الفصل الثاني:

التهيئة للتحقيق وأساليبه النفسية والجسدية والعروض التي تقدمها أجهزة أمن عباس للمجاهدين:

أولاً- التهيئة للتحقيق:

بعد اعتقال المجاهد من خلال إحدى الطرق التي تم تناولها في النقطة السابقة تجري التهيئة للتحقيق من خلال القيام بالإجراءات التالية:

1- الفحص الطبي:

حيث يخضع المجاهد – غالباً – فور اقتياده إلى إحدى القوات التابعة لأجهزة أمن عباس للعديد من الفحوصات الطبية، والهدف من ذلك اختصار معرفة ما يشكو منه المجاهد وما يعاني من إصابات لتجنبها في أحيان معينة، ولاستغلالها في أحيان أخرى، وممارسة مزيد من الضغط لانتزاع اعترافات منه.

أحد المجاهدين اعتقل بعد إجرائه عملية ديسك في ظهره وعند بدء التحقيق معه أخبر محققيه بحالته الصحية، بيد أنهم لم يكترثوا له واستغلوا مكان العملية وقاموا بالضغط عليه من خلالها إلى أن سقط على الأرض مغشياً عليه حيث أُحيل إلى العيادة لمعالجته.

وفي كل الأحوال ينبغي للمجاهد أن يكشف عن حالته الصحية بشكل كامل ليلقي بالمسؤولية القانونية على أجهزة أمن عباس فيما لو تعرض لأي مكروه – لا قدر الله -، والأهم من ذلك هو قيام الأهل بإبلاغ المؤسسات الحقوقية، وبالذات الصليب الأحمر عن حالة ابنهم وتزويدها بالتقارير الطبية اللازمة لتشكل أداة ضغط على تلك الأجهزة لعدم ممارسة التعذيب ضده.

2- تسجيل الأمانات:

حيث يتم تحويل المجاهد إلى مسؤول الأمانات في الجهاز الذي قام باختطافه وتسجيل أماناته على نموذج خاص بذلك، وبعد توقيع المجاهد على هذا النموذج يتم وضع الأمانات في كيس ثم في خزانة مخصصة لذلك.

وفي هذا السياق ننوه إلى ضرورة حرص المجاهد على ألاّ يكون بحوزته أمانات كثيرة، لأنه ببساطة يمكن التلاعب بها، أو سرقتها كما جرى مع العديد من المجاهدين، حيث جرى سرقة أموال وأجهزة هاتف نقال من قبل عناصر تلك الأجهزة، وهذا ليس غريباً عليهم إذا ما نظرنا إلى طبيعة تلك العناصر وطبيعة الرقابة فيها.

هذا إلى جانب إمكانية وضع أجهزة تنصت في ساعة اليد أو أجهزة الاتصال الخاصة باتجاهه.

ومن الأمور والأشياء التي يتم مصادرتها ووضعها في الأمانات بالطبع هي: رباط الحذاء/ ساعة اليد/ الخاتم/ الأموال/ الأوراق الشخصية/ الهوية/ الجوال/ الحزام... إلخ.

3- جلسة الاستكشاف:

وبعد إتمام الإجراءات المتعلقة بتسجيل الأمانات والفحص الطبي يقوم أحد المحققين أو مجموعة منهم بأخذ المجاهد والجلوس معه في غرفة التحقيق وإجراء دردشة سريعة معه حيث يتم التركيز فيها على ما يلي:
الحالة الاجتماعية والبيانات الشخصية.
معنويات المجاهد وهمته.
نظرته للأجهزة الأمنية.
موقفه تجاه ما قامت به الحركة في غزة.
سؤاله: هل تعرف لماذا أنت معتقل؟!

طبعاً هذه "الدردشة" الهدف منها هو استكشاف نفسية المجاهد وصفاته الشخصية وطريقة تكفيره وفحص معنوياته وردة فعله على الاعتقال إلى غير ذلك، وهكذا يساعد طاقم التحقيق الذي سيتولى عملية التحقيق مع المجاهد في تحديد سيناريوهات التحقيق وترتيب الأدوار من أجل تطويعه ومن ثمّ انتزاع اعترافات منه.

وهنا لابد للمجاهد أن يستعين بالله ابتداءً، ومن ثم يحافظ على توازنه وهدوئه ورباطة جأشه، وأن يقوم بالإجابة على أسئلة المحققين بحذر شديد، وأن يحرص على عدم استفزازهم قدر المستطاع لئلا يتم حسم معركة التحقيق معه فيخسر أو يتعرض لأي مكروه، سيما وأن غالبية المحققين – إن لم يكن جُلهم – معبؤون تعبئة حاقدة ويعتبرون المجاهد بأنه "مجرم وقاتل وغير حريص على مصالح الوطن"!!
هذا إلى جانب عدم وجود ضوابط تحكم أفعالهم وتصرفاتهم.

لذا من المهم أن يعمل المجاهد على امتصاص المحققين دون أن يمس ذلك من كرامته في شيء، وأن يتمتع برباطة جأش وصبر وقدرة عالية على التحمل، سيما وأن معركة التحقيق طويلة وغير متكافئة.

4- قيام السجانين والمحققين ببعض الحركات والأفعال الاستعراضية بعد الانتهاء من جلسة الاستكشاف التي تم الإشارة إليها في النقطة السابقة، حيث يقوم السجانون أو المحققون بجرّ المجاهد إلى زنزانته أو المكان المخصص لشبحه بعنف وقوة مع توجيه اللكمات وكيل الشتائم له، فضلاً عن تهديده بألوان التعذيب.
وأثناء ذلك قد يقومون باستعراض ما جرى مع الهالك سميح المدهون وغرّيب وغيرهم من قادة أجهزة الأمن الذين قُضي عليهم في غزة أثناء الحسم المبارك، وأن الوقت قد حان للانتقام من الحركة وأبنائها..

ومن الواضح أن القيام بمثل هذه الحركات والأفعال الاستعراضية يهدف إلى ما يلي:
بث الخوف والرعب في نفس المجاهد من أجل تهيئة نفسيته للاعتراف والانهيار.
محاولة كسر عزيمة المجاهد وإذلاله والمس بكرامته.
إيصال رسالة للمجاهد مفادها بأنه سيدفع ثمن ما قامت به الحركة في غزة.
خلق حالة من الصدمة للمجاهد بأنه وقع في قبضة هذه الأجهزة التي لا ترحم وأنه يجب عليه الاعتراف بكل شيء.. إلخ، وذلك لإرباك الأخ وخلط الأوراق عليه وعدم إعطائه مساحة أو فرصاً للتفكير أو التماسك.

وهنا ينبغي للمجاهد أن يستدعي كل معاني الصبر والإيمان وأن يتوكل على الله ويُسلم له أمره وألا يُظهر الارتباك والخوف والجبن، وأن يحاول تفريغ الحركات والأفعال التي يقوم بها المحققون من مضمونها وأن هذه الحركات والأفعال قد تهيأ لها تماماً، وأنه يدرك المغزى من ورائها.
حيث أن معرفة الأخ بمجريات هذه الحركات والأفعال وما سيأتي لاحقاً من تصرفات للمحققين والسجانين يُعطي صورة للمجاهد بأن هذه التصرفات لا تفاجئه ولا تصدمه وفي نفسيته الداخلية يعلم الخطوات القادمة لهم وتصرفاتهم وبذلك تتهيأ نفسيته لاستيعاب مراحل التحقيق مرحلة مرحلة دون أن تهتز نفسية الأخ أو تُصاب بالذعر أو المفاجأة.

ثانياً- أساليب الضغط النفسي:

1- التشكيك بوجهة الحركة وأجندة قيادتها:

ويبدأ العمل بهذا الأسلوب منذ اللحظات الأولى لبدء عملية التحقيق حيث يقوم المحققون وبمساعدة من السجانين وفي بعض الأحيان بمساعدة أشخاص محسوبين على حركة فتح يتم استدعاؤهم بطلب من المعتقل (صداقة أو قرابة) كل هؤلاء يقومون بالتشكيك بوجهة الحركة وأهدافها مستغلين بعض التصرفات والمواقف الصادرة عن كوادر من الحركة بالضفة حول ما قامت به الحركة في غزة من حسم مبارك بأنها لا تنسجم - إلى حد ما - مع الموقف العام للحركة.

وفي هذا السياق يقوم المحققون باستعراض تصريحات سابقة للشهيد نزار ريان والذي دعا في أحد تصريحاته بعد الحسم إلى الصلاة في منتدى الرئيس بغزة تارةً وفي مقاطعة رام الله تارة أخرى.

وكذلك تصريحات د . يونس الأسطل وهو أحد نواب الحركة من غزة والذي قام بتأصيل الحسم العسكري من الناحية الشرعية على فضائية الأقصى ووصف فيها منتسبي الأجهزة الأمنية بالمنافقين والعملاء.. ثم تصريحات للدكتور محمود الزهار والذي طالب في خطابات وتصريحات له بتشكيل قوة تنفيذية في الضفة ومواجهة الفلتان الأمني الذي تقوم به أجهزة أمن عباس، إلى غير ذلك من تصريحات/ وباستعراض مثل هذه التصريحات يصور المحققون للمجاهد وبطريقة منظمة بأن بعض قيادات الحركة قد اختطف قرار الحركة وأخذ زمام المبادرة فيها، وتخلت عن المقاومة وباتت تنفذ أجندات خارجية في إشارة إلى إيران وسوريا.

طبعاً هذا الأسلوب تستخدمه أجهزة أمن عباس بهدف ضرب ثقة المجاهد بحركته وبقياداتها، الأمر الذي يساهم - حسب اعتقادهم - بتشويش فكر المجاهد وزعزعة ثقته بقيادته للوصول إلى انتزاع الاعتراف منه..

المهم هنا: ألا يلتفت الأخ المجاهد لما يقوله المحققون على هذا الصعيد، وألا يشغل نفسه في مجادلتهم لأن هذه القناعات لا يمكن تغييرها في جو التحقيق، وأن المحققين هم من أكثر الفئات حقداً على حماس وقياداتها، هذا بالإضافة إلى ضرورة قطع الطريق عليهم في هذه النقاشات والادعاءات بأنه غير معني لما يصدر من تصريحات ومواقف من قبل طرفي النزاع على الساحة الفلسطينية، وأن ما يهمه هو وضعه الشخصي فقط.

2- التخويف وبث الرعب:

يقوم المحققون وحسب درجة تعاطي المجاهد معهم باستخدام أسلوب التخويف وبث الرعب لإضعاف نفسية المجاهد وإرهاقه وإتعاب جسده وأعصابه ولإشغال عقله بالتفكير بما ستحمله الساعات والأيام القادمة، الأمر الذي يضع المجاهد في حالة من التوتر والترقب والاضطراب، وبالتالي استنزاف قدراته الذهنية والعقلية باتجاه وضعه في حالة الانهيار التام..

ومن الأمثلة التي يخوف بها المحققون المجاهد:

نقله مثلاً إلى مقر تحقيق آخر، كمقر الوقائي في أريحا أو بيتونيا.. حيث تقفز إلى ذهن المجاهد صور تخيلية لألوان وصنوف العذاب.
أو تهديده باستقدام مجموعة من العساكر على هيئة أشباح ملثمين للانقضاض عليه دون الاكتراث لأية عواقب، باعتبار أن ما يقومون به - حسب ادعائهم - حتى لو أدى ذلك لتشوه المجاهد أو موته فلن يساوي شيئاً مما قامت به حماس في غزة ضد أجهزة أمن عباس هناك.

وفي هذا السياق لا بد للمجاهد أن يستعين بالله سبحانه وتعالى العظيم الجبار ويلهج بالأذكار والدعاء والتسبيح ويشغل نفسه بقراءة القران "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، وأن يحافظ على تماسكه وهدوئه وتوازنه، وأن يظهر عدم خوفه من أي شيء حتى من الموت، لأن الأجل بيد الله سبحانه وتعالى وحده، وأن أي مساس به سيدفعه للمطالبة بحقه داخلياً وخارجياً.

3- الحرمان من النوم:

وهذا الأسلوب يستخدم ضد المجاهد على مدار التحقيق حيث تصل فترة حرمانه من النوم إلى أكثر من عشرة أيام قبل إعطائه فترة راحة لا تتجاوز بالمجمل الساعتين.

وعادة ما يستخدم هذا الأسلوب بالتوازي مع أسلوب الشبح الذي يعتبر أحد أساليب الضغط الجسدي والذي سنتطرق إليه لاحقاً إن شاء الله.

ويصاحب ذلك كله فتح المسجلات على أغاني تحريضية وبدرجة عالية من الصوت.

ونتيجة لذلك قد يصاب المجاهد بالتعب والهزل والهلوسة بشكل مؤقت وهذه نتيجة طبيعية ولكن يجدر بالمجاهد هنا وفي مواجهة هذا الأسلوب استحضار معاني الإيمان وحشد طاقته واستدعاء عناصر القوة لديه وبذل مزيد من الصبر "فالنصر صبر ساعة".

4- وضع الأخ المجاهد قرب ساحة الشبح:

وذلك أن يتم وضع الأخ قرب ساحة الشبح أو في غرفة يسمع من خلالها أصوات الإخوة وهم يعذبون ويسمع صراخهم وبكاءهم مما يشكل حالة نفسية لدى الأخ بالخوف والرعب وهذا الأسلوب يتم استخدامه كمقدمة لإرهاب المعتقل وتخويفه ولجعل نفسيته تصاب بالانهيار. وهنا نقول إن هذا الأسلوب يجب أن يدفع الأخ إلى الشعور بمزيد من النقمة على هؤلاء المحققين المجرمين ودفعه إلى التحدي والصبر ومن خلال علمه بأن الهدف من ذلك إرعابه وتخويفه يتحول ذلك إلى شعور بالثبات والقدرة على المواجهة وتحدي هذا الأسلوب طبعاً إلى جانب الدعاء والاستعانة بالله عز وجل..

5- توجيه الشتائم والكلام البذيء:

يعتبر هذا الأسلوب من أكثر الأساليب النفسية المستخدمة ضد المجاهد لما له من أثر في إيلام المجاهد واستفزازه ودفعه للخروج عن توازنه.

ويستخدم هذا الأسلوب بشكل تصاعدي تبعاً لمجريات التحقيق مع المجاهد ومدى تعاطيه مع محققيه حيث يبدأ المحققون بتحضير المجاهد وإهانته وصولاً إلى سب الذات الإلهية والتطاول على رب العالمين.

أحد المجاهدين كان مشبوحاً لساعات وأيام طويلة وكان أثناء ذلك يقول: يا الله يا الله..

(فرد أحد المحققين عليه بالقول: خلي الله ينفعك)!

لا شك أن هذا الأسلوب الرخيص إنما يستهدف كرامة المجاهد وعفته وطهارته ومعتقداته ويسعى لإخراجه عن توازنه كما أسلفنا، لذا من المهم أن يدرك المجاهد ذلك جيداً.
وألا ينجر إلى نفس المربع وأن يبدي سخريته من هذا الأسلوب وأن يثبت للمحققين بأن هذا الأسلوب لا يعبر عن شجاعة أو رجولة أو بطولة بقدر ما يعبر عن إفلاس وأزمة أخلاقية وسلوكية وتحدياً لرب العالمين.

6- التهديد باعتقال الأقارب وبالذات الزوجة والأولاد والأخوات:

هذا الأسلوب يعتبر من أكثر الأساليب استفزازاً للمجاهد بالنظر إلى السجل الحافل من الاغتصاب والممارسات اللاأخلاقية لقيادات وأفراد أجهزة أمن عباس والذي باتت سيرهم على هذا الصعيد مادة للحديث فيها عند الكثيرين.

ولكن حتى نضع الأمر في نصابه لم يسجل حتى الآن أن قام عناصر تلك الأجهزة باعتقال أي من زوجات أو أخوات المجاهدين لابتزازهم ودفعهم للاعتراف وكل ما حدث حتى الآن هو مجرد استدعاء لبعض الأخوات بزعم قيامهن بنشاطات لصالح الحركة ومن ثم أخلي سبيلهن ولم يتعرضن لأي سوء، وهذا لا يعني بالطبع استحالة قيام أجهزة عباس باللجوء إلى هذا الأسلوب مستقبلاً وإن كنا لا نرجح ذلك ولكن من المهم لحد هذا السياق وبالاستناد إلى ما سبق ذكره أن يحافظ المجاهد على هدوئه وتوازنه إزاء هذا الأسلوب وأن يحاول أن يصور هذا الأسلوب لمحققيه بأنه صناعة "إسرائيلية" ولا يمكن لفلسطيني أن يسمح لنفسه باستخدام هذا الأسلوب.

7- إيهام المجاهد باعتراف قيادات الحركة دون تحقيق:

هذا الأسلوب ومن خلال قراءة تجارب الكثير من المجاهدين يعتبر من أكثر الأساليب استخداماً في التحقيق وفي بعض الأحيان الأكثر فعالية، حيث يقوم المحققون بالاستشهاد ببعض قيادات وكوادر الحركة من مختلف المناطق الذين أدلوا باعتراف دون تحقيق، وهذا صحيح إلى حد ما ولكن المحققين يصورون الأمر للمجاهد على أنه ينسحب من كل قيادات الحركة وكوادرها في الضفة، وهذا مما لا شك فيه يضعف من إرادة المجاهد على الصمود بل ويدفعه في بعض الأحيان للاعتراف من باب أنه ليس أفضل من قياداته.

أحد المجاهدين كان قد اعتقل ذات مرة لدى أحد الأجهزة الأمنية على خلفية ترؤسه للعمل الطلابي في بعض الجامعات في منطقة معينة وقد تعرض للتعذيب الشديد من أجل الإقرار بهذه التهمة ولكنه أنكر ذلك واستمر على إنكاره حتى تم الإفراج عنه. وبعد مرور عدة أشهر، تم اعتقال عدد من قيادات وكوادر الحركة في هذه المنطقة وقد اعترف بعضهم على هيكلية ومقدرات الحركة بدون أي ضغط أو تعذيب، وكان من ضمن اعترافاتهم اعترافهم عن المجاهد المذكور فاعتقل مرة أخرى ومن ثم تمت مواجهته باعتراف المسؤولين عنه وإخباره بأنهم قد أدلوا بالاعترافات وهم يشربون القهوة مع المحققين. ولم يكن أمام المجاهد بعد تعرضه للصدمة حسبما قال إلا التأكيد على تلك الاعترافات وما جاء فيها، وهنا ينبغي الإشارة إلى أنه من الطبيعي أن تتفاوت القدرات من شخص لآخر ولكن اعتراف المسؤول أو القائد على خطورته ليس مبرراً للاعتراف أو ذريعة للانهيار.. محل اعتبار، على أن الجميع بصرف النظر عن حجم المسؤولية على ثغرة فلا يجوز أن تؤتي الحركة أو القوة من خلال أي أخ.

8- التهوين والتهويل:

وهذا الأسلوب يعتبر (أسطوانة مشروحة) لكثرة استخدامه من قبل أجهزة المخابرات على مستوى العالم حيث يقوم المحققون بتهوين وتبسيط تهم المعتقل تارة وتهويلها تارة أخرى، ويكون ذلك بإغراء المجاهد بحكم بسيط أو وعد بالإفراج عنه في حال أدلى باعترافه أو بتهديده بتحويل ملفه إلى ما يسمى بمحكمة أمن الدولة ورفع توصية للقضاء هناك بردعه واستصدار حكم عالٍ بحقه في حال أصر على عدم الاعتراف، هذا إلى جانب وضعه في زنازين انفرادية لفترة طويلة.

أحد المجاهدين اعتقل على خلفية التحريض بتصوير مسيرات ضد أجهزة أمن عباس بسبب استمرارها بممارسة الاعتقال السياسي بحق أبناء الحركة، وأثناء التحقيق معه من قبل أحد المحققين قال له الأخير إن تهمتك بسيطة وليست ذات أهمية بالنسبة لهم وإنه في حال أقررت بتلك التهمة فسيتم الإفراج عنك في غضون ساعتين على الأكثر. وفي سبيل إقناع المجاهد بذلك تم استعراض تهم وجهت لمعتقلين آخرين تتمثل بالتخطيط لاختطاف عناصر بالأجهزة الأمنية ثم إطلاق النار عليهم، وقد أفرج عنهم في غضون أيام بعد إقرارهم بالتهم.

أما إذا بقيت على عنادك - والكلام لأحد المحققين من تلك الأجهزة - ولم تعترف بالتهمة الموجهة لك فسيتم إحالة ملفك إلى محكمة أمن الدولة بتهمة التآمر ومحاولة الانقلاب على السلطة وهذه التهمة قد تصل عقوبتها إلى حد الإعدام.

وقد أقر المجاهد تحت ضغط هذا الأسلوب وأساليب أخرى بالتهمة الموجهة إليه واعترف أمام المحققين بالتفاصيل المتعلقة بتلك التهمة.

وأخيراً وليس آخراً من هذه النقطة فإن على المجاهد أن يعتمد على الله فهو الذي يضر وينفع ويعطي ويمنع وبيده كل شيء.. وأن يبقى على صموده لأن ذلك الأسلوب يعني بكل تأكيد فشل الأسلوب.

9- الادعاء بوجود اختراق داخل الحركة:

حيث يدّعي المحققون بموجب هذا الأسلوب بأنهم قد جندوا بعض قيادات الحركة لاختراقهم من الداخل وأن الكثير من المعلومات التي بحوزتهم حول نشاطات المجاهدين وعلاقاتهم واتصالاتهم تصلهم من قبل تلك القيادات التي تعمل لصالحهم.

طبعاً المقصود من استخدام هذا الأسلوب كما في الأساليب السابقة تشكيك المجاهد بحركته وقيادته ومن ثم استدراجه نحو الاعتراف.

إزاء ذلك لا بد أن تكون ثقة المجاهد بحركته وإخوانه كبيرة، لأن حركتنا وهذا ليس من باب المزايدة على أحد، أقل اختراقاً من غيرها من الفصائل بحكم أن أبناءها محصنين بدرجة كبيرة ووسائل اتصالهم وعلاقاتهم آمنة إلى حد بعيد، وهذا بشهادة العدو (والفضل ما شهدت به الأعداء) ولنسلم جدلاً أن هناك ثمة اختراق من قبل أجهزة عباس لبعض مواقع الحركة فلماذا تصر هذه الأجهزة على اعتراف المجاهد طالما أنها تملك كل تفاصيل العمل داخل الحركة.. ثم هل يجوز للمجاهد أن يعتبر تلك الأجهزة مصدر معلومات ليطمئن إليها؟!!

10- التهديد بالفصل من الوظيفة:

بعض المجاهدين الذين تعتقلهم أجهزة عباس - دايتون هم موظفون حكوميون وقد يستغل المحققون ذلك ويهددون هؤلاء المجاهدين بفصلهم من وظائفهم الحكومية باعتبارهم أن أجهزتهم تملك القدرة والصلاحية لفعل ذلك فضلاً عن كونها تتمتع بسلطة على الأجهزة الإدارية للسلطة الفلسطينية..

في هذا السياق يستطرد المحققون في تداعيات هذا الفصل على المستوى الشخصي والأسري لدرجة تصور فيها للمجاهد في حال فصله من وظيفته وهو يتسول لقمة العيش له ولأسرته على قارعة الطريق.

طبعاً هذا الأسلوب له حالة تأثير على بعض الحالات إلى حد ما مما اضطرها إلى الاعتراف.. وفي هذا الصدد لا يفوت المجاهد أن أمر الرزق بيد الله وحده لا بيد أحد غيره، فلا يجوز أن ينحني أمام هذا الأسلوب ويخضع له.

11- مواجهة المجاهد بأبناء قضيته:

لا شك أن هذا الأسلوب الذي يستخدمه المحققون له بالغ الأثر على نفسية المجاهد وصموده خاصة إذا كان المحققون يعتمدون على عنصر المفاجأة والمباغتة في استخدامه.

وهذا الأسلوب باختصار شديد يتمثل بقيام المحققين في مرحلة متأخرة من التحقيق - وهذا بالمجمل - بوضع أبناء القضية الذي أدلوا باعترافات أمام المجاهد يطلب منه الاعتراف كما اعترفوا هم من قبله مما يزيد من حجم الضغط النفسي على المجاهد ويضعه في حالة من الإرباك وفي بعض الأحيان - كما جرى مع بعض المجاهدين - مما يدفعه إلى الانهيار التام.

وحيث أن هذا الأسلوب من أخطر الأساليب التي يستخدمها المحققون في سبيل انتزاع الاعترافات من المجاهدين إلا أن إبداء التماسك من قبل المجاهد وتكذيب اعترافات الآخرين وتفنيدها والبقاء على حالة الصمود وكفيل بعزل تأثير هذا الأسلوب على نفسيته وأعصابه وتوازنه، فضلاً عن إجبار المحققين للتراجع عن استخدام هذا الأسلوب كورقة ضغط، مع الإشارة بالطبع إلى أن رفض المجاهد لاعترافات الآخرين وتفنيدها قد يعقبه جولة من الضغط الجسدي، ولكن حسب تجارب البعض قد تكون الأخيرة.

12- الإهمال:

وهذا الأسلوب يستخدم بالتوازي مع الشبح، حيث يتعمد المحققون أمام صمود المجاهد وعناده إلى إهمال لعدة أيام بعد إشعاره بذلك مسبقاً وأنه سيبقى مشبوحاً إلى ما شاء الله، سيتركونه في الشبح أو في الزنازين منفرداً لقضاء إجازتهم أو للمشاركة في إحدى الدورات التدريبية وأنهم لن يكترثوا لما سيحصل معه لاحقاً باعتباره المسؤول عما سيؤول إليه وضعه.

وهنا يبدأ المجاهد المقصود حالته النفسية والصحية أثناء إهماله لفترة طويلة لدرجة قد يصحبه خياله وإيهام المحققون له إلى حد رؤية نفسه وهو مشلول خاصة إذا كان معلقاً بالسقف أو على الشباك، الأمر الذي قد يساهم في تسرب الوهم والضعف إلى نفسيته وبالتالي التفكير الدافع للاعتراف. وفي حقيقة الأمر ومن خلال تجارب بعض المجاهدين فإن غالبية المحققين في أجهزة أمن عباس إن لم يكن كلهم ليس عندهم طول صبر أو أناة فضلاً عن اعتقادهم بأن المجاهد إذا بقي على حاله هذا لفترة طويلة فإنه قد يألف جو التحقيق وبالتالي يتحول من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم وهذا ما لا يريده المحققون.

لذا من المهم هنا ألا يكترث المجاهد لهذا الأسلوب الذي يحاول من خلاله المحققون تقليد المخابرات "الإسرائيلية" بل ويجب عليه أن يثبت على موقفه ويستمر في صبره وصموده وفي ذات الوقت يشغل وقته بالذكر والاستغفار وقراءة القرآن إذا ما تم استخدام هذا الأسلوب.

13- الحرمان من الحقوق:

هناك العديد من الحقوق التي يجب أن يحصل عليها المعتقل أثناء التحقيق معه ومنها على سبيل المثال لا الحصر: العبادة بكافة أشكالها، الأكل، الماء، الاستحمام، أدوات التنظيف، السجائر، الملابس... إلى غير ذلك.

وهذه الحقوق كفلتها القوانين المعمول بها في مناطق السلطة الفلسطينية، فضلاً عن اتفاقية جنيف الرابعة.

لكن هذه الأجهزة لا تلتزم بهذه القوانين إجمالاً، بل وتعمل على استغلالها من أجل ابتزاز المعتقل وممارسة مزيد من الضغط عليه لإجباره على الاعتراف.

وقد حرم أحد المجاهدين من الصلاة وقراءة القرآن لدى أحد أجهزة أمن عباس، وعند إصراره على ذلك قال له أحد المحققين وبكل تبجح إذا سئلت يوم القيامة عن منعك الصلاة وقراءة القرآن فقل لربك إننا المسؤولون عن ذلك!!

وهناك الكثير من المجاهدين الذين حرموا من الاستحمام لفترات طويلة وصلت إلى شهر كامل إضافة لمنعهم من تغيير ملابسهم وحلق شعرهم وقص أظافرهم ولا شك أن ذلك يلقي بظلاله "في بعض الأحيان" على نفسية المجاهد، وفي أحيان أخرى على استمرار صموده، ولكن يجب على المجاهد الذي يخوض معركة التحقيق أن يتوقع كل شيء، فمثل هذه المعركة بالنسبة لأجهزة عباس كما صرحوا بذلك لا تحكمها قوانين وأخلاق أو قيم، عليه أن يتكيف مع هذا الواقع قدر المستطاع وألا ينفك بمطالبة حقوقه.

14- منع الأهل والمحامين والمؤسسات الحقوقية من زيارة المجاهد:

هذا الأسلوب إنما يُستخدم من قبل المحققين بهدف عزل المجاهد عن العالم الخارجي وحرمانه من التواصل مع غير المحققين وهذا بالتأكيد يضيف معاناة أخرى من مسلسل معاناة المجاهد في فترة التحقيق وهذا الأسلوب تربطه أجهزة أمن عباس دايتون بمجريات التحقيق مع المجاهد و بالاستناد إلى نفسيته ومعنوياته. وقد استغل المحققون هذا الأسلوب غير مرة لتوتير أعصاب المجاهدين وتحطيم معنوياتهم.

أحد المجاهدين تسربت أخبار تفيد بنقله إلى أحد المستشفيات بسبب تردي وضعه الصحي أثناء التحقيق معه وقد استغل المحققون ذلك وادّعوا أمامه بأن والدته وفق تلقيها الخبر نقلت إلى المستشفى وهي بين الحياة والموت حيث قاموا بمساومة هذا المجاهد على اعترافه مقابل إطلاق سراحه ليتسنى له الاطمئنان على والدته، وأمام ذلك اعترف المجاهد بالتهم المنسوبة له وكانت المفاجأة بأن المحققين قاموا بخداع هذا المجاهد ولم يطلقوا سراحه بل لم يسمحوا له حتى بالاتصال الهاتفي مع والدته بحجة أنه لم يعترف بكل شيء.

وفي مواجهة هذا الأسلوب الذي لا يوجد له مسوغ قانوني ينبغي للمجاهد أن يكثف من التواصل مع الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

وألا يتعاطى مع المحققين في حال استغلوا هذا الأسلوب للابتزاز والضغط، لأن ما يُسمع من أخبار على لسان محققيه إنما هو مجرد أكاذيب لخدمة التحقيق.

15- العدو والصديق:

وهو أحد الأساليب الأكثر استخداماً لدى أجهزة عباس وهو بالطبع أسلوب مخادع يقوم على تقمص أحد المحققين دور الحريص على مصلحة المجاهد والمهتم بشأنه والقلق على حاله ولا يفتأ في هذا السياق أن يظهر الإنسانية والتعاطف كما أنه في مقام الأب أو الأم وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك، وبالتوازي مع هذا الدور يقوم محقق آخر بتقمص دور العدو الحاقد الذي يقوم بكل ما يقوم به أي عدو من إبداء الكراهية وتوجيه الشتائم فضلاً من التعذيب وممارسة المساومة.

وحتى لا نستطرد كثيراً يكفي الإشارة إلى أن هذا الأسلوب وباختصار شديد يظهر وجهين مختلفين ولكنهما لعملة واحدة صنعت وشكلت على عين واحدة.

وبالتأكيد فإن هذا الأسلوب لم يكن ليستخدم لولا أنه يحقق نتائج كبيرة ومن خلال قراءة عدة تجارب وجد أن معظم الذين يدلون باعترافات اعترفوا أمام ما يسمى بالمحقق الصديق. وهذا ليس غريباً إذا ما استحضرنا جو التحقيق الرهيب وعتمة السجن، واستحضرنا أساليب القهر والتنكيل والإذلال حيث يميل المعتقل إلى الصوت الحاني والصدر الدافئ الذي يخرج من بين هذه العتمة وهذا الركام لدرجة قد ينسى أنه أمام محقق بشع ولكنه يظهر بمظهر إنساني مخفياً وجهه الحاقد والقبيح وفي كل الأحوال ينبغي على المجاهد أن يحذر من هذا الأسلوب ولا يجعل من نفسه عجينة سهلة تتشكل وفق إرادة المحققين رغم اختلاف أدوارهم.

وهذا لا يعني أن يدخل المجاهد في مجابهة مع كل المحققين حيث يمكن الاستفادة من دور الصديق لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق وإيصال الرسائل اللازمة والتحفز من جديد لجولات لاحقة.

16- الاتهام بالعمالة أو الاختلاس المالي أو السقوط الأخلاقي:

هذا الأسلوب تستخدمه أجهزة أمن عباس بالمجمل مع أنصار الحركة أو حديثي العهد بها حيث تستغل بعض الهفوات التي يمكن أن يكون قد وقع بها المجاهد ذات مرة قبيل التزامه أو إعلانه مناصرته للحركة أو قد يشاع عنه ظلماً وزوراً ومن ثم التهديد بفضحه على الملأ إذا لم يثبت عكس ذلك ويتعاطى مع المحققين ويتحدث عن مشواره الجهادي أو ما قدمه من مساعدات وخدمات لإخوانه المجاهدين.

ويهدف هذا الأسلوب بالطبع إلى استفزاز المعتقل ونقله إلى دائرة جديدة من المواجهة في خضم معركة التحقيق لاستنزاف قواه ودفعه لحشد كل طاقته وإمكاناته في سبيل الدفاع عنه وعن سمعته وشرفه وتاريخه وبذلك يمكن إحداث اختراق في جدار صموده وثباته.

وعندئذٍ قد يضطر المعتقل إلى الحديث عن كل ما قام به من فعل جهادي ليثبت لمحققيه بأنه ليس كما يتصورون أو يعتقدون وهنا يقع في الشرك الذي نصب له.

وقد استهدف أحد المجاهدين من إحدى المناطق بهذا الأسلوب بعد استغلال ما تعرض له من ظلم في سجن مجدو وعلى أيدي إخوانه إبان اندفاع الحركة في بعض السجون للعمل الأمني والذي ترك بظلاله على الكثير من المستويات لسنا بصدد تفصيلها، المهم هنا أن هذا المجاهد اعترف لمحققيه بأشياء لم تحصل أصلاً حسبما يقول.. وذلك حتى لا يُقدم لمحكمة أمن الدولة بتهمة الخيانة وحتى لا يتم تشويه سمعته وسمعة أهله.

أحد الإخوة والذي له زوجة تعمل مع الأخوات في مواقع قيادية وأثناء التحقيق معه قاموا باتهام زوجته باتهامات كثيرة لتحطيم نفسيته وإرغامه على الاعتراف، ولكن وعي الأخ وثقته بزوجته ومعرفته بأساليب التحقيق صمد وثبت بفضل الله تعالى وفشل هذا الأسلوب مع الأخ الذي انتصر على محققيه والحمد لله.

أحد الإخوة المسؤولين والذي كانت عليه اعترافات مالية قاموا باتهامه باختلاس الأموال لأنه لم يعترف أين صرفت هذه الأموال وقام الأخ بالاعتراف بأنه قد صرف هذه الأموال على نفسه وبيته، مفضلاً اتهام المحققين الأوغاد بالاختلاس على أن يعترف لهم ويقر لهم أين صرفت هذه الأموال ولمن أعطيت وقد تمت إهانة الأخ المسؤول كثيراً لكنه بفضل الله تعالى صمد وثبت ولم يأخذوا منه ما يريدون وفشل أسلوب الاتهام له بالاختلاس، لأنه لم يكترث لذلك أصلاً وكان هدفه حماية دعوته وإخوانه. إزاء هذا الأسلوب ينبغي للمجاهد أن يستحضر حادثة الإفك التي مَرَّ بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يفهم أن هذا الانتماء لهذه الدعوة والعمل في إطارها له ثمن وضريبة وقد يكون هنا الثمن له الضريبة في بعض الأحيان هي سمعة الأخ وشرفه.

وفي هذا السياق يجب أن نذكر أن تلك الأجهزة لم تقم فعلياً بفضح أحد من المجاهدين المعروفين بصدق ولائهم وانتمائهم من باب المحافظة على مصداقيتها وهب أن ذلك قد حصل فإن (فاقد الشيء لا يعطيه).

17- وضع المجاهد في زنازين مجاورة لزنازين العملاء والساقطين أخلاقياً:

أو شبحه والتحقيق معه على مقربة منهم وهذا الأسلوب شبيه بالأسلوب السابق إلى حد بعيد حيث يستخدم هذا الأسلوب من أجل الحط من قدر المجاهد والمس بتاريخه الجهادي إلى جانب الإساءة إلى الفكرة النبيلة التي يحملها والرسالة التي يدافع عنها، وإلا فما معنى أن يوضع المجاهد في زنازين العملاء والساقطين أخلاقياً وأن يعامل بطريقة أقل وأوضع من الطريقة التي يعامل بها هؤلاء؟! هذا إذا سلمنا بأنهم كذلك ولعل هذا الأسلوب يعكس نظرة تلك الأجهزة إلى المجاهدين وأبناء الحركة، فضلاً عن كونه قد يستفز المجاهد ويدفعه للخروج عن توازنه وهذه قد تكون نقطة البداية التي قد يتسلل منها المحققون إلى نفسية المجاهد وعقله.. وقد استخدم هذا الأسلوب مع عدد من المجاهدين ولكنهم حافظوا على رباطة جأشهم وتوازنهم وبقوا على صمودهم رغم ما حمل هذا الأسلوب في طياته من إهانة وتحقير.

وأمام هذا الأسلوب كما أسلفنا في النقطة السالفة يجدر بالمجاهد أن يدرك أن شهادة حسن سلوكه وتاريخه وعمله الدعوي والجهادي إنما هي بفعله وصدق ولائه وانتمائه ومدى تمسكه بقضايا وهموم شعبه وأمته، لا بكلمة من هذا المحقق أو ذاك ولا شهادة من هذا الجهاز أو ذاك.

ثالثاً- أساليب الضغط الجسدي:

تستخدم أجهزة عباس على اختلافها بالتوازي مع الضغط النفسي الذي تمت الإشارة إلى أساليبه وأشكاله سابقاً أسلوب الضغط الجسدي الذي يساهم في كثير من الأحيان في حسم معركة التحقيق مع المجاهد خاصة وأن المحققين لا يقيمون وزناً للضوابط والمحاذير المتعارف عليها لدى كل أجهزة المخابرات في العالم في عملية التحقيق، وهذا ما يفسر استشهاد العديد من إخواننا في غرف التحقيق التابعة لهذه الأجهزة ونقل العشرات منهم للمستشفيات. وهذا ليس من باب الترويع بقدر ما هو وضع النقاط الحقيقة على حروف الواقع، وتبصير المجاهدين بشراسة التحقيق لدى هذه الأجهزة، الأمر الذي يقتضي رفع درجة الجاهزية والاستعداد لتمكين البناء الروحي والإيماني لدى أبناء الحركة على اختلاف مواقعهم ومسؤولياتهم وحتى لا نذهب بعيداً بخيال المجاهد يمكن التطرق إلى بعض أساليب الضغط الجسدي الذي تستخدمه أجهزة أمن عباس، وهي على النحو الآتي، "مع ملاحظة أن الأساليب التي سيتم تناولها أخذت من عينة عشوائية من المجاهدين وبالتالي فهي على سبيل المثال لا الحصر":

1- الشبح:

ويعتبر الشبح أحد أكثر الأساليب الجسدية استخداماً لدى أجهزة أمن عباس لما لها من أثر فعال في ترويض المعتقلين وبالتالي انتزاع الاعترافات منهم وتمكن كلمة السر في كثرة استخدام هذا الأسلوب والتركيز عليه كونه لا يترك آثاراً جانبية أو واضحة على جسد المجاهد مما يساعد المحققين في إخفاء جرائمهم بحق المعتقلين أمام المؤسسات الحقوقية وبالذات مؤسسة الصليب الأحمر الذي يسمح له بزيارة مقرات أجهزة أمن عباس مرة كل أسبوعين تقريباً.

أ- الشبح على الحائط أو على باب الزنزانة:

حيث يجبر المجاهد على الوقوف أمام حائط أو أمام باب زنزانة ويتم وضع كيس على رأسه تفوح منه رائحة كريهة ونتنة جراء العرق والمخاط، ومن ثم يتم ربط وشد يديه إلى الخلف في زاوية 45 - 90 درجة حسب مجريات التحقيق، حيث يشعر المجاهد بعد مرور ربع أو ثلث ساعة في حال كانت اليدين مشدودتين إلى الخلف بزاوية 90 درجة، باخضرار في يديه وآلام في أسفل قدميه الأمر الذي يدفعه إلى الصراخ طالباً تخليصه من هذا الشبح أو إنزال يديه إلى الأسفل.
وطبعاً إزاء هذا النوع من الشبح يمكن للمجاهد أن يتحرك يميناً وشمالاً وبشكل محدود لتخفيف الضغط عن يديه المشدودتين للأعلى، إضافة إلى الدعاء والاستعانة بالله عز وجل وقراءة القرآن والصلاة.

ب- الشبح على الكرسي:

حيث يجبر المجاهد على الجلوس على الكرسي والذي قد يكون صغيراً أو كبيراً ويتم وضع ذات الكيس على رأسه ومن ثم يتم ربط يديه من الخلف بذلك الكرسي.
وهذا النوع قليل الاستخدام حيث يستخدم لإعطاء المجاهد قسطاً من الراحة خاصة إذا كان مشبوحاً لفترة طويلة على الحائط أو على باب الزنزانة أو كان يعاني مثلاً من دسك في ظهره أو رقبته.
بعض المجاهدين وبسبب حرمانهم من النوم كانوا يستغلون هذا النوع من الشبح لأخذ قسطٍ من النوم ولكنهم كانوا يمنعون من ذلك بسبب قيام العساكر (السجانين) وبطلب من المحققين بالصراخ في وجوههم أو توجيه بعض اللكمات لهم.

ج– الشبح وتعليق اليدين في السقف ورفع الجسم عن الأرض:

يكاد يكون هذا النوع من الشبح أصعب أنواع الشبح وأضره حيث يتم ربط يدي المجاهد من الخلف للأعلى بزاوية قد تصل إلى 120 درجة مما يسبب انحناء الظهر ثم يتم رفع الجسم كل الجسم عن الأرض "بكرة" معلقة في السقف حتى لا تكاد تلامس قدما المجاهد أو أصابع قدميه الأرض.
وبمرور من 10- 15 دقيقة على هذه الشبحة يبدأ المجاهد بالشعور بالألم الشديد جراء اخضرار يديه فضلاً عن تصببه عرقاً وإحساسه بالعطش الشديد وتستمر هذه الشبحة من 3- 4 ساعات ويشعر بها المجاهد وكأنها الدهر، ثم يتم عكس اليدين لتصبح من الأمام ولكنهما بزاوية قد تصل إلى 360 درجة أي مرفوعتان بالكامل للأعلى.
وبالتوازي مع هذه الشبحة يقوم المحققون أو السجانون بدفع المجاهد من ظهره بأقصى قوة إذا كان مشبوحاً حسب الطريقة الأولى فيشعر أن يديه انخلعتا عن جسمه أو رفع يديه بأقصى زاوية ممكنة فيصرخ بشكل لا إرادي لدرجة يشعر معها المجاهد بأن يديه قد أصابهما الشلل.
طبعاً هذه الشبحة قد تستمر لفترات طويلة ولكن بشكل متقطع حيث يتم إراحة المجاهد بشبحه على الباب أو على الكرسي ثم بشبحه بنفس الطريقة وهلم جراً.
إزاء هذه الشبحة الصعبة ومع الشعور بالألم الشديد جراء اخضرار اليدين وبالعطش الشديد يصعب على المجاهد أي حركة لتخفيف وطأة هذه الشبحة، ولكن من الضروري على المجاهد وهو على هذه الحال أن يلهج بالأذكار وأن يتفكر فيما أعده الله للمجاهدين الصابرين من أجر عظيم في الدنيا والآخرة وأن يتذكر صعوبة أهوال يوم القيامة وأن فيه من العذاب جراء الشبح قد يسهل عليه أهوال يوم القيامة.

د– شبحة الموزة ثم كسر الظهر:

حيث يقوم أحد المحققين بإجبار المعتقل أو المجاهد على الاستلقاء على طاولة بحيث يصبح أسفل ظهره على حافة الطاولة ويقوم آخر بتثبيت قدمي المعتقل ثم يقوم المحقق الأول بدفع ظهر المعتقل إلى الأسفل بدرجات مختلفة فيشعر بألم شديد في ظهره وأسفل بطنه ويستمر الضغط على ظهر المعتقل حسب هذه الطريقة لعدة دقائق معدودة.
ومع تكرار هذه الشبحة أو هذا الأسلوب من الضغط ونتيجة لدفع الظهر للأسفل بدرجة كبيرة قد يتسبب ذلك بديسك للمجاهد في ظهره إلى جانب تمزق عضلات معدته سيما إذا كان الأخير لا يمارس الرياضة ولا توجد له لياقة بدنية.
وأما بالنسبة لكسر الظهر فهي عملية عكسية حيث يجبر المعتقل أو المجاهد للاستلقاء على طاولة بحيث يكون أسفل بطنه على حافة الطاولة ويقوم أحد المحققين برفع بطن المعتقل أو المجاهد وكذلك قدميه للأعلى ولمدة لا تتجاوز 3- 4 دقائق وكأن ظهره قد تعرض للكسر أو يكاد هذا إلى جانب شعوره بألم شديد وأسفل بطنه وتحديداً في عضلات المعدة السفلية.
وأمام هذا الأسلوب من الشبح كغيره ينبغي على المجاهد الاستعانة بالله والإكثار من ذكره.

2- الفلقة:

حيث يجبر المجاهد الاستلقاء على ظهره، ويتم وضع قدميه على كرسي ثم يتم شدهما بالاستعانة بأحد العساكر أو يتم وضعهما في صندوق مفصل لهذا الغرض حتى لا يستطيع المجاهد تحريك قدميه إطلاقاً ويقوم بعدئذ أحد المحققين أو السجانين بضرب المجاهد على باطن قدميه بواسطة عصا أو كيبل مشدود ثم يوضع في فم المجاهد أحياناً جربانة مملوءة بالملح حتى لا يتمكن من الصراخ ومع الضرب المجاهد بهذا الشكل يبدأ بالصراخ والتصبب عرقاً فضلاً عن الشعور بجفاف حلقه.
طبعاً لا يوجد عدد محدد للفلقة، ولكن مع مرور الوقت تبدأ علامات التعب والإرهاق الشديدين بالظهور على المجاهد، مما يضطر المحقق إلى وقف الفلقة أو الطلب من المجاهد السير على قطع ثلجية لمسح آثاره أو علاماته أو للتخفيف من التورم الذي تسببه، وإزاء هذا الأسلوب وككل أسلوب ينبغي على المجاهد الاستعانة بالله والدعاء والإكثار من الذكر وأن يستحضر صور الأبطال الذين ثبتوا وصمدوا وانتصروا عليه بإرادتهم وأن يدرك أنه ومع اشتداد معركة التحقيق كان الفرج أقرب من أي وقت مضى.

3- الضرب:

هذا الأسلوب من الأساليب التي تستخدمها أجهزة أمن عباس بكثرة ضد المجاهدين ولكنه رغم ذلك فإن هذا الأسلوب يعبر عن إفلاس المحققين أو عجزهم أمام صمود وثبات المجاهدين، فضلاً عن كونه نتيجة تعرضهم (المحققين) للاستفزاز من قبل المجاهدين وأن غالبيتهم العظمى لا يتمتعون بالصبر والأناة والتي تعتبر من أهم الصفات للمحققين.

ويتخذ الضرب أشكالاً مختلفة ويوجه إلى كل أماكن الجسم تقريباً، ومن الأمثلة على ذلك:
الضرب على القدمين.
الضرب على البطن، وقد تسبب ذلك في تمزق جدار المعدة لدى العديد من المجاهدين.
الضرب على الوجه أو "اللطم" وقد تسبب في تورم شديد لدى العديد من المجاهدين.
الضرب على الرأس وقد يتسبب ذلك في فقدان الوعي لدى العديد من المجاهدين.

وواضح من خلال استعراض الأمثلة أن الضرب عموماً لدى أجهزة أمن عباس لا يخضع لأية ضوابط أو معايير.
وفي هذا السياق إذا كان الضرب يحصل في فترة التحقيق – وهو كذلك إلى حد كبير – فعلى المجاهد أن يحاول حماية المناطق الحساسة من جسمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ثم ليصبر ويتحمل لأن اللجوء إلى الضرب قد يكون إيذاناً بانتهاء التحقيق معه، وإلا فليعرض عن عدم استفزاز محققيه قدر المستطاع، وألاّ يدفعهم لضربه تحسباً لإيذائه أو التسبب له بتشوه أو بعاهة مستديمة، فالشجاعة أو البطولة تقتضي من المجاهد في بعض الأحيان وفي ظروف معينة أن يتحمل بالصبر والهدوء والحكمة.

4- شد الكلبشات حول اليدين:

حيث يقوم المحققون هنا بشد الكلبشات حول يدي المعتقل بأقصى قوة ممكنة ثم الضغط عليها لدرجة يشعر فيها المجاهد أنها أي الكلبشات قد انغرست في لحمه وعظمه الأمر الذي قد يتسبب في تحشر الدم في يديه فضلاً عن تورمهما وازرقاقهما ويستمر المحققون في شد الكلبشات ولمدة لا تزيد عن ثلاث دقائق يتسبب ذلك في شل اليدين، وبما أن الأمر كذلك فعلى المجاهد أن يصبر ويتحمل هذا الأسلوب رغم قسوته وأن يستعين بالله فهو حسبه وناصره.

5- استغلال الأمراض والإصابات:

قد يكون المجاهد مصاباً بأحد الأمراض كالديسك أو الروماتيزم أو قد يكون قد تعرض لإصابة في مشواره الجهادي على يدي الاحتلال في مكان ما في جسمه، وهذا يقتضي بشكل طبيعي ولاعتبارات إنسانية وقانونية وأخلاقية من المحققين مراعاة حالة هذا المجاهد بل وتقديم العلاج اللازم له.
بيد أن محققي أجهزة أمن عباس عموماً لا يقيمون وزناً لهذه الاعتبارات بل ويعملون على استغلال مرض المجاهد أو مكان إصابته للضغط عليه ودفعه للاعتراف.

أحد المجاهدين كان قد خضع لعملية جراحية قبل اعتقاله لدى أجهزة عباس بسبب ديسك في ظهره وعند اعتقاله وتحويله للتحقيق أخبر المجاهد محققيه عن حالته الصحية وأن شبحه أو ضربه على مكان العملية قد يتسبب في شلله، ولكنهم لم يكترثوا البتة، واستغلوا مكان العملية وقاوموا بالضغط عليه حتى انفتح مكان العملية وتمزقت عضلات ظهره واضطر المحققون لوقف التحقيق معه قليلاً وتغيير أساليب التحقيق معه.

6- أساليب أخرى:

هناك أساليب ضغط جسدي استخدمت في حق العديد من المجاهدين ولكنها لم تستخدم كثيراً لذا سنكتفي بذكرها دون شرحها وهي على النحو التالي:
نتف شعر اللحية أو الشارب.
إطفاء أعقاب السجائر في أصابع القدم واليدين.
قرص الأثداء إما باليد أو بالكماشة.
قلع الأظافر.
الصعود والنزول لإرهاق عضلات الفخذ.

طبعاً هذه الأساليب وأساليب أخرى استخدمت في بداية الحملة الاستئصالية التي تقوم بها أجهزة أمن عباس ضد أبناء الحركة وفي نطاق محدود جداً.
أما اليوم فتكاد تكون مثل هذه الأساليب قد انتهت لأنها تترك آثاراً واضحة على أجساد المجاهدين مما يتسبب بإحراج هذه الأجهزة أمام المؤسسات الحقوقية وخاصة الصليب الأحمر.

رابعاً- العروض التي تقدمها أمن عباس للمعتقلين وكيفية التعامل معها:

بالتوازي مع الضغط النفسي والجسدي الذي تمارسه أجهزة أمن عباس بحق المجاهد وأمام صموده وتماسكه تلجأ هذه الأجهزة إلى التحايل عليه لابتزازه ومساومته من خلال بعض العروض لجهة الحصول على الاعتراف، وبطريقة توحي للمجاهد أن المحققين حريصون على مصلحته وقلقون بشأنه، وأنهم معنيون بشكل جدي لإنهاء التحقيق معه.
وقد انطلت هذه العروض على بعض المجاهدين (للأسف) بل وعلى بعض القياديين، وتعاطوا معها وقدموا ما في جعبتهم من أسرار ومعلومات أدت إلى إضعاف الحركة وشلّها في بعض المواقع.
ولا شك أن تأثير هذه العروض قد يكون أبلغ وأكثر فعالية من استخدام الكثير من أساليب الضغط النفسي والجسدي، وهي تعتمد على طريقة إخراجها وحِرَفية المحققين ومدى سذاجة المجاهد وتأثره بجو التحقيق.

ومن أهم العروض التي تقدمها أجهزة عباس للمجاهد من أجل الحصول على اعترافه:

1- الإفراج الفوري:

حيث يتعهد المحققون للمجاهد إذا ما أدلى باعترافه اختصر إجراءات الإفراج عنه بل ورفع توصية مستعجلة لمدير الجهاز المسؤول عن اعتقاله تتضمن الإشادة به وتعاطيه مع المحققين والمطالبة بالإفراج عنه في غضون يوم أو يومين على الأكثر.

- ولا شك أن مثل هذه العرض الساحر يجعل المعتقل وهو يتخيل نفسه في جو التحقيق الرهيب بين أهله وذويه لدرجة قد ينسى معها ما قد يتسبب به اعترافه من ضرر لإخوانه وحركته.
والهدف من هذا العرض هو بكل تأكيد تجنيد نفس المجاهد ورغباته وآماله في معركة التحقيق لصالح المحققين لتكون أحد الأدوات الفاعلة للحصول على الاعتراف.
وقد انطلى هذا العرض على بعض المجاهدين وقدموا بموجبه اعترافاتهم للمحققين ولكنهم اكتشفوا أن ما عُرض عليهم كان مجرد وهم، حيث مكثوا في زنازين التحقيق أشهراً طويلة تحت ذرائع مختلفة منها:

أنهم لم يعترفوا بكل شيء.
أو أن قرار إفراجهم قد خرج من أيديهم إلى المستوى السياسي للسلطة إلى غير ذلك، من هنا ينبغي على المجاهد أن يدرك أن المحقق وإن لبس ثوب المنقذ أو المخلص يبقى هو هو (مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً).

2- التعهد بعدم تقديم ملف التحقيق للمحاكم الفلسطينية وبالذات محكمة أمن الدولة:

حتى مرحلة معينة من التحقيق يقوم المحققون بتصوير التهم المنسوبة للمعتقل أو المجاهد بأنها تهم خطيرة وأنها تهدد مصالح الوطن وتعمل على إثارة الفتن، فضلاً عن التآمر وقلب نظام الحكم إلى غير ذلك.

وهذه التهم في حال توجيهها رسمياً للمعتقل من قبل النائب العسكري فإن محكمة أمن الدولة تستصدر حكماً ضده قد يصل إلى حد المؤبد أو الإعدام وفي جو التحقيق الرهيب ونتيجة لتكرار هذا الأسلوب وبوتيرة تصاعدية قد تتأثر نفسية المعتقل ويظهر خوفه من هذا المصير؛ وعندئذ يبدأ المحققون بتهدئة روع المجاهد وإعطائه تطمينات بل والتعهد أمامه بعدم تقديم ملفه إلى المحكمة إذا ما تعاطى معهم وقدم الاعتراف المطلوب لهم.
وهنا يقع المجاهد في هذه المصيدة وينفجر صراع داخل في نفسه قد يؤدي في النهاية لاستسلامه لهذا العرض وقبوله.

طبعاً لم يسجل حتى الآن أن قدمت ملفات معتقلين للمحاكم الفلسطينية باستثناء بعض الحالات وهذا راجع إلى وجود ثغرات قانونية فيها يمكن استغلالها لصالح المعتقلين بسهولة.

وهبها – أخي المجاهد – كانت القاضية كما يقول سيد قطب رحمه الله مع أنها بالتأكيد ليست كذلك ولن تكون فإن المجاهد الذي تربى على موائد القرآن الكريم ورضع من حليب هذه الدعوة لن تنحني له قامة ولن تلين له قناة.

3- حصر التحقيق مع المجاهد بمدير الجهاز المسؤول عن اعتقاله:

يدور في بعض الأحيان نقاش بين المحققين – وبالذات من يقومون بدور الصديق – وبين المجاهد حول الأسباب التي تحول دون اعترافه أو تعاطيه معهم.
حيث يقوم هؤلاء المحققون بتوجيه بعض الأسئلة للمجاهد، ومن أهم هذه الأسئلة مثلاً هل أنت خائف من اعترافك كونك تتمتع بثقة ومحبة إخوانك في حماس، وهل تخشى من محاسبتهم لك؟ وكيف هي ثقتك بمحققيك وسجانيك؟ وهل تشعر بوجود حاجز بينك وبينهم وهل تعتقد أن اعترافك أمام محققيك أو سجانيك قد يفضح أمرك؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.
طبعاً مثل هذه الأسئلة في الغالب، توجه لكوادر الحركة أو من يتمتعون باحترام داخلها، وقد يكون هناك فعل تحسباً للمجاهد من الاعتراف وقلقاً من تسرب اعترافاته لإخوانه وبالذات إذا كان شخصاً يضطلع بمسؤوليات كثيرة داخل الحركة.
فيبدأ في داخله حديث نفسه، أنني قد تحملت بما فيه الكفاية من صنوف العذاب وألوانه ولم يعد لدي القدرة على التحمل أو الاستمرار في الصمود في هذه المعركة المفتوحة، ثم يصطدم برمزيته وموقعه ومدى احترام إخوانه له ولكنه يريد تجاوز ذلك، فتكون الأسئلة السابقة بمثابة حافز له لنقل ما يدور بينه وبين نفسه إلى المحقق "الصديق" حيث يستغل الأخير ذلك، ويعرض عليه حصر التحقيق معه من قبل مدير الجهاز المسؤول عن اعتقاله، والتعهد بعدم تسريب أي من اعترافاته، ثم الإفراج عنه بعد تصويره بأنه كان "أسطورة" في التحقيق، وقد عُرض مثل هذا العرض على كوادر الحركة في منطقة ما معينة حيث تعاطى معه وأدلى بموجبه باعترافاته أمام أحد قادة أجهزة أمن عباس وكانت النتيجة فضيحة لهذا الأخ، وليس نتيجة لاعترافاته فحسب – التي تكشفت لاحقاً – وإنما لتعاطيه مع هذا العرض والتغرير بإخوانه وحركته.

وحتى لا يقع المجاهد في هذا الشرك ينبغي أن يعرف أن مثل هذا العرض هو مجرد خدعة ليس إلّا وأن تعهد مسؤولي أجهزة أمن عباس بعدم تسريب الاعترافات هو وهم وضحك على الذقون، هذا إلى جانب كون القبول بمثل هذا العرض يعتبر جريمة وخطيئة تنظيمية كبيرة لا يمكن قبولها على الإطلاق.

4- اختيار شخصية سياسية معروفة للاعتراف أمامها:

قد يحصل وأن يتهم المجاهد الجهاز المسؤول عن اعتقاله بالتنسيق مع الاحتلال، وأن كل ما يتم انتزاعه من قبل المعتقلين يتم ضخه لجهاز المخابرات "الإسرائيلية"، طبعاً مثل هذا الاتهام عادة يُواجه بالتكذيب، بل ويتم استغلاله للانقضاض على المعتقل بالضرب المبرح، لأن في ذلك اتهام وإشارة لعمالة الجهاز والعاملين فيه مع الاحتلال، ولكن في بعض الأحيان يتم استغلال هذا الاتهام على نحو آخر، حيث يقوم أحد المحققين بالإقرار للمجاهد بأن جهازه فعلاً يقوم بمهمة التنسيق الأمني مع الاحتلال ولكن ذلك كان في السابق والآن لم يعد هذا الأمر قائماً، لأنهم استفادوا من أخطائهم، ثم يقوم بعد ذلك بتوجيه سؤال للمجاهد مفاده: إذا ما قدمت لك الضمانات الكافية بأن جهازنا لا يقوم بالتنسيق الأمني مع الاحتلال فهل لديك الاستعداد للاعتراف عندئذ؟ وأمام الضغط النفسي والجسدي وأمام اقتناعه بأن المعلومات التي تتعلق بهيكلية الحركة ومقدراتها والتي ستحصل عليها الأجهزة الأمنية منه أو من غيره من المجاهدين هي التأكد من سلامة وجهة الحركة وأهدافها.

وأمام تعهد تلك الأجهزة بتوفير الضمانات الكافية لعدم تسريبها للمخابرات "الإسرائيلية"، قد يتسرب لنفس هذا المجاهد الضعف ويبدأ بالسؤال عن تلك الضمانات وماهيتها.

وهنا يقدم المحقق عرضاً يتمثل في إعطاء المجاهد فرصة لاختيار شخصية سياسية معروفة بولائها للسلطة والاعتراف أمامها.
طبعاً هذا العرض هو لتضليل هذا المجاهد وخداعه فقد يتم استدعاء إحدى الشخصيات السياسية من أجل الحصول على اعترافات المجاهد ولكن قد يحصلوا على كل شيء من قبل هذه الشخصية لاحقاً بشكل مباشر، وقد يزرعون جهاز تنصت في الغرفة التي تجمع المجاهد بتلك الشخصية.
وهذا العرض قدم للعديد من المجاهدين ولكنهم لم يتعاطوا معه ولم يُسجل حتى الآن أن مُرر هذا العرض على أي مجاهد ولكن الحذر مطلوب أمام ذلك.

5- عدم التعرض لأبناء القضية المعترف عليهم بالاعتقال:

هناك بعض المجاهدين وإزاء الضغط النفسي والجسدي يفكرون في الإدلاء باعترافاتهم ولكنهم يظهرون بعض التردد الذي قد يرتسم على قسمات وجوههم أو في ثنايا كلامهم، وهنا قد يستغل بعض المحققين وبالذات ممن صقلتهم تجربة العمل في أعصاب الناس ونفسياتهم وأعمارهم ودمائهم يحاولون استدراجهم نحو الحديث عما يدور في خواطرهم أو ما يعتمل في قلوبهم ونفوسهم مقابل مساعدتهم قدر المستطاع.

وفي هذا السياق ونتيجة لتراجع نفسيات المجاهدين فمن الوارد أن يقرر هؤلاء الاعتراف ولكنهم في ذات الوقت لا يريدون أن يجروا إخوانهم أو يغرونهم، فيبدأون بالحديث عما تعترضهم من عقبات وتخوفات أمام المحققين وبالذات أمام الذين يتقمصون دور الصديق فيستغل المحققون هذه الحالة ويظهرون تأسفهم وتعاطفهم معهم، ويستفسرون عن هذه العقبات، فإذا بها: أبناء القضية والخوف من اعتقالهم.

عندئذ ينقض المحققون على المعتلقين أو المجاهدين بعرض يتمثل بتعهد بعدم التعرض لأبناء القضية بالاعتقال وأنه في أسوأ الأحوال سيتم استجوابهم لساعات ثم يتم إخلاء سبيلهم، فيقوم المجاهدون بالاعتراف وتقديم ما في جعبتهم من أسرار ومعلومات.

ومن خلال استعراض بعض التجارب، هناك بعض المجاهدين – وهم قلة – قبلوا مثل هذا العرض وتعاطوا معه ولكنهم أدركوا لاحقاً أنه قد تم خداعهم وتضليلهم، حيث قامت أجهزة أمن عباس باعتقال أبناء قضيتهم وتعذيبهم وعند سؤالهم عن سبب عدم التزامهم بعدم التعرض لأبناء القضية، قد اعتقلوا على تهم أخرى لا علاقة لها بالاعتراف.

6- السماح بزيارة الأهل أو إجراء مكالمة هاتفية معهم:

بعض المحققين وأمام استمرار التحقيق مع المعتقل لفترة طويلة دون السماح لأهله أو ذويه بزيارته يزعمون بأن وسائل الإعلام المقربة من حماس نشرت خبراً مفاده أنه قد نقل المجاهد إلى المستشفى في حالة خطيرة جراء التحقيق معه ثم يبدأون بالتساؤل أمام المعتقل عن حالة أهله وذويه وبالذات أمه أو زوجته عما سيحصل لهم في حال وصول هذا الخبر إليهم، وقد يكون مثل هذا الخبر قد وصل فعلاً وهنا تبدأ نفس المجاهد بتخيل مصير أمه أو أبيه أو زوجته ثم يتسرب القلق أو التوتر إلى أعماقه فيفقد توازنه ورباطة جأشه، فيطلب من محققيه السماح لهم بزيارته أو على الأقل إجراء مكالمة هاتفية معهم ليقوم بطمأنتهم عليه وعلى صحته، وهنا يستغل المحققون طلبه هذا والذي قد يتحول لاحقاً إلى نوع من التسول والاستجداء مع استمرار اللعب على وتر مصير الأهل وصحتهم النفسية والجسدية سيما إذا كانت الأم أو الأب يعانون أصلاً من بعض الأمراض الخطيرة والمزمنة فيوافقون على طلبه مقابل الاعتراف والتعاطي مع المحققين على أن يكون ذلك الاعتراف قبيل زيارة الأهل أو إجراء مكالمة هاتفية معهم تحت ذريعة التأكد من اعترافه وصدقه.

وقد تعاطى بعض المجاهدين مع هذا العرض واستخرجوا من أعماقهم أسراراً وتفاصيل ما عجزت عنه شتى أساليب الضغط النفسي والجسدي التي استخدمت ضدهم منذ بداية التحقيق، وإزاء هذا العرض وهذه المساومة الهابطة والتي تعتبر حقاً للمعتقل أصلاً، وينبغي للمجاهد أن تكون ثقته بعناية الله ورحمته مطلقة، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين – كما ينبغي عليه أن يستحضر عناية الله ولطفه لسيدنا موسى عليه السلام عندما قذفته أمه في اليم مخافة أن يقع في أيدي فرعون وقومه وفي ذلك سلوى وعزاء وتسلية.

وهذا إلى جانب أن مثل هذا العرض والذي يقوم أصلاً على الخداع والكذب لا يتم الالتزام به في كثير من الأحيان تحت حجج وذرائع واهية.

7- السماح للمعتقل ببعض الحقوق المصادرة والوعد بتحسين ظروف احتجازه:

منذ بدء عملية التحقيق مع المجاهد – كما أسلفنا – تصادر بعض حقوقه كالصلاة، وقراءة القرآن، والاستحمام واستخدام أدوات التنظيف إلى غير ذلك، وهذه الحقوق تصبح محل مساومة وابتزاز للمجاهد مقابل التعاطي مع المحققين والإدلاء بالاعترافات ومع مرور الوقت خاصة إذا كانت فترت التحقيق طويلة يواجه المعتقل أمام حرمانه من أبسط حقوق مشاكل جمة على صعيد التعامل مع واقع التحقيق وإفرازاته فيضاف عنصر جديد لمعاناته ومأساته، الأمر الذي يعكس على نفسيته وفي بعض الأحيان على استمرار صموده وهنا يبدأ بمطالبة محققيه وسجانيه بتوفير سبل العيش الكريم له، وإعطائه جزءاً من حقوقه المصادرة، فيستغل المحققون ذلك ويعرضون عليه تحسين ظروفه وتلبية احتياجاته المعيشية مقابل اعترافه.

وأمام تفاقم معاناة المعتقل النفسية والصحية والإنسانية ومع استمرار التحقيق وبوتيرة تصاعدية قد يضعف هذا المعتقل ويتسلل الوهن إلى نفسه فيفكر في الاعتراف الجزئي، وقد تعاطى بعض المجاهدين مع مثل هذا العرض وأدلوا بموجبه باعترافاتهم ولكنهم تفاجأوا أن المحققين لم يقتنعوا بها، واكتشفوا لاحقاً أن معاناتهم الجديدة والمتمثلة باعترافهم كانت أكبر بكثير من معاناتهم القديمة والمتمثلة بحرمانهم من بعض الحقوق المعيشية أو الصحية، وفي هذا السياق على المجاهد وفي فترة التحقيق أن يتكيف ويتعايش مع الواقع المفروض عليه قدر المستطاع وأن يلجم نفسه ورغباته ويطورها في سبيل تحمل ذلك الواقع، ومثل ذلك أن يعمل بما قاله خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم".

8- التفريغ في أحد الأجهزة الأمنية أو صرف راتب أو توفير منحة دراسية:

في بعض الأحيان وأثناء جولات التحقيق يقوم المحققون وبالذات من يتقمصون دور الصديق باستكشاف الوضع الاجتماعي للمعتقل والاستفسار عن حالته وبطريقة توحي بأن الأمر غير مقصود، ويهدف ذلك إلى إيجاد ثغرة في نفسية المعتقل من أجل النفاذ منها على طريق تطويعه وترويضه، وبالتالي انتزاع اعتراف منه، وهناك بعض المعتقلين يتعاطون مع المحققين وبالذات المحقق الصديق بنوع من السذاجة حول وضعهم الاجتماعي وحالتهم المادية، فيتم استغلال ذلك لتقديم عرض يتمثل في تفريغهم على أحد الأجهزة الأمنية وصرف رواتب لهم إلى جانب توفير منحة دراسية أو دفع أقساط الجامعة لطلاب الجامعات.

أحد المجاهدين من منطقة معينة اعتقل على خلفية النشاط في الحركة الطلابية الإسلامية في إحدى المدارس وقد تم استخدام شتى أساليب الضغط النفسي والجسدي ضده من أجل انتزاع اعتراف منه ولكنه نفى صلته بالتهمة المنسوبة إليه، فتم استغلال وضعه الاجتماعي وحالته المادية الصعبة حيث عرض عليه التفريغ في أحد الأجهزة الأمنية دون مطالبة بالدوام وصرف راتب شهري له، إضافة إلى توفير منحة دراسية له إلى أحد البلدان المجاورة ولكنه رفض هذا العرض بشدة ولم يتعاط معه.

وهنا يجب الانتباه إلى أسئلة المحقق الصديق حول الوضع الاجتماعي والحالة المادية إلى جانب الحذر الشديد إلى مثل هذا العرض الرخيص الذي يستهدف أول ما يستهدفه هو النيل من كرامة المجاهد وعفته وطهارته فضلاً عن أسراره الحركية والدعوية التي لا يدانيها شيء من نعيم الدنيا وزخارفها.

ونؤكد أن مثل هذا العرض لا يغدو سوى كونه سلسلة من الخداع تمارس ضد المجاهد فإنه حتى لو قبل هذا العرض فإنهم سيقومون باستغلاله ليكون عنصراً رخيصاً يعمل في أجهزتهم ضد الحركة.

deemamohanna@aol.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك