرف عن الأمير عبد القادر الجزائري أنّه رجل حرب وفكر في نفس الوقت، فصاحب مؤلفات المواقف وذكرى العاقل وتنبيه الغافل، كان يخوض أشرس المعارك ضدّ الفرنسيين.

لقد نجح الشريف الأمير عبد القادر الجزائري ابن الشريف محي الدين شيخ الطريقة القادرية في إطلاق ثورة عارمة في مدن الغرب الجزائري حيث كان مقر إمارته، ثم سعى لنشر ثورته في عموم القطر الجزائري على أمل أن يحاصر جنوده الفرنسيين في الوسط ومن تمّ رميهم إلى البحر من حيث جاؤوا.

وحتى لما تمكنّ الفرنسيون من تطويق مقاومة الأمير عبد القادر وسجنه في سجن فرنسي وبعد ذلك نفيه إلى بلاد الشام، لم تهدأ المقاومات الجزائرية ولم يهادن الشعب الجزائري لحظة الاستعمار الفرنسي. وظلّت الثورات تتعاقب في الجزائر إلى تاريخ اندلاع ثورة المليون ونصف المليون شهيد في غرّة نوفمبر 1954.

والجدير بالذكر أنّ جميع الثورات التي عرفتها الجزائر قام بها العلماء وشيوخ الزوايا والطرق لأنّ الزعامة آنذاك كانت بأيدي رجال الدين الذين كانوا أنفذ أثراً في الجماهير.

وقد أدرك الاستعمار الفرنسي سر هذه المعادلة أي العلاقة الطردية بين الثورات ورجال الدين فراحت قوات الاحتلال الفرنسي تحوّل المساجد ودور العبادة التي كانت معاهد تعليمية أيضاً إلى إسطبلات وكنائس، وألغت التعليم العربي الإسلامي وأصدرت مراسيم لمعاقبة كل شخص يدرّس اللغة العربية في محاولة مكشوفة وواضحة لتجفيف مقومات النهوض والثورة لدى الجزائريين.

وقد أدرك لاحقاً رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أبعاد هذه المحاولات الاستعمارية لطمس معالم الشخصية الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي، فأطلق المقاومة الفكرية والثقافية والتي أعادت بناء الإنسان الجزائري، والذي بمجرد أن أستشعر الخطر المحدق بهويته انخرط في أكبر ثورة عرفها التاريخ المعاصر. تعتبر الثورة الجزائريّة من أعظم الثورات العربية في القرن العشرين، وقد خرجت هذه الثورة من رقعتها المحليّة المحدودة في قلب المغرب العربي لتصير ثورة لكل العرب وكل الأحرار في العالم الثالث. وبفضل الثورة الجزائرية تمكنت الجزائر أن تصبح ذات سمعة عربيّة وإسلامية محترمة، وكان يكفي ذات يوم ترديد اسم الجزائر لتقشعر الأبدان.

لقد اندلعت الثورة الجزائرية في غرّة نوفمبر سنة 1954 بإمكانات متواضعة وبسيطة، وفي غضون أشهر وجيزة التفّ حولها الشعب الجزائري لتقوده في نهاية المطاف إلى شاطئ الاستقلال في 5 يوليو – تموز سنة 1962، وحاولت فرنسا جاهدة وبمختلف الوسائل السياسية والعسكرية وأد هذه الثورة التي استعصت على فرنسا وتحققّ بذلك قول شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا: أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر.

وما كانت الثورة الجزائرية لتقود الجزائر باتجاه الحرية لو لم يتوفر لها مجموعة من الرجال الذين اجتمعت كلمتهم على ضرورة الثورة كشرط وحيد لاسترجاع الحق المنهوب من قبل فرنسا. وقبل اندلاع الثورة الجزائرية اندلع لغط كبير في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية حول الاندماج في الدائرة الفرنسية أو الاستقلالية عن فرنسا وتحصين الشخصية الجزائرية، وذهب بعض السياسيين الجزائريين بعيداً في ذلك الوقت عندما شككوا في وجود الأمة الجزائرية وقد عرف عن أحد السياسيين الجزائريين قوله: لقد فتشت في القبور عن جذور الأمة الجزائرية فلم أجد شيئاً، وكانت النخبة الجزائرية الفرانكفونية والتي درست في المعاهد الكولونيالية تنظر بعين الهازئ والساخر إلى دعوات المنادين بالحفاظ على السيادة الجزائرية والثقافة الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي.

ووسط هذا الجدل الواسع بين دعاة الاندماج ودعاة الاستقلال قررّت مجموعة من الثائرين الجزائريين تشكيل لجنة واسعة تضمّ اثنين وعشرين عضواً وهدفها الإعداد للثورة الجزائرية.
وقد اقتنعت هذه اللجنة – النواة الأولى للثورة الجزائرية – بأنّه لا يمكن الحصول على الاستقلال بالوسائل السياسية، لأن فرنسا قررت وبشكل نهائي ضمّ الجزائر إلى فرنسا واعتبار الجزائريين فرنسيين مسلمين، وكانت بطاقات الهويّة التي تمنحها فرنسا للجزائريين فرنسية كتب عليها لدى التعريف بجنسية حاملها عبارة فرنسي مسلم، وقد جاءت هنا المواطنة الفرنسية قبل الإسلام الذي صاغ الشخصية الجزائرية ووقاها من الذوبان في مستنقع التغريب الفرنسي.

ولم يوفر الجيش الفرنسي طريقة إلا ولجأ للقضاء على الثورة الجزائرية العملاقة:
(لقد لجأ غلاة الاستعمار الفرنسي إلى فرض سيطرتهم على شعوب المستعمرات التي استولوا عليها بقوة السلاح، ولذلك سارع قادة العدو الفرنسي إلى تسخير كل طاقتهم البشرية والمادية والعلمية للحصول على هذه الأسلحة المحرمة دولياً قصد فرض وجودهم داخل المستعمرات التي استوطنوها وعملوا على استعباد شعوبها وقمع ثوراتها.

لقد استعمل الجيش الفرنسي في حربه المدمرة ضد الثورة الجزائرية وجنودها الأشاوس كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً غير آبهين بما سينتج عنها من آثار سلبية على الشعب الجزائري، ومن أهم هذه الأسلحة السلاح الكيماوي الذي كان يتشكل في غالبيته من الغازات السامة القاتلة والمتفجرات الحارقة، أما سلاح النابالم الفتاك فهو الآخر سلاح مميت وقاتل عانت منه القرى والمداشر الجزائرية، وحتى الجبال لم تسلم منه لكونها كانت ملجأ حصيناً للمجاهدين الذين لم يسلموا بدورهم من قنابله الحارقة، هذا بالإضافة إلى سلاح آخر أكثر خطورة وهو السلاح النووي الذي يعتبر أقوى سلاح آنذاك عرفته البشرية، وقد بدأت فرنسا الاستعمارية استعماله لأول مرة في الصحراء الجزائرية وقد جعلت من المجاهدين الذين ألقت عليهم القبض دروعاً بشرية ووسيلة لاختبار قدراتهم العلمية في مجال السلاح النووي إلى جانب استعمال الصحراء الجزائرية وسكانها حقل تجارب دون أن تأخذ بعين الاعتبار ما سيترتب من انعكاسات وخيمة على المنطقة وسكانها.

كان هدف استعمال هذه الأسلحة المحرمة من طرف الجيش الفرنسي هو إفناء الكائنات الحية وكان المستهدف المباشر والأول هو جيش التحرير الوطني المنتشر عبر العديد من المناطق التي تعرضت للأسلحة المحرمة واستطاع إفشال السياسة الاستعمارية في الداخل بتحقيقه الانتصارات المتتالية التي أفقدت العدو الفرنسي صوابه لذلك لجأ إلى الانتقام باستعماله هذه الأسلحة الخطيرة.

لقد كان المجتمع الدولي واضحاً في معارضته لاستعمال فرنسا لهذه الأسلحة المحرمة إلا أن السلطات الفرنسية ضربت عرض الحائط كل القوانين والأعراف الدولية، وأصبحت المناطق الجزائرية التي تعرضت للدمار والخراب جراء استعمال هذه الأسلحة مناطق جرداء قاحلة لا حياة فيها من شدة هول الدمار، وهذا ما زاد موقف المجتمع الدولي من استعمال الأسلحة المحرمة معارضة أكثر لسياسة فرنسا العسكرية.

ما زالت هذه الآثار ماثلة إلى اليوم حيث قتل كل ما هو حي وتعرض العديد من السكان إلى التشوهات الدائمة والعاهات المستديمة وحتى الطبيعة لم تسلم من مفعول هذه الأسلحة الفتاكة التي اعتمدت عليها فرنسا لإبادة الشعب الجزائري، والقضاء على الثورة الجزائرية التي أصبحت توقظ مضاجعهم، لذلك كانت آثار الأسلحة المحرمة عميقة في ذاكرة الجزائريين لخطورتها التي لا تنسى خاصة سكان منطقة رقان). (ورد هذا في موقع تاريخ الجزائر).

وبعد تضحيات جبارة حاز الشعب الجزائري على استقلاله في 5 تموز – يوليو 1962، وشرع في بناء نهضته ودولته التي قدم لأجلها ما لا يحصى عدّه من الشهداء.

