الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مقالات في الأدب والنقد
حجم الخط: + -
المناهج النقدية الحديثة في ضوء التصور الإسلامي (1)
|
08 - 03 - 2010
د. رمضان عمر |
لم ينسلخ النقد الأدبي عن غايات فنية ومضمونية متعددة، لازمته، منذ النشأة حتى اللحظة. ولا يستطيع دارس أن يزعم أن عبثية الفن تمثل انزياحاً فعلياً يلغي غاية النقد ومبررات وجوده.
ولا يمكن الانسياق مع نظرة البعض الذين يرون في الشكل الأدبي غاية في حد ذاته، تحت مسميات المدرسة الجمالية أو الشكلية أو الفنية، أي الفن للفن، بحيث تتساقط الغايات الأخلاقية، والقيم المضمونية التي تشكل جدلية العلافة بين الشكل والمضمون في الإبداع الأدبي.
والوقوف على المناهج النقدية الحديثة، في دراسة تقويمية، من وجهة نظر إسلامية، لا يعني - بحال من الأحوال- محاولة صبغ الشكل الأدبي بقيمة عقدية وعظية تحيله إلى مجموعة نصوص طقسية، تحدد غايتها المضامين.
وهنا نصطدم مع عبارة نثق بها كثيراً "المعاني مطروحة في الطريق"، ومع هذا فإن ارتباط النقد والأدب بالقيم الفكرية الفلسفية - التي تشكل في النهاية معين التجربة، ومنطلقات التشكيل الإبداعي- يجعلنا نتناول أول هذه المدارس من خلال التصور الرؤيوي، الذي لا يقف على حدود المضمون، بل لا بد من اشتباك الرؤية بالمضمون لتحديد وجهة النظر، والوظيفة التي يؤديها المنتج الأدبي أو النقدي.
ومن هنا؛ فإن حديثنا سيطال البناء "النص" من حيث تركيبته الفنية، والمضمون الذي يلازم النص من خلال القيم الدلالية.
ولعل أول منهج نقف معه في حلقاتنا المتتابعة هو النقد التاريخي، والنقد التاريخي ربما اعتبر أكبر المدارس وأقدمها وأكثرها مناسبة لتطور الآداب ومتابعتها من خلال السياق الخارجي.
وهنا، من المهم جداً ألا يفهم من كلامنا، ونحن نتناول هذا المنهج أو ذاك أننا نرفضه، بل ربما تكون المتابعة العلمية والتناول السليم، يؤكدان ضرورة تطوير المناهج المناسبة لنا مستفيدون من إيجابيات هذا المنهج أو ذاك.
بداية، المنهج التاريخي بحث في مدى تأثر العمل الأدبي أو صاحبه بالوسط الذي وجد فيه، وهذه الحقيقة لا غبار عليها، إلا أنها ليست مطلقة ولا يجوز أن تصبح قانوناً طبيعياً كما أراد لها (سانت بيف) أن تكون، بل إن المنطلقات الثلاث التي تحدث عنها (تين): "العصر، والجنس، والبيئة" ستبقى نسبية التأثير لا حتمية.
وإن معيارية النقد التاريخي غير ملزمة حكماً وتقييماً، خصوصاً حينما نتحدث عن القيم الفنية، والفروقات الفردية، أو الحديث عن عبقرية الفرد، ولعل طه حسين قد حمل التاريخ أكثر مما يحتمل وهو يحاكم الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي أو شعر أبي العلاء المعري.
لذا، فنحن نزعم أن الاكتفاء بدراسة النص من الخارج، وإن كانت ستقدم تفصيلات هامة في تحديد هوية النص وجذوره ومنطقاته الفكرية والسياسية والاقتصادية، إلا أنها ستحرم النص من أهم قيمة تلتصق به وهي القيمة الإبداعية، وهنا، قد يتحول النص إلى مجرد وثيقة تاريخية تتساقط معها القيم الأسلوبية الفنية التي تميزه عن أي جنس لغوي آخر.
أما النقد السياقي فهو يؤمن إلى حد كبير بقيمة العوامل الخارجية في توجيه القيم الإبداعية، وهذا ليس عند (بيف) و(تين) فقط، بل إن الجاحظ، ومن قبله الأصمعي قد تحدثا عن الغريزة، وأثرها في الفحولة، مبينين أن العرب لهم خصائص تمكنهم من التميز في هذا الجانب.
أما (تين) فقد تمادى في نظرته عندما زعم أن العنصر الآري متفوق على غيره من العناصر. وقد ذم النقاد الغربيون الحس الشرقي متهمينه بالجمود والبعد عن الخيال السابح القادر على الخلق والإبداع.
أما من حيث الأسلوب أو اللغة واستخداماتها فإنها تخضع بلا شك إلى شيء من توجيهات العصر ولذا سيجد القارئ فرقاً بين لغة الشعر الجاهلي وشعر العصر العباسي بل إن قصة الشاعر العباسي الذي وفد على الخليفة فأنشده:
أنت كالكلب في وفائك العهد
وكالثور في قراع الخطوب..
تبين تأثر الأسلوب بالبيئة؛ فقد لانت لغته بتغير البيئة حينما أمر به الخليفة أن ينقل إلى الرصافة فقال:
عيون المهى بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري..
بل هذا ما أصاب شعر حسان - رضي الله عنه وأرضاه- حينما تأثر بلغة القران، وإن شئت بعصر القرآن فظن في شعره بعض نقدة الشعر ليناً وما هو بذاك، إنما تأثرت لغته بالبيئة الجديدة.
بيد أن الاكتفاء بهذا النهج التناولي سيحرم النص- أيضاً- من الكشف عن الرؤى المتمثلة في التحليق والخيال والبعد المثالي.
أما أن النص الأدبي سيفقد الكثير من متعلقاته إذا لازمه جهل بالتاريخ - كما يرى (أندرسون إنبرت)- في كتابه النقد الأدبي فهذا صحيح إلى حد كبير؛ فالنص الأدبي ليس مجرد نص لغوي، مكتف بعناصره، بل هو - أيضاً- حقيقة تاريخية واجتماعية كذلك، وهنا يتشكل البعد الوظيفي للنص.
(يتبع)..
ramadan.omer@yahoo.com