وصحيح أن الأداء السياسي الرسمي وغياب الإستراتيجيات المتكاملة، اللهم إلا في عهد هواري بومدين الذي شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاثة تحديات وهي الزراعة والصناعة والثقافة، فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع آلاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون، وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والإمكانات التي كانوا يحتاجون إليها.

وقد ازدهرت الزراعة في عهد هواري بومدين واسترجعت حيويتها التي كانت عليها أياّم الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب إلى كل أوروبا. وكانت ثورة بومدين الزراعية خاضعة لإستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر وإقامة حواجز كثيفة من الأشجار الخضراء بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة إلى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بخدمة العلم الجزائري.

وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بإنشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول المحور الاشتراكي يساهمون في بنائها، ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة، ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر إنتاج النفط الجزائري وتسويقه إلى أن قام هواري بومدين بتأميم المحروقات الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية – الجزائرية، وقد أدى تأميم المحروقات إلى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية. وفي سنة 1972 كان هواري بومدين يقول إن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان العالم العربي.

هذه الأدوار الكبرى جعلت الجزائر في قفص الاستهداف، وفي زاوية التآمر الإقليمي والدولي. و هما تآمران التقيا مع رغبات بعض الذين كانوا في دوائر القرار، والذين لم يكونوا يملكون التجربة السياسية الكاملة ومجابهة الزلزال السياسي في الجزائر..

وإذا كنا قد أشبعنا مرحلة العشرية السوداء والحمراء بحثاً وكتابة وتأليفاً، فيجب تجاوز هذه المرحلة للحديث عن آفاق المصالحة الشاملة، والتي يكمن فيها سر انطلاقة الجزائر الجديدة، حيث يسلم فيها جيل الثورة الراية لجيل الاستقلال، وتكون ثورة نوفمبر هي القاعدة السياسية التي ينطلق منها الجزائريون لبناء دولة قوية سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً وأمنياً وحضارياً ونهضوياً.

والشعب الجزائري ورغم المحن التي توالت عليه ما زال يحتفظ بكلّ مقومات النهوض الحضاري، وما زال متشبثاً بجذوره العربية والإسلامية، ويدرك الشعب الجزائري بأن المصالحة الشاملة هي الخيّار الأوحد للنهوض بالجزائر.

والكل مجمع على أهمية المصالحة الوطنية الشاملة وتأثيرها على مستقبل الجزائر والأجيال المقبلة وتبنّي الشارع الجزائري لها، إلاّ أنّ اللغط قائم في الجزائر حول ماهية المصالحة كما وردت في ميثاق السلم والمصالحة أو كما قدّمه بوتفليقة في اللقاء الموسّع الذي جمعه بإطارات الدولة الجزائرية.

لا شكّ أنّ المرحلة الراهنة التي تمرّ بها الجزائر لا تحتاج إلى إعادة تقليب الصفحات ونكأ الجراح ومراجعة حيثيات وتفاصيل الفتنة الجزائرية، وأنّ كل ذلك أمر موكول للتاريخ الآن، غير أنّ هناك بعض الحقائق التي لا يجب المرور عليها سريعاً لأنّ البناء على الخطأ سيفضي إلى أخطاء أكبر.

الواقع أنّ العنف في الجزائر يتحمّله الطرفان – السلطة والمعارضة - فالسلطة بفرضها حالة الطوارئ وما تبع ذلك باستخدامها لنفس منطق الإرهابيين تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، والأذرع العسكرية للتيار الإسلامي تتحمل الجزء الباقي من المسؤولية وذلك عندما رفضت منطق الحل السياسي وخروج بعضها من تكفير السلطة وإلى تكفير المجتمع، والواقع أن سياسة كسر العظم التي تبنتها السلطة والمسلحّون على حدّ سواء كسرت العمود الفقري للجزائر.

وإذا كانت هذه مسلمّة لا أحد يستطيع أن يقفز عليها، فإنّ هناك مسلمّة أخرى تفيد أنّ جزائر اليوم غير الجزائر البارحة وأنّ هناك تغيّراً ملحوظاً بل وجذريّاً في التطورات السياسية في الجزائر باتجاه الحلحلة السياسية الكاملة، وباتجاه عودة الميّاه إلى مجاريها في هذا البلد الذي يحوي على مقدرّات رهيبة قد يؤدّي استغلالها الاستغلال الحسن إلى إحداث المعجزة في بلد المليون والنصف مليون شهيد.

ولا بدّ من الإشارة إلاّ أنّ تبنّي إستراتيجية المصالحة الشاملة في الجزائر هو الذي أعطى الأمل الكبير للجزائريين بقرب خروج بلادهم من عنق الزجاجة، والأمة تتأثّر سلباً أو إيجاباً بالخطاب السياسي الرسمي الذي تتبنّاه دوائر القرار والتي بيدها لا بيد غيرها رسم المنحنيات التي يكون عليه المجتمع.

وعندما تنسجم هذه الدوائر الصانعة للقرار مع تطلعات الأمة يتحققّ التكامل، وعندما تتناقض تصاب الأمة بنكبة كبيرة وتتسع الفجوة بين الدولة والأمة فتصبح الأولى في واد والثانية في واد آخر ولا يربط بين الاثنين أيّ رابط.

والشعب الجزائري بأصالته الحضارية ووعيه الفطري الذي أفرزته تجاربه السابقة مع الحركات الاستعمارية ومراحل الاستبداد والأحادية كان على الدوام مع المصالحة الوطنية الشاملة ولذلك لن يجد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أدنى معضلة في الحصول على أصوات أغلبية الشعب الجزائري في الاستفتاء المزمع إجراؤه في الجزائر حول صدور قرار العفو الشامل والمصالحة الشاملة.

فالذي صوّت لقانون الوئام المدني لا بدّ أن يصوّت للمصالحة الوطنية الشاملة والعفو الشامل. وثقافة المصالحة الشاملة والعفو وكظم الغيظ والصفح عن الأخ عندما يخطئ هي من أهمّ المفردات المكونة لشخصانية الإنسان الجزائري الذي كان يتقاسم كسرته ولحافه وداره مع المجاهدين وعابري السبيل والمحتاجين والمشردين أثناء الثورة الجزائرية المباركة، وبعد ثورة التحرير تبرّع الشعب الجزائري بكل ما يملك من ذهب وفضّة ومتاع للقيادة السياسيّة التي أدارت دفّة الحكم عقب طرد فرنسا الاستعمارية من الجزائر.

وأثناء الكوارث الطبيعية التي ألمّت بالجزائر كان الجزائري سباقاً إلى نصرة أخيه وإيواء أخيه وإطعامه أثناء الزلازل والفيضانات إلى درجة أن شباب الجزائر كانوا يرمون بأنفسهم وسط المياه المنهمرة والمنجرفة لإنقاذ العجائز والأطفال والنساء الذين كانت تجرفهم المياه المتدفقة والكثير منهم مات شهيداً وهو يؤدّي واجب إغاثة الضعيف.

ومن أسباب تنكبّ مسيرة الجزائر في العشرية الماضية هو التضاّد المطبق بين خيار الأمة الجزائرية وخيار السلطة الجزائرية، ففي الوقت الذي كانت فيه الأمة منسجمة قلباً وقالباً مع خط المصالحة الشاملة، كانت السلطة تتبنّى خط الاستئصال وسياسة العصا الفولاذيّة ومنطق النار.

ولعلّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة هو أول رئيس جزائري ينجح في الدنو من تطلعات الأمة الجزائرية ويجهز على الهوة السحيقة بين الأمة والدولة ويتبنى وبكل صراحة خيار الأمة الجزائرية وهو خيار المصالحة الشاملة والعفو الشامل ليتسنى فيما بعد الانطلاق في عملية النهضة في الجزائر.

وقد ارتفع سقف رصيد المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر وتحولت إلى قناعة جماهيرية عريضة من الجزائر العاصمة وإلى تمنراست في أقصى الصحراء الجزائرية.

وبصدور قرار العفو الشامل وعودة القوة والتماسك إلى الجدار الوطني الجزائري يصبح العمل المسلّح ضدّ الدولة الجزائرية في مطلقه غير شرعي، باعتبار أنّ كل من حمل السلاح والتحق بالجبال لإسقاط الحكم الجزائري سيصير في مأمن وما عليه إلى الرجوع إلى عائلته والانخراط في عقد السياسة والمجتمع.

ولعلّ وقف إراقة الدماء وعودة الجزائريين إلى توادّهم وأخوتهم التي ميزتهم أيام ثورة التحرير المباركة ضدّ الاستعمار الفرنسي سيدخل الجزائر في ثورة ثانية ولكن هذه المرّة في اتجاه إعادة البناء بناء الاقتصاد والتقنية والنهضة والدور الإقليمي والدولي.

إنّ عودة الحيوية إلى الاقتصاد الجزائري وارتفاع الفائض في مداخيل الجزائر من مبيعات النفط والغاز جرّاء ارتفاع أسعار البترول، لا يمكن أن تستثمر هذه المداخيل إلاّ في خضمّ الاستقرار الذي لن تهيئ شروطه الموضوعية غير المصالحة الوطنية الشاملة والتي أصبحت مطلباً جماهيرياً في الجزائر.

(يتبع..)
abouzakaria10@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